
فضلنا كلنا ساكتين. صوت أخو فؤاد كان لسه بيرن في المكان: “أنا ما متش يا فؤاد.” فؤاد قرب من الكمبيوتر كأنه مش قادر يصدق. “مستحيل.” جوزي وقف جنبي وقال: “لازم نعرف مين اللي اتدفن مكانه.” فؤاد هز راسه. “أنا حضرت الدفنة.” “وشفت وشه؟” سكت. جوزي سأله: “بصيت في وشه بنفسك؟” فؤاد ما ردش. وكان واضح إن الإجابة لأ.
أنا قلت:
“يعني ممكن يكون أخوك عايش كل السنين دي؟”
فؤاد قال:
“اسمه مراد.”
ثم ابتلع ريقه.
“وكان أخطر شخص عرفته في حياتي.”
جوزي شغل التسجيل من جديد.
صوت مراد ظهر:
“فؤاد، لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا وصلت للمرحلة الأخيرة.”
ثم ضحكة قصيرة.
“وأنت عارف إيه المرحلة الأخيرة.”
التسجيل انقطع.
قلت:
“يعني إيه المرحلة الأخيرة؟”
جوزي بص لفؤاد.
“إنت كنت عارف.”
فؤاد قال:
“كان عايز يسيطر على كل الشركات.”
“وبعدين؟”
“كان شايف إن موتي هو الحل.”
سألته:
“طب ليه أنا؟”
فؤاد سكت.
جوزي قال:
“عشان جوزك كان ماسك حسابات مراد.”
أنا بصيت له.
“إنت كنت عارف؟”
هز راسه.
“أيوه.”
“وليه ما قلتليش؟”
“لأني كنت خايف.”
لأول مرة حسيت إن جوزي نفسه كان مرعوب.
فجأة موبايله رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قلت:
“مين؟”
ما ردش.
رد على المكالمة.
جاله صوت رجل:
“فاكر إنك خلصت؟”
جوزي ما تكلمش.
الصوت كمل:
“كان لازم تفضل ميت.”
وبعدين قفل.
جوزي حط الموبايل على الترابيزة.
فؤاد قال:
“مراد.”
جوزي هز راسه.
“أيوه.”
أنا قلت:
“طب هو فين؟”
فؤاد رد:
“أقرب مما تتخيلي.”
في اللحظة دي، النور انطفى.
القصر كله غرق في الضلمة.
سمعنا صوت زجاج بيتكسر.
وبعدين صوت حارس بيصرخ من بعيد.
آدم قال:
“خدوا مريم.”
جوزي مسك إيدي.
لكن قبل ما نتحرك، ظهر ضوء صغير من آخر الممر.
شخص كان واقف هناك.
ما قدرناش نشوف وشه.
قال:
“فؤاد.”
فؤاد وقف مكانه.
“مراد.”
ضحكة خافتة خرجت من الضلمة.
“أخيرًا عرفت.”
فؤاد قال:
“ليه؟”
“لأنك سرقت مني كل حاجة.”
“أنا ما سرقتش منك حاجة.”
“سرقت أخي.”
سكت فؤاد.
مراد كمل:
“سرقت ثقة أبونا.”
ثم ضحك.
“وسرقت حتى حياتي.”
جوزي همس:
“هو كان عايز يموتك مش عشان الشركات.”
بصيت له.
“أمال ليه؟”
قال:
“عشان فؤاد كان عارف سر مراد.”
مراد سمعه.
قال:
“قول لها.”
فؤاد غمض عينيه.
“مراد كان السبب في موت أبونا.”
سكت الجميع.
مراد قال:
“هو كان ضعيف.”
“كان أبوك!”
“كان هيبلغ الشرطة.”
فؤاد قال:
“عشان كده قتلته؟”
مراد ضحك.
“وأنت ساعدتني.”
شهقت.
بصيت لفؤاد.
“إنت ساعدته؟”
فؤاد قال:
“ماكانش عندي اختيار.”
مراد رد:
“دائمًا بتقول كده.”
فجأة النور رجع.
لكن مراد اختفى.
وعلى الأرض كان فيه ظرف.
جوزي أخده وفتحه.
جواه صورة.
صورة سلمى وياسين.
وشي اتجمد.
على ظهر الصورة مكتوب:
“المرحلة الأخيرة بدأت.”
أنا حسيت إن قلبي توقف.
“ولادي.”
جوزي مسك إيدي.
“هنجيبهم.”
فؤاد قال:
“مش هنروح للبيت.”
بصيت له.
“ليه؟”
قال:
“لأنهم أكيد بيراقبوه.”
“طب نروح فين؟”
فؤاد بص لآدم.
“المكان القديم.”
آدم فهم فورًا.
خرجنا من القصر من الباب الخلفي.
ركبنا عربية مصفحة.
وأنا طول الطريق كنت بحاول أتصل بالبيت.
محدش رد.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.
لحد ما وصلنا لمكان بعيد عن القاهرة.
مخزن قديم مهجور.
فؤاد قال:
“هنا محدش يعرفه.”
دخلنا.
لكن أول ما فتحنا الباب…
سمعنا صوت طفل بيضحك.
أنا اتجمدت.
“ياسين؟”
جريت للداخل.
ولقيت سلمى وياسين قاعدين على كنبة قديمة.
سلمى كانت حاضنة أخوها.
جريت عليهم.
“ولادي!”
حضنتهم بقوة.
ياسين فضل يقول:
“ماما، الراجل قال إنك جاية.”
سكت.
“راجل مين؟”
سلمى أشارت للباب.
“الراجل اللي جابنا هنا.”
لفيت.
كان فيه رجل واقف في الضلمة.
وببطء خرج للنور.
قلبي وقع.
كان مراد.
لكن المفاجأة ما كانتش إنه واقف قدامنا.
المفاجأة كانت إن فؤاد لما شافه…
نزل على ركبته.
وقال:
“سامحني.”
مراد ابتسم.
“بعد كل السنين دي، أخيرًا قلتها.”
أنا بصيت لفؤاد.
“إنت تعرفه كويس أوي.”
فؤاد رفع عينه لي.
وقال:
“مراد مش أخويا.”
سكت.
“مراد…”
نظر للرجل.
“…ابني.”
حكايات شروق خالد
وقفت مكاني كأني اتسمّرت في الأرض.
“ابنك؟”
بصيت لفؤاد، وبعدين للرجل اللي واقف قدامنا.
مراد ابتسم ابتسامة غامضة.
“أيوه.”
فؤاد قال بصوت مكسور:
“مراد ابني.”
جوزي اتراجع خطوة.
“بس إنت قلت إن أخوك…”
فؤاد قاطعه:
“أنا كذبت.”
سكت المكان كله.
حتى سلمى وياسين كانوا ساكتين، مش فاهمين حاجة.
قلت:
“ليه؟”
فؤاد بص لمراد.
“لأن الحقيقة لو ظهرت، كان مراد هيموت.”
مراد قال:
“وأنت بدل ما تحميني… خليتني أختفي.”
“كنت بحميك.”
“أنت كنت بتحمي اسمك.”
فؤاد سكت.
مراد كمل:
“أنا كنت ابنك الوحيد اللي ما كانش المفروض حد يعرف عنه.”
أنا حسيت إن الحكاية بتتعقد أكتر.
قلت:
“طب إيه علاقة جوزي بكل ده؟”
جوزي رد:
“أنا اكتشفت الحقيقة.”
مراد بص له.
“وكنت أول شخص ساعدني.”
قلت:
“يعني إنتوا كنتوا شغالين مع بعض؟”
“أيوه.”
مراد قرب.
“أبوكِ…” قالها وهو يقصد فؤاد، “كان عنده شركات كتير، لكن واحدة منها كانت بتستخدم في تحويل فلوس بشكل غير قانوني.”
فؤاد قال:
“أنا ما كنتش أعرف.”
مراد ضحك.
“بس أنا كنت أعرف.”
ثم بص لجوزي.
“وهو اكتشف المستندات.”
قلت:
“طب مين كان بيحوّل الفلوس؟”
مراد سكت.
وبعدين قال:
“داليا.”
شهقت.
“داليا كانت بتعمل كل ده؟”
“أيوه.”
جوزي قال:
“لكن داليا ما كانتش لوحدها.”
فؤاد رفع عينه.
“حازم.”
مراد هز راسه.
“وحازم كان بيشتغل لصالح شخص ثالث.”
سألته:
“مين؟”
مراد بصلي.
“والدك.”
اتجمدت.
“أبويا مات من زمان.”
“أعرف.”
“إنت بتقول إيه؟”
قال:
“والدك كان شريك مراد في البداية.”
جوزي قرب مني.
“أنا كنت عارف جزء من ده.”
بصيت له بصدمة.
“وإنت ساكت؟”
“كنت بحاول أوصلك للحقيقة من غير ما أخوفك.”
صرخت:
“أنا كنت فاكرة إن جوزي مات سبع سنين!”
سكت.
مراد قال:
“كان لازم تعرفي.”
وفجأة سمعنا صوت عربية برا.
مراد رفع إيده.
“اسكتوا.”
الكل سكت.
خطوات قربت من المخزن.
فؤاد أشار لنا نستخبى.
أنا ضميت ولادي لصدري.



