روايات وقصص

غريبة في عرش الألفي ج2 حكايات شروق خالد

وصوتي بيرتعش: “أعيش هنا يعني إيه؟! حضرتك أنت كده بتبتلي عليّ وبتخطفني! أنا عندي حياة وشغل وإيجار لازم يتدفع!”

حمزة ما اهتزش ولا رمش له جفن. قرب مني خطوات بطيئة لحد ما بقى واقف قدامي مباشرة، وهيبته وطوله كانوا كافيين يخلوني أحس بالضآلة.

“أولاً، أنا ما بخطفش حد،” قالها بصوت هادي بس يخوّف. “ثانياً، شغلك في المطعم انتهى، واستقالتك هتوصلهم بكره الصبح مع تعويض يخليهم ينسوا اسمك أساساً. ثالثاً، شقتك في شبرا، إيجارها مدفوع لسنة قدام من الدقيقة دي.”

“بس أنا مش لعبة في إيدك!” صرخت بقلة حيلة وأنا حريصة ما أزعجش يونس اللي كان لسه كابس وشه في رقبتي.

نجلاء أخته قربت وقالت بنبرة حادة كلها كره وشك: “حمزة! أنت مجنون؟! أنت متخيل جايب مين البيت؟ دي واحدة الشبه بينها وبين فريدة مش طبيعي! أنت عارف ده معناه إيه؟ ده ممكن يكون فخ! جماعة السويفي مش هيسيبوك، ويمكن بعتينهالك عشان—”

“نجلاء!” قاطعها حمزة بصوت زلزل أركان السرايا، وسكتت فوراً.

بصلها نظرة قاسية وقال: “يونس ما بيتقبلش حد. يونس بقاله ست شهور بيصرخ لما أي بني آدم يلمسه. والنهاردة نام في حضنها من أول ثانية. السويفي مش هيعرف يمثل على طفل عنده تسع شهور يا نجلاء.”

التفت ليّ وكمل كلامه بنفس النبرة الصارمة: “إنتي هتقعدي هنا عشان يونس. هتكوني المربية الخاصة بيه. ليكي كل احترامك، وتطلبي الأجر اللي تحديديه، بس خروج من بوابات السرايا دي… ممنوع من غير إذني.”

“وده لحد إمتى؟” سألته وأنا حاسة بالحبسة والخنقة.

“لحد ما أفهم اللغز ده،” رد وهو بيبص لوشي بتركيز مرعب. “ولحد ما أعرف إنتي طلعتيلي منين بظبط… وهل الشبه ده مجرد صدفة غريبة من ربنا، ولا وراكي سر هيقلب الدنيا.”

أشار لدادة كبيرة في السن كانت واقفة على جنب بذهول.

“دادة أمينة… خدي أستاذة ندى للجناح اللي جنب أوضة يونس. هاتي كل اللي تحتاجه، والولد يفضل معاها.”

الدادة هزت رأسها بسرعة: “تحت أمرك يا حمزة باشا… اتفضلي معايا يا بنتي.”

مشيت ورا الدادة وأنا شايلة يونس اللي كان كأنه صدّق إنه لقاني، ماسك في لياقة بلوزتي بإيده الصغيرة وصوابعه القزمة مش راضية تسيب. طلعنا الدور الثاني ومشينا في طرقة طويلة معتمة، لحد ما فتحتلي باب جناح واسع وفخم جداً، بس الكآبة كانت مالية المكان.

“اتفضلي يا بنتي،” قالت الدادة بنبرة حنونة ودافية.

دخلت وقعدت على طرف السرير الكينج، ويونس نام تماماً في حضني. بصيت للدادة وقلت بصوت مخنوق: “دادة… هو إيه اللي بيحصل هنا؟ ومين فريدة دي؟ وليه كلهم خايفين كده؟”

الدادة أمينة قفلت الباب بالراحة وقربت مني. بصت لحجم الشبه في وشي وهزت رأسها بأسى وذهول: “سبحان الله… يخلق من الشبه أربعين. والله يا بنتي لو ما كنت عارفة إن فريدة هانم اتدفت بإيدين حمزة باشا، كنت قلت إنك هي.”

“هي ماتت إزاي؟” سألتها بفضول خايف.

الدادة توترت وبصت ناحية الباب كأنها خايفة حد يسمعها، وبعدين وشت بصوت واطي جداً: “ليلة ولادة يونس… السرايا هنا اتهاجمت. ناس مسلحين تبع عيلة (السويفي)، أعداء حمزة باشا. اضرب نار كتير، وفريدة هانم أخدت طلقة وهي بتولد الولد… حمزة باشا قَتل كل اللي دخلوا البيت الليلة دي، ومن يومها وهو محول الدنيا لجهنم بيدور على اللي بعتهم.”

نزلت دمعة من عيني وأنا ببص للطفل المسكين اللي أمه راحت ليلة ما اتولد.

كملت الدادة كلامها وهي بتبصلي بقلق: “بس خدي بالك يا ندى يا بنتي… نجلاء هانم أخت الباشا مش هترتاحلك. نجلاء كانت بتكره فريدة الله يرحمها كره العمى، وشوفك في البيت ده هيفتح أبواب جحيم قديمة… خلي بالك من نفسك ومن الولد.”

الدادة سابتني وخرجت، وأنا فضلت قاعدة على السرير في الضلمة.

حطيت يونس بالراحة جنبي على السرير، بس أول ما بعدت عنه إنش واحد، بدأ يتململ ويعيط، فرديت أخدته في حضني تاني فهدى فوراً ونام.

غمضت عيني من التعب، ورحت في نوم عميق…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى