
كان دخولي إلى البنتهاوس الفخم بتاعي في القاهرة عصر يوم الجمعة المفروض يكون يوم عادي، لكن أول ما شفت نايمة على سريري، وحاضنة طفلة رضيعة لصدرها، كل صفقة عمل، وكل نجاح، وكل الملايين اللي جمعتها بقت بلا أي معنى.
وبعدين الطفلة فتحت عينيها… وشفت عينيّ أنا بتبص لي منها.
وقعت شنطتي من إيدي وخبطت في أرضية الرخام.
الطفلة اتفزعت من النوم وبدأت تعيط.
عينيها فتحت فجأة.
عدّى ست شهور من يوم ما انتهى جوازنا، ومع ذلك، مجرد إني شفتها تاني خلاني أحس إن نفسي اتقطع.
كانت باينة أضعف، مرهقة، وهشة تقريبًا، لابسة واحدة من بلوفراتي القديمة المصنوعة من الكشمير، وحاضنة الطفلة كأنها مستعدة تحارب الدنيا كلها علشان تحميها.
همست:
«يوسف.»
عيني فضلت ثابتة على الطفلة.
سألتها:
«الطفلة دي بنت مين؟»
شدت سارة دراعها حواليها أكتر.
«بنتي.»
«سارة…»
رفعت عينيها الخضرا في عيني.
وقالت:
«وبنتك أنت كمان.»
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
رجعت خطوة لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.
الطفلة كان عندها شعري الغامق، ونفس شكل بوقي، وعينيها كانت شبه عيني بشكل مؤلم لدرجة إن الإنكار بقى مستحيل.
سألتها:
«عندها كام سنة؟»
«أربعة أسابيع.»
أربعة أسابيع.
عقلي بدأ يحسب التواريخ بسرعة.
من ست شهور، أنا أنهيت جوازنا.
ومن خمس شهور، سارة اختفت من حياتي.
وبينما كنت بدفن نفسي في الشغل بين دبي ولندن وباريس، وبقنع نفسي إن البُعد هيخلّي كل حاجة أسهل، كانت هي شايلة بنتي جواها.
قالت سارة بهدوء:
«اسمها ليان.»
بنت.
أنا كان عندي بنت.
سألتها:
«كنتِ ناوية تقولي لي إمتى؟»
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
«وإنت كنت ناوي ترجع إمتى؟»
الجملة دي وجعتني أكتر من أي غضب ممكن كانت توجههولي.
شرحت لي إن رجوعي ماكانش متوقع قبل يوم الاتنين. ومن الناحية القانونية، البنتهاوس كان لسه جزء منه من حقها لحد ما إجراءات الطلاق والتسوية تخلص، وبعد الولادة ماكانش عندها مكان آمن تقدر تتعافى فيه.
سألتها:
«إنتِ هنا بقالك قد إيه؟»
«تلات شهور.»
صدري ضاق.
«كان ممكن تتصلي بيا.»
صوتها اتغير وبقى مليان مرارة:
«إنت اديتني فلوس يا يوسف. فلوس كتير.»
وسكتت لحظة، وبعدين قالت:
«بس الفلوس مش بتحضن طفلة صغيرة الساعة تلاتة الفجر، وإنتِ بتنـزفي، وخايفة، ووحدك.»
ماكانش عندي رد.
سألتها:
«ليه ماقولتيليش عليها؟»
بصت سارة لليان.
وقالت:
«علشان إنت قلت إن الجواز بيخليك تحس إنك محبوس.»
كل كلمة قالتها نزلت عليّ تقيلة.
قلت:
«أنا ماكنتش هحبسك بطفلة.»
رفعت راسها بسرعة.
«ده مش قرارك لوحدك.»
وبعدين كملت:
«إنت اللي أخدت كل القرارات في الآخر. إنت اللي قررت إننا مش سعداء. وإنت اللي قررت إن الطلاق أسهل من إننا نحاول نصلح اللي بينا. وأنا خدت قرار واحد لنفسي.»
ولأول مرة في حياتي، ماكانش عندي أي حجة أقدر أكسب بيها النقاش.
فجأة، سارة اتحركت وتألمت.
بصيت لها بقلق.
«إنتِ مصابة؟»
قالت:
«أنا ولدت من أربعة أسابيع.»
سألتها:
«مين كان معاكي؟»
«منة هي اللي وصلتني مستشفى الناس. فضلت معايا لحد تاني يوم الصبح.»
نزل صوتها وهي بتقول:
«بعد كده، كنت أنا وليان لوحدنا.»
بصيت لبنتي تاني.
أنا ماحضرتش ولادتها.
ماسمعتش أول نفس ليها.
ماسمعتش أول صرخة.
فاتني كل حاجة.
قلت بصوت منخفض:
«أنا آسف.»
هزت راسها.
«أنا مش محتاجة آسف. أنا محتاجة كام يوم كمان، وبعدها هنمشي.»
سألتها:
«هنمشي؟ على فين؟»
«هتصرف.»
«مع طفلة لسه مولودة؟»
بصت لي بثبات.
«أنا طول الفترة اللي فاتت كنت بتصرف لوحدي.»
الجملة دي كان لازم توجعني.
قلت:
«ممكن تفضلي هنا.»
جسم سارة شد فجأة.
«مش عايزة شفقة.»
«دي مش شفقة.»
«أمال إيه؟»
بصيت لليان.
وقلت:
«مسؤوليتي.»
أول ما الكلمة خرجت من بوقي، عرفت إني اخترت أسوأ كلمة ممكن أقولها.
وشها اتغير فورًا.
قلت بسرعة:
«قصدي إنها بنتي أنا كمان. وأنا لازم أساعدك.»
بصت لي باستغراب.
«إنت حتى ماتعرفش تشيلها.»
قلت:
«علّميـني.»
ولأول مرة، سارة سكتت وماتردتش.
تاني يوم الصبح، كنت لغيت كل اجتماعاتي ومواعيدي.
مساعدي بعت لي رسالة بيسألني إذا كان في حاجة حصلت.
كتبت له:
«كل حاجة اتغيرت.»
وفي الناحية التانية من المطبخ، كانت سارة واقفة بتهدهد ليان بهدوء، وبتحاول تشرب قهوتها في نفس الوقت.
سألتني:
«إنت لغيت الشغل؟»
«أيوه.»
«إنت عمرك ما بتلغي شغلك.»
«دلوقتي بلغي.»
فضلت تبص لي وكأنها مستنية تعرف إيه السبب الحقيقي.
وفجأة، ليان بدأت تعيط.
وش سارة شحب في لحظة.
مش من التعب.
كانت خايفة.
قربت منها بسرعة وقلت:
«في إيه؟»
ضمت ليان لصدرها أكتر وهمست:
«يوسف… في حاجة عن ليان إنت لسه ماتعرفهاش.»
حكايات شروق خالد
«حاجة إيه؟»
سارة ما ردتش فورًا. كانت بصّة واحدة لوش ليان كفاية تخلي قلبي يدق بعنف.
قربت منها أكتر.
«سارة، إنتِ خوفتيني. قولي في إيه؟»
رفعت عينيها لي، وقالت بصوت متردد:
«قبل ما أولد بأيام، الدكتور قال إن ليان محتاجة متابعة خاصة.»
«ليه؟»
«علشان نتيجة التحاليل.»
«تحاليل إيه؟»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«تحاليل وراثية.»
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
«يعني إيه؟»
«يعني الدكتور كان شاكك إن عندها مشكلة وراثية ممكن تكون جاية من الأب.»
بصيت لليان.
«وإيه علاقة ده بيا؟»
«كل العلاقة.»
قربت سارة مني، وطلعت ظرف أبيض من فوق الترابيزة.
مدتهولي.
«الدكتور طلب إن الأب يعمل تحليل.»
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
جوا الورقة كان اسمي مكتوب.
يوسف المنصوري.
رفعت عيني لها.
«إنتِ عملتي التحليل؟»
هزت رأسها.
«لا.»
«ليه؟»
«لأني كنت خايفة.»
«من إيه؟»
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
«من النتيجة.»
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعدين قالت:
«أنا مش خايفة إنك تكون أبوها يا يوسف… أنا كنت خايفة إنك تطلع فعلًا أبوها، وبعدها تكتشف إن بنتك مريضة، فتقرر إن وجودها هيبقى عبء عليك زي ما كنت شايف جوازنا عبء.»
الكلام وجعني.
قلت:
«إنتِ لسه شايفة إني ممكن أعمل كده؟»
ضحكت بحزن.
«أنا شفتك وإنت بتخرج من حياتي من غير ما تبص وراك.»
«كنت غبي.»
«كنت قاسي.»
«عارف.»
«وأنا دفعت تمن ده لوحدي.»
بصيت لليان.
كانت بتعيط بصوت ضعيف.
مديت إيدي ناحيتها لأول مرة من غير تردد.
«هاتيهالي.»
سارة اترددت.
«يوسف…»
«هاتيهالي يا سارة.»
حطتها بين ذراعي بحذر.
في اللحظة اللي جسمها الصغير لمس صدري، سكتت.
اتجمدت مكاني.
بنتي كانت بتبص لي.
وضعت إيدها الصغيرة على ياقة قميصي، وكأنها بتتأكد إني موجود فعلًا.
حسيت بحاجة عمرها ما حصلت لي.
خوف.
مش على صفقة.
مش على فلوس.
مش على شركة.
عليها هي.
قلت:
«هنعمل التحليل.»
سارة بصت لي.
«ولو النتيجة طلعت إن عندها مشكلة؟»
بصيت لها بثبات.
«هنعالجها.»
«ولو كانت المشكلة كبيرة؟»
«هنواجهها.»
«ولو احتاجت علاج سنين؟»
«هفضل معاها سنين.»
دموعها نزلت.
«ولو أنا؟»
سكت.
السؤال كان أكبر من كل حاجة.
قلت:
«إنتِ كمان مش هتواجهي أي حاجة لوحدك.»
هزت رأسها بسرعة.
«ما توعدنيش بحاجة مش متأكد منها.»
قربت منها وقلت:
«أنا متأكد.»
في نفس اللحظة، تليفوني رن.
كان مدير أعمالي.
رديت.
«أيوه؟»
قال بصوت متوتر:
«يا يوسف، لازم تيجي الشركة فورًا.»
«مش هقدر.»
«الموضوع خطير.»
«أيًا كان الموضوع، أجّله.»
سكت ثواني.
وبعدين قال:
«الموضوع متعلق بطلاقك من سارة.»
بصيت لها.
«قول.»
«في تحويلات مالية اتعملت قبل الطلاق بأسبوعين. مبالغ ضخمة خرجت من حساب مشترك باسمك واسم سارة.»
«إيه؟»
«والتحويلات راحت لشركة باسم شخص اسمه حازم الدمنهوري.»
وش سارة اتغير فورًا.
قالت:
«حازم؟»




