
قبل ما جوزي يشدني معاه في رحلة الغدر دي بيوم واحد، كانت جدتي قاعدة على طاولتها الخشب المقشر في المطبخ، وبصتلي من تحت برقعها وبصوت كله شحم وبحرقة:
“إياكي، بقولك إياكي تروحي مع الواد ده يا مريم.. لو حطيتي رجلك وركبتي عربيته، الست اللي هترجع مش أنتي.. هتكوني واحدة تانية خالص!”
والبراد عمال يصفر ويزعق على البوتاجاز زي الملبوس.
بره، مطر نوفمبر الساقع بيخبط في شبابيك البيت الطين والقديم، ويسيل على الازاز بخطوط فضية معوجة تخلّي العقل يترشح. بستان المانجو اللي ورا الشرفة كان شكله يقطع القلب ، ما هو مش موسمه بقى؛ كله فروع سودا ناشفة وعشب طيني طري ومبلل. وجوة في المطبخ، ريحة البيت كانت هي هي اللي عودتني عليها زمان لما كنت أخاف: ريحة بابونج، ليمون، دخان خشب حطب مولع، وحاجة مرة كدة بتنشف في حزم مربوطة بحبل فوق الحوض.
حاولت أضحك.. والله العظيم حاولت أطلع ضحكة صفراء عشان أعدي الليلة.
كنت هموت وأضحك عشان أطرد القشعريرة اللي سرت في جسمي، ما هو ده اللي كان هيخلي الدنيا طبيعية وترجع زي الأول.
قلت وأنا ماسكة الكوباية الزرقاء اللي مرسوم عليها ورد ومخربشة، وحطتها قدامي بإيدي الاتنين: “يا ستي، دي مجرد فسحة ورحلة عادية هنغير فيها جو وشم هوا”.
عينيها ما لينتش ولا دمعت حتى.. ولا حتى هبت. وده رعبني أكتر بكتير لو كانت عيطت وطلعت دمعتين.
الست زينب دي كان عندها اتنين وثمانين سنة، رفيعة ومنشفة زي عود الشمعة المطفية، وشعرها الأبيض لامه لورا راسها بخبث وصوابعها معوجة من كتر الوجع والروماتيزم. بس لما كانت تبص لك بعينها اللي تفلق الحجر، مكنش يبان عليها العجز أبداً. كانت تحسها عتيقة قوي، كأنها واقفة ورا ستار الدنيا دي من قبل ما أنا أتيجي وتتولد، وهتفضل واقفة هناك حتى بعد ما كلنا نمشي ونندفن.
الناس في “شبرامنت” والجيزة كانوا مسميينها من زمان “الساحرة”.. أه والله، زي ما بقولك كده، من ساعة ما عقلت وأنا سامعة الكلمة دي بتتقال في السر ومن تحت لفوق.
ناس تخاف منها وتبعد عن طريقها، وناس تتشئز وتتجنب طريقتها، وناس تيجيب بابها الخلفي وقت المغارب وتتذلل: قطرة لعين تايرة، وصفة لعلة، ولا تحذير يرجعوا يتمنوا بعدين إنهم ما طلبوهوش أصلاً. أمي كانت بتكره سيرتها والقصص دي كره العمى. وأبويا كان دايماً يقول عليها خرافات حريم لحد السنة اللي الجدة قالت له فيها وش في وش: “قوم يا فلان أكشف عند دكتور قلب قبل ما تكمل خمسين”، وفعلاً بعدها بيومين جاله أزمة قلبية مدمرة وهو لسه في عز شبابه عنده تسع وأربعين.
هو نجا وعاش.. بس عمره ما نطق بكلمة شكر واحدة ليها.
في عيلتنا البيئة دي، الناس كانوا بيتعاملوا مع تحذيرات جدتي زينب زي الكبريت اللي مرمي جنب جركن بنزين مفقوع. لو قالت مصيبة جاية، كان أسهل ألف مرة يلوموا كلامها ويقولوا هي النحس والسبب، بدل ما يعترفوا إنها شمت ريحة الحريق من أوله وقرأت اللعبة.
إلا أنا.. أنا كنت غيرهم كلهم.
كل يوم سبت، كنت أسوق عربيتي النص ساعة لحد البيت القديم اللي ورا بستان المانجو. أجب لها طلباتها، أغسل شبابيكها، وأقعد ع الترابيزة المستديرة وهي تصب الشاي وتكلمني في حاجات غريبة وكلام ملفوف يفطس من الحيرة.
لما كان عندي تلات وعشرين سنة، وقبل ما أعرف سيف الشناوي بست شهور بالظبط، قالت لي بالحرف: “بكرة هيجيكي راجل وسيم، يضحك في وشك وماسك الشهد كله على لسانه. إياكي تسمعي لكلام بوقه.. راقبي إيديه كويس يا بنتي. الإيدين هي اللي بتعترف باللي اللسان بيخبيه ويبلعه”.
وإيدين سيف كانت حنينة قوي.. قوي في الأول.
أو ده اللي كنت فاكراه وضحك عليا بيه.
كان بيفتح لي باب العربية بإيديه، يلبسني المعطف، ويسحب إيدي يبوس مفاصل صوابعي جوه مطاعم غالية في الزمالك الجرسونات فيها عارفين اسم أبوه وجده بالمللي. سيف مكنش بيقعد يتمنظر بفلوسه بصوت عالي.. لا، كانت طريقته الهادية وسلطته هي سحره اللي بيوقع أي حد.
لما تقابلنا أول مرة في عيد ميلاد، قعد يركز معايا وأنا بشرح شغلي كمحاسبة من غير ما يزهق مني ولا ثانية. وقال لي وقتها بابتسامة تخلط السحر: “ما تقلقيش، الأرقام عمرها ما بتكذب أبداً”.
وبعدها بسنة ونص.. طلب إيدي للجواز في مطعم كله شمع وخاتم ألماس يضرب في العين مع أي شعلة ع الترابيزة.
وتاني يوم الصبح بدري، نطيت على مطبخ الجدة زينب أجرى زي المجنونة وأنا ملوحة بإيدي الشمال في وشها عشان الخاتم يلمع في عينها.
هي لا ضحكت ولا هزت راسها. صبت الشاي بهدوء، بصت بعيد على البستان الميت، وقالت بصوت واطي: “الناس يا مريم ما بتكشفش عن حقيقتها في الوعود.. الناس بتتعرف على أصلها الحقيقي لما يفتكروا إن مفيش مخلوق شايفهم ولا مراقبهم”.
وأنا وسيف اتجوزنا في أكتوبر ده. الجدة قعدت في أبعد ركن ورا، مطنشة الكل وعمالة تراقب في صمت. وفي آخر الفرح، ولما سيف خرج يجيب العربية عشان نمشي، شدتني ليها وضغطت في راحة إيدي بعملة فضية قديمة باردة، وهمست في ودني بصوت زي الحية: “لما ييجي وقت الهرب والهروب يا بنتي.. إياكي تحزمي شنطك وتجهزيها.. اهربي بجلدك فجأة”.
طنشت الكلام ده وفضلت مكبرة دماغي تلات سنين بحالهم. كنت فاكراها خرف ولا لغز من ألغازها اللي ما بتخلصش.
بس دلوقتي.. وأنا قاعدة في مطبخها والبراد بيصفّر جنبي ويزعق، قالت لي أخيراً التحذير اللي نزل على قلبي صاعقة وما قدرتش أعديه ولا أطنشه.
مدت إيدها الناشفة عبر الترابيزة، وصوابعها المعوجة قفشت في معصمي بقوة مرعبة خلتني أصرخ في نفسي من الخضة.
وهمست بصوت بالكاد طالع فوق صوت المية المغلية اللي بتغلي على النار:
“اسأليه يا مريم.. اسأليه لجوزك المثالي.. ليه الشاليه الفخم اللي حجزره في رأس سدر لشخصين.. كان محجوز في الأصل لتلاتة؟”
#حكايات_شروق_خالد
الجزء الثاني من القصة:
قعدت باصة لها، وحرفياً حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
تلاتة؟ إزاي تلاتة؟!
ده أنا وهو بس اللي كنا بنرتب للرحلة دي من شهر! ده هو بنفسه اللي اختار الشاليه على البحر، وهو اللي قال لي: “أنا وأنتي وبس يا مريم، بعيد عن زحمة الدنيا وشغل المحاسبة بتاعك ده”.. إزاي يبقى حجز لتلاتة؟ مين التالت؟ وليه حسيت إن ريحة الغدر بدات تفوح من حيطان المطبخ قبل حتى ما أطلع من بيت جدتي؟
“قومي يا بت.. روحي له”.. قالتها جدتي وهي بتشد إيدها ببطء من على معصمي، وعينيها بتلمع في الضلمة اللي بدات تنزل على بستان المانجو. “متنسيش اللي قولتهولك.. لما تيجي ساعة الحقيقة، إياكي تفتحي دولابك ولا تحزمي شنطة.. اجري بجلدك حافية لو لزم الأمر”.
سيبت المطبخ وقلبي بيدق بجنون، ركبت عربيتي وسوقت وأنا حاسة إن الطريق كله ضباب في ضباب. أول ما دخلت البيت، لقيته قاعد قدام اللابتوب، وشايل كاس عصير في إيده. أول ما شافني، ابتسم ابتسامته الهادية اللي كانت بتدوب قلبي زمان، وقال بصوت دافئ:
“حبيبتي.. خلصتي مشوارك عند ستك ولا إيه؟ يلا عشان السفر بكرة بدري والشاليه مستنينا”.
وقفت قدامه، وبصيت لإيديه كويس.. الأيدي اللي علمتني أراقبها زمان. لقيت صوابعه بتتحرك بعصبية على ترابيزة المكتب، كأنه بيحاول يخفي حاجة قدامه على الشاشة.
ساعتها.. وقبل ما أقول ولا كلمة، جيت أفتح بوقي وأسأله السؤال اللي هدم كل حياتي، سمعت صوت خبط خفيف.. جاي من أوضة الضيوف اللي جوه!
خبطة بطرف الأصابع.. كأن فيه حد محبوس جوه وبيتألم في السر!
سيف بلع ريقه بصعوبة، والابتسامة اتخوخت على شفايفه، وقال بصوت متماسك بس عينيه ميتة:
“شكلنا مش هنقدر نسافر لوحدنا يا مريم.. فيه مفاجأة كنت مستني الوقت المناسب عشان أقولهالك”.
مين تفتكر الشخص
#حكايات_شروق_خالد




