منوعات

فستان الفرح المشؤوم حكايات شروق خالد

أول صوت قوي دوّى في جناح شهر العسل بعد أربعة وعشرين دقيقة بالتمام والكمال من اكتشاف آسر إن مراته مفيش حد لمسها قبل كده.

الصوت اخترق هدوء الجناح، وحرّك وردة بيضا كانت موجودة في الفازة جنب الشباك، وعدّى الأوضة بقوة، واستقر في الخشب على بعد مسافة صغيرة من آسر.

نور صرخت، لكن آسر ما ارتبكش.

شدّها من وسطها بسرعة، واختبأ بيها خلف البار الرخامي، قبل ما الصوت التاني يكسر زجاج الشباك.

ساعتها، ونور بتترعش في حضنه، وآلاف خيوط القماش من فستان الفرح متشابكة حوالين رجليهم، آسر فهم إن فيه مشكلة أكبر بكتير من مجرد محاولة لإفساد ليلتهم.

فيه حد عارف مكانهم بالتفصيل.

والأغرب إن أبو نور كان مصرّ إنها تفضل لابسة الفستان ده بالذات لحد منتصف الليل.

قبل أقل من نص ساعة، كان آسر فاكر إن أكتر حاجة ممكن تزعجه في الأوضة هي وجوده هو شخصياً.

كان عنده تلاتة وتلاتين سنة، جسمه قوي وعريض، وتحت البدلة الأنيقة كان فيه آثار إصابات قديمة، وكان اسمه معروف في منطقة المواني والمخازن في السويس.

عيلة الشاذلي كانت مسيطرة على مخازن وشركات نقل وحراسة ومطاعم، بالإضافة لشركات تانية ظاهرها قانوني تماماً.

وبقاله حداشر شهر، كان فيه خلاف كبير بين رجال آسر ورجال رشدي المنياوي على النفوذ والمخازن القريبة من المواني.

الخلاف تسبب في خسائر كبيرة للطرفين، لحد ما رشدي اقترح ينهي الأزمة بطريقة مختلفة.

يعرض بنته نور للزواج من آسر.

نور كانت تلاتة وعشرين سنة، هادية جداً، شعرها أصفر، واتعلمت في البيت لحد سن ستة عشر سنة، وبعدها دخلت مدرسة خاصة في الإسكندرية.

الجوازة كان المفروض تنهي الخلاف.

لكن آسر ما كانش يعرف إن فيه مفاجأة أكبر مستنياه.

لما باب الجناح اتقفل وراهم بعد الفرح، نور كانت واقفة تحت النجفة، ومكلبشة إيديها في بعض من شدة التوتر.

آسر قال بهدوء:

“تقدري تاخدي نفسك دلوقتي.”

بصت له باستغراب.

“أنا بتنفس.”

قال لها:

“لا، إنتِ بتحاولي تاخدي نفسك بالعافية.”

صبّ لنفسه كوباية عصير، وهي فضلت واقفة مكانها.

سألها:

“بتشربي؟”

قالت:

“لا.”

“ولا حتى حاجة بسيطة؟”

ردت بخوف:

“بابا مش بيحب الستات تحط حاجة في بقها.”

آسر ابتسم بسخرية خفيفة.

“أبوكي مش بيحب الستات تتحرك أصلاً إلا لو هو اللي قرر.”

نور نزلت عينيها في الأرض.

وبعد لحظات، قال لها:

“تقدري تغيري الفستان وتريحي نفسك.”

اترددت.

“المشكلة في الزراير.”

“زراير إيه؟”

لفت ظهرها.

عشرات الزراير الصغيرة كانت موجودة من أول رقبتها لحد وسطها تقريباً.

آسر بص للفستان باستغراب.

“هو حد صمم الفستان ده عشان محتاج وقت طويل عشان يتفك؟”

ابتسامة صغيرة ظهرت على وش نور.

وكانت أول مرة يشوف منها تعبير طبيعي بعيد عن الخوف والتوتر.

قالت:

“بابا هو اللي اختار التفصيلة.”

آسر رد:

“طبعاً.”

ثم قال:

“اثبتي مكانك.”

أول ما لمس القماش قرب رقبتها، نور توترت تماماً.

كتافها ارتفعت، وإيديها اتشدت، وكل جسمها أصبح متصلباً.

آسر كان فاهم الفرق بين الخوف الحقيقي والتمثيل.

الخوف الحقيقي بيظهر في التفاصيل الصغيرة.

سحب إيده فوراً.

وقال:

“دوري وشك هنا.”

لفت له ببطء.

كانت عينيها رمادي، وملامحها مليانة خوف.

قالت:

“أنا عملت حاجة غلط؟”

السؤال ضايقه أكتر من أي شيء.

قال:

“إنتِ فاكرة إنك عملتي مصيبة؟”

ردت:

“بابا قال…”

تنهد آسر.

“أنا بدأت أتعب من كل جملة تبدأ بـ بابا قال.”

بلعت ريقها وقالت:

“قال إنك هتكون مستني ومتوقع…”

وسكتت.

آسر فهم.

ولأول مرة، بص لها مش باعتبارها بنت رشدي، ولا باعتبارها جزء من اتفاق، لكن باعتبارها بنت صغيرة عايشة وسط ناس بيقرروا عنها كل حاجة.

قال لها:

“إنتِ اتجوزتي قبل كده؟”

وشها احمر من الإحراج.

“ولا حد.”

“ولا حد خالص؟”

هزت رأسها.

آسر سكت للحظات.

كان فاكر إن سكوتها خطة، وإن خوفها مجرد تمثيل.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً.

قال لها:

“أنا مش هقرب منك الليلة دي.”

نور بصت له بدهشة، وبعد لحظة ظهر الارتياح على وجهها.

قالت:

“مش لازم تقول كده عشان تطيب خاطري.”

رد:

“أنا قلت وخلاص.”

قالت:

“بابا هيقعد يسأل ويتقصى.”

رد آسر:

“أبوكي هو اللي ييجي ويتكلم معايا.”

وفجأة، دوّى صوت قوي في الجناح.

آسر شد نور بعيد عن النافذة، وبدأ يراقب المكان بسرعة.

قال لها بصوت منخفض:

“اسمعيني كويس. الصوت جاي من المبنى اللي قدامنا. الشخص اللي برا مش شايفنا كويس، لكنه محدد مكان الجناح.”

نور قالت بتوتر:

“إزاي؟ محدش يعرف رقم الجناح غير بابا، وهو اللي حجزه لنا.”

آسر بص للفستان.

“وده بالضبط سبب المشكلة.”

كان رشدي مصرّ إنها تفضل لابسة الفستان لحد منتصف الليل.

نظر آسر للزراير والبطانة الثقيلة.

ثم أخرج أداة صغيرة من جيبه، وبدأ يفحص الفستان بحذر.

نور قالت:

“إنت بتعمل إيه؟”

رد:

“بحاول أعرف الفستان مخبي إيه.”

وبعد لحظات، وجد شيئاً صغيراً جداً مخيطاً بين طبقات القماش.

أخرجه بحذر.

كانت شريحة تتبع صغيرة، ومعها جهاز تسجيل مصغر.

آسر بص لها وقال:

“أبوكي كان متابع مكاننا.”

نور شحب وجهها.

“بابا؟”

قال آسر:

“كان عايز يعرف مكاننا لحظة بلحظة.”

نور لم تستوعب.

“يعني كان عايز يوقعنا في مشكلة؟”

رد آسر:

“واضح إنه كان عامل حسابه على كل الاحتمالات.”

ثم أبعد الجهاز عن مكانهما.

بعد لحظات، جاء صوت قوي من الناحية الأخرى، في المكان الذي وضع فيه الجهاز.

آسر قال:

“دلوقتي الشخص اللي بيراقبنا فاكر إنه عرف مكاننا.”

سحب نور ناحية باب الخدمة.

كانت تبكي بصمت.

قالت:

“أنا آسفة… والله ما كنت أعرف.”

بص لها آسر وقال:

“عارف إنك ما تعرفيش. أبوكي استغلك زي ما بيستغل أي حد.”

فتح الباب الخلفي.

كان اثنان من رجاله الموثوقين في انتظارهم.

قال:

“خدوا نور للعربية، وروحوها للمكان الآمن. محدش يعرف مكانها.”

نور مسكت في كم بدلته.

“وإنت؟”

رد:

“أنا عندي كلام لازم أقوله لرشدي المنياوي.”

خرجت نور مع رجاله، بينما آسر اتجه ناحية سيارته.

كان الممر الخلفي للفندق هادئاً، وأصوات الإنذار بدأت تنتشر في المكان.

ركب آسر السيارة وقال للسائق:

“على مقر رشدي في جاردن سيتي.”

السائق بص له باستغراب.

“المكان متأمن جداً، ورجالته كتير.”

آسر أخرج شريحة التتبع الصغيرة وقال:

“رشدي دلوقتي فاكر إن خطته نجحت. وده هيديني فرصة أدخل عليه من غير ما يكون مستعد.”

بعد فترة قصيرة، وصل آسر إلى الفيلا القديمة في جاردن سيتي.

كان رشدي جالساً في مكتبه، واثقاً من أن كل شيء سار كما خطط.

رن الهاتف.

رد بابتسامة:

“اتأكدت؟ ممتاز.”

ثم أغلق الهاتف.

وفجأة، انطفأت أنوار الفيلا.

عمّ الهدوء المكان.

وبعد لحظات، دخل آسر إلى المكتب.

رشدي وقف مذهولاً.

“آسر؟ إنت موجود؟”

اقترب آسر منه وقال:

“الفستان اللي دفعت فيه مبلغ كبير عشان تحط فيه جهاز تتبع لبنتك هو اللي كشف خطتك.”

رشدي بدأ يحاول يشرح:

“آسر، اسمعني. أنا كنت…”

قاطعه آسر:

“نور بالنسبة لك كانت مجرد ورقة في اتفاق.”

ثم وضع مجموعة من الأوراق على المكتب.

“دي أوراق هتُنهي نفوذك في المواني والمخازن اللي تحت سيطرتك.”

رشدي بص للأوراق بقلق.

“ولو ما وقعتش؟”

رد آسر بهدوء:

“عندي أدلة كفاية، والشخص اللي كان بيراقبنا مستعد يشهد على كل اللي حصل.”

رشدي أدرك إن الخطة انتهت.

وبعد فترة قصيرة، وقّع على الأوراق.

وبعد شهرين…

في بيت آسر على طريق السخنة، كانت نور قاعدة في الحديقة، لابسة فستان صيفي بسيط، وبتشرب الشاي وهي بتبص للبحر.

آسر خرج وقرب منها.

قالت:

“بابا اتصل النهارده. كان عايز يكلمني.”

سألها:

“ورديتي عليه؟”

هزت رأسها.

“لأ. أنا أخيراً عرفت مين كان بيحافظ عليا ومين كان بيتعامل معايا كأني مجرد ورقة.”

جلس آسر بجانبها.

كانت إيدها اللي كانت بترتعش زمان، دلوقتي ثابتة وهادية.

قال لها:

“حياتك القديمة انتهت يا نور. هنا محدش هيتحكم فيك.”

ابتسمت وقالت:

“أنا عارفة.”

ثم نظرت له وأضافت:

“لأن الشخص اللي كنت فاكرة إني لازم أخاف منه، طلع هو الشخص اللي وقف جنبي وحماني.”

وهكذا انتهت قصة الفستان المشؤوم، وبدأت نور لأول مرة تختار حياتها بنفسها.

تمت.

#حكايات_شروق_خالد
#فستان_الفرح_المشؤوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى