
قعدت أربع ساعات بحالهم، روحي طالعة وأنا مستنية الستة عيال بتوعي يشرفوا عشان نتعشى سوا في عيد ميلادي الستين. لا حد جه، ولا مَسخوط رد على تليفون. على الساعة تسعة، كنت قاعدة لوحدي في الصالة، وحولينا ست أطباق محدش مد إيده فيها، وفجأة… خبطتين تلاتة ناشفين هزوا هدوء الشقة.
بصيت لقيت عسكري شرطة واقف بره، وماسك في إيده ورقة متطوية.
أول ما عينيا وقعت على خط الكتابة، إيديا اتنفضت وبدأت ترتجف.
ده.. ده خط طارق، ابني الرابع.
والكلام اللي جوه الورقة حسسني إن في مصيبة سودة حصلت.
أنا صفاء عبد الحميد، ربيت الستة عيال دول لوحدي وبظفري، في شقة متوسطة في حي شعبي هنا في الجيزة.
أيام ما كنا صغيرين، المرحوم جوزي كان راسمهاله وعايز عيلة كبيرة.
كان دايماً يقولي: “تخيلي العيال وهي بتجري وتلعب حوالينا، بيتنا ده عمره ما هيبقى وحيد أبداً.”
وفعلاً، لفترة بقت هي دي حياتنا اللي بتجنن من حلاوتها.
ربنا رزقنا بستة عيال زي الفل، وترابيزة سفرة دايماً مليانة، وبيت هاصص بالضحك واللعب.
لحد ما جه اليوم اللي اتغير فيه كل حاجة.
سي السيد اتعرف على واحدة تانية وسافر يعيش معاها في برة. وفي يوم من الأيام، حزم شنطته ولا كأنه يعرفنا وقالها صريحة: “أنا عايز أعيش حياة تاني.”
وسابني لوحدي مع ستة أطفال لسه في اللفة، وأقساط وجمعيات عمالة تحمّس فوق دماغي، ومفيش مليم أبيض في جيبنا.
ساعتها مكنش عندي رفاهية إني أعيط أو انهار.
الصبح أشتغل بائعة في محل ملابس، وبالليل أنظف مكاتب وشركات لحد ما ضهري يتطحن.
كنت بصلح أي حاجة تبوظ بنفسي، وأقسم اللقمة بالعافية، وعلمت نفسي أنام على ساعة ولا ساعتين في اليوم.
معدت سنين مكنش في جيبي حق عباية جديدة ولا حتى أخد إجازة أشم فيها نفسي.
بس ولادي؟ عمرهم ما حسوا إن عيد ميلاد حد فيهم عدى كده وخلاص.
حتى والقرش كان ناشف، كنت أخبز الكيكة اللي بيحبوها، وأزين الصالة بزينة تفرّح القلب، وأخلي كل واحد فيهم يحس إنه ملك العيلة.
كنت عايزة يطلعوا عارفين ومتاكدين إنهم محبوبين وغاليين أوي عندي.
وكنت بقول في سرّي، لما يكبروا هيفتكروا التضحيات دي كلها.
والأيام جرت.
ولادي الستة بقوا شباب وبنات ماشاء الله، كل واحد بقى ليه شغله ومركزه، وبيته وعياله.
وقتها كنت ببقى طايرة من الفرحة وأنا بشوفهم ناجحين.
بس شوية بشوية، الدنيا خدتهم وبقوا مشغولين عني.
زيارات يوم الجمعة بقت مكالمة سريعة في الأسبوع.
والمكالمات بقت رسالتين عالواتساب ع السريع.
وكل ما أعزمهم على حاجة، أسمع نفس الأسطوانة:
“معلش يا أمي، والله غصب عني، السكك واقفة وشغل كتير، ربما المرة الجاية.”
كنت بسكت وأبلعها عشان مزعلهمش.
ما أنا اللي مربياهم عشان يبقوا رجالة واعتمادهم على نفسهم.
بس لما قرب عيد ميلادي الستين، قررت أطلب منهم طلب واحد ومش هتنازل عنه:
“بقولكم إيه، أنا مش عايزة هدايا ولا ورد ولا أي حاجة.. عاوزاكم كلكم تبتوا عندي يوم العيد ميلاد على العشاء. أولادي الستة معاي على نفس الترابيزة.. دي الهدية الوحيدة اللي بتمناها.”
قعدت يومين بحالهم واقفة في المطبخ على حيلتي.
طبخت الأكل اللي بيحبوه، وبعت جبت صينية رقاق ومحشي باذنجان، ولمعت صيني الضيوف، وظبطت سبع كراسي حوالين السفرة.
على الساعة أربعة العصر، كانت ريحة الأكل مفحفحة في الشقة كلها.
وكل شوية أنط أبص من البلكونة، وأتخيل عربياتهم وهي داخلة الشارع.
على الساعة خمسة، بعت على جروب العيلة:
“كل شيء جاهز يا حبايبي! خلوا بالكم من نفسكم في السكة وأنا في استطاعتكم.”
محدش رد.. ولا حتى “تم”.
على الساعة ستة، اتصلت بابني الكبير.
تليفونه جاب “بريد صوتي”.
جربت بناتى.. مفيش رد.
كلمت الباقي.. كله طالع مغلق أو مبيردش.
على الساعة سبعة، الأكل كان برد ودبل.
على الساعة ثמונה، الشموع اللي على التورتة دابت ونزلت على بعضها.
وعلى الساعة تسعة، قعدت على رأس الترابيزة، وحولينا الكراسي الستة الفاضية اللي محدش جه قعد عليها.
قعدت أألف أعذار لنفسي وأقول:
“تلاقي أحدهم زنق في زحمة المحور أو الدائري..”


