روايات وقصص

​عصا العجوز حكايات_شروق_خالد

«يا ستي. هي الشغلة بتاعتك إيه أيام الهكسوس؟» مرفعتش عيني خالص. كنت قاطعة مشوار ساعة بالباص عشان أكل طبق شوربة العدس ده. «أنا بكلمك يا حاجة». كانوا تلاتة. واللي بيتكلم كان في أواخر العشرينيات كده، رقبته قد برميل المخلل وصوت بيعامل الناس كننا في معسكر تدريب.

الراجل كان رتبته صول، أو عسكري كبير على الشارة اللي على صدره اللي كان مكتوب عليها: رزق.
اسمي كوثر عبد الرازق. عندي واحد وثمانين سنة، وعايشة لوحدي في شقة في إمبابة فيها سلم كتير يهد الحيل. كنت ممرضة في مستشفى الحكومي تلاتين سنة.
وقبل كده، من زمن يادوب يتنسي، كنت حاجة تانية خالص.
في يوم الحد ده، كنت قاعدة في الصالة الكبيرة بمديرية الأمن أو نادي ضباط الشرطة.
كنت لابسة بالطوب الرمادي النظيف بتاعي وجزمة الكنيسة المريحة. والكل حوالينا شباب لسه بيبتدوا حياتهم في الخدمة وأصغر من أحفادي.
قال الصول رزق: «إيه يا ست انتي، ده مكان حكومي وليه قواعد، دخلتي هنا إزاي من غير تصريح؟ ولا جاية من دار المسنين تاكلي لقمة ببلاش؟»
اصحابه ضحكوا بصوت عالي.
القاعة كلها هديت فجأة.
الكلام قل وبقى صوت المعالق بس هو اللي في المكان.
الكل قاعد بياكل وعينه علينا بس بيعملوا نفسهم مش مهتمين.
سيبت المعلقة من إيدي خالص.
شكل ده خلاه يتعصب زيادة.
حط صينيته على الطاولة اللي جنبنا وضرب بإيده الاتنين على الترابيزة بتاعتي، وكان على دراعه وشم كده لفت نظري.
«بكلمك وبقولك بصي في وشي! إحنا هنا عندنا نظام، مش أي حد يفرش ويقعد على ترابيزة في صالتي كده عافية. انطقي، مين إنتي وبتعملي إيه هنا؟»
بنت صغيرة قاعدة على الترابيزة اللي جنبنا رفعت راسها.
شكلها لسه ما كملتش العشرين.
فتحت بوقها تتكلم، بس لما شافت شريط الشغل على كتافه خافت وقفلته تاني.
لفيت راسي ببطء.
كان وشّه ملامحه حلوة بس الغرور ماليه والشدة عامية عيونه، ده عيل تربى على إنه أقوى واحد في الشلة ومحدش كسر نفسه قبله.
بصيت على اسمه المكتوب.
وبصيت على الشارة اللي على كتافه.
وبصيت على الدبوس النحاس الصغير اللي فوق جيبه، اللي بيميز الكتيبة أو الإدارة اللي هو فيها.
درع أزرق وعليه صقر أبيض.
مدخلتش معاها في كلام.
مسكت كوباية المية وشربت منها بهدوء.
واحد تاني من صحابه قال بصوت حاد: «إيه يا ست انتي خرساء؟»
قال الصول رزق: «طلبت البطاقة يا ست انتي طلعيها».
وخبط بصوابعه على الترابيزة مرتين.
«يلا، هاتي الكارنيه».
طبعاً ما كانش من حقه يعمل كده أصلاً.
الصول ما يقدرش يطلب بطاقة من زائر قاعد في القاعة، دي شغلة الأمن وشرطة النجدة، وكل اللي في القاعة كانوا عارفين كده كويس.
وكان معايا تصريح زيارة رسمي أصلاً، محطوط جوه شنطتي في حبل أزرق ومعاه صورتي.
بس أنا ما رضيتش أطلعه.
عندي عناد صعيدي الله لا يوريكِ، جوزي الله يرحمه كان دايماً بيقول عليه العجيبة الثامنة.
مش أنا اللي هطلع ورقي عشان عيل لسه بشنب يطلبه مني.
شربت بق مية تاني.
وإيدي كانت ثابتة، دي الحاجة الوحيدة فيا اللي لسه بتسمع الكلام.
وشه بقى أحمر زي الطماطم.
هو فتح على نفسه باب قدام مئتي بني آدم، والدنيا مروحتش زي ما هو متوقع.
قال بغضب: «شكلك هتعملي لي مشكلة.. قومي معايا على البوابة يلا».
متحركتش من مكاني مليمتر.
فرد ضهره وطول بطوله، وبص عليّ من فوق لتحت، من شعري الأبيض لحد جزماتي، بيدور على أي غلطة تانية.
ولقاها.
على ياقة بالطوب الرمادي، محطوط دبوس قديم.
صغير ولونه النحاس اسود من كتر السنين.
نفس الدرع الأزرق اللي عليه الصقر الأبيض.
نفس الشارة اللي على صدره بالضبط.
بس بتاعتي أنا أقدم من عمره هو شخصياً بخمسين سنة وزيادة.
فضل باصص للدبوس مبلم.
بعدين مد صباعه وشاور عليه وقرب لحد ما بقى على بعد سنتين من رقبتي:
«جبتي ده منين؟»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى