
الجو كان ضلمة كحل، والدنيا هادية خالص. فتحت عيني بالراحة، وقلبي اتخلع من مكانه!
كان فيه ظل راجل طويل واقف جنب السرير في الضلمة، باصص عليّ وعلى يونس.
كنت هصرخ، بس إيد قوية وباردة اتمدت بسرعة وغطت بوقي!
شتمت في سري من الرعب، وعيني وسعت وأنا بشوف وش حمزة الألفي مائل عليّ في الضلمة، ملامحه كانت مشدودة وعينيه معلقة على رقبتي!
همس في ودني بصوت يرعب من قربه: “أشسسس… ولا صوت. يونس نايم.”
هزيت رأسي بسرعة وأنا بترجاش بعيني عشان يشيل إيده.
شال إيده ببطء شديد، بس ما بعدش.
“حضرتك بتعمل إيه هنا في نص الليل?!” قلتها بفسات وصوت مخنوق.
حمزة ما ردش على سؤالي، بل مد صباعه ببطء شديد ولمس جلد رقبتي من الجنب… عند مكان الصدغ، وتحت ودني بالظبط.
أنا اتجمدت في مكاني.
“فريدة كان عندها حسنة صغيرة هنا…” قالها بصوت مبحوح ومرعب. “ورا ودنها الشمال بالظبط.”
مسك كشاف صغير في إيده ونوره ببطء ووجهه ناحية رقبتي.
أول ما الضوء جه على رقبتي، شفت عينين حمزة الألفي بتوسع بطريقة جنونية، واللون بيطير من وشه بالكامل، وكأنه شاف روح مراته الميتة واقفة قدامه!
ورا ودني الشمال… كانت فيه نفس الحسنة الصغيرة.
“أنتي…” حمزة نطق الكلمة وصوته بيرتجف لأول مرة. “أنتي مش مجرد شبه يا ندى… أنتي مين بالظبط؟!”
#حكايات_شروق_خالدأنفاسي اتجمعت في حلقي ومش قادرة أتنفس. صباعه كان لسه ملامس الحسنة اللي ورا ودني، وكان بيتراشف بطريقة غريبة جداً على راجل بصلابة وهيبة حمزة الألفي.
“والله العظيم ما أعرف!” ردت بصوت مبحوح والدموع هربت من عيني من كتر الرعب. “أنا طول عمري أعرف إني ندى الشناوي! أمي وأبويا ماتوا وأنا صغيرة، وخالتي هي اللي ربتني… أنا ما خبيتراش عليك حاجة!”
حمزة فضّع الكشاف من على رقبتي، بس ما بعدش. عيونه كانت بتتحرك على وشي بتركيز قاتل، كأنه بيحاول يقرأ كل خلية في ملامحي.
“خالتك…” تمتم بالكلمة ونبرته اتغيرت تماماً. “خالتك اسمها إيه؟ وساكنة فين في إسكندرية؟”
“اسمها سعاد… سعاد الشناوي. ساكنة في العصافرة…”
قبل ما أستوعب رد فعله، باب الأوضة اتفتح ببطء وظهر ظل نجلاء أخته واقفة على العتبة. كانت لابسة الروب الأسود، وعيونها الشياطين بتبص علينا في الضلمة.
“بتعمل إيه عندك يا حمزة في وقت زي ده؟” صوتها كان طالع بارد ومسموم.
حمزة وقف بطوله مرة واحدة، ورجع لبروده وقسوته في ثانية، كأن اللحظة اللي اتخلع فيها قلبه من شوية ما حصلتش أساساً.
“نجلاء… إيه اللي صحاكي؟”
“الصوت،” قربت بخطوات بطيئة وعيونها راشقة فيا وفي يونس اللي كان لسه نايم في حضني. “مش راضي تصدق إن الشبه ده وراه مصيبة؟ أنت مصدق التمثيلية دي؟ حسنة، وشبه، والولد بيمسك فيها… ده فخ يا حمزة! فخ عشان يدخلوا جوة بيتك ويخلصوا عليك أنت والولد زي ما خلصوا على فريدة!”
حمزة بصلها بنظرة حادة قاطعة: “اطمئني يا نجلاء. البيت ده محمي بكتايب، ومفيش مخلوق يدخل أو يخرج منه إلا بأمري. ونُدى مش هتتحرك خطوة واحدة من هنا.”
التفت ليّ وقال بنبرة جافة لا تقبل التراجع: “ارتاحي دلوقتي يا ندى. بكره الصبح في كلام تاني خالص.”
خرج حمزة ووراه نجلاء اللي بصلتي بابتسامة خبيثة كأنها بتقولي “أيامك معدودة هنا”.
قفلت عيني بصعوبة، وفضلت ماسكة في يونس طول الليل ومش عارفة أنام.
مع أول ضوء للشمس، دخلت الدادة أمينة ومعاها صينية فطور وهدوم جديدة.
“صباح الخير يا بنتي،” قالت الدادة وعيونها مليانة قلق. “الباشا سافر إسكندرية من الفجر.”
قلبي اتخلع: “سافر إسكندرية؟! ليه؟!”
“ما قالش… أخد فريق الحراسة كله ومعاه (مراد) ذراعه اليمين، وسافر. وقال محدش يضايقك ولا يمنع عنك حاجة، بس الخروج ممنوع.”
عدى النهار ببطء شديد، وكنت قاعدة مع يونس في الجناح، بغيرله وهدمه وألعبه. الغريبة إن الولد كان متعلق بيا بشكل مش طبيعي، أول ما أبعد عنه القلق يمسكه، وأول ما أشيله يضحك ويحط وشه في رقبتي.
على الساعة ستة المغرب، سمعت صوت دوشة وعربيات كتير وقفت تحت الفيلا.
فتحت شباك الجناح وبصيت… شفت حمزة نازل من العربية، وشه كان أسود من الغضب والغل، ووراه مراد طالع بيجري.
بعدها بدقائق، باب الجناح اتفتح بقوة!
دخل حمزة، وكان ماسك في إيده ملف أوراق قديم وصور أبيض في أسود. مسك إيدي بصرامة وشدني بالراحة عشان الولد ما يفزعش، وقال بصوت هز جدران الأوضة:
“أنا لسه راجع من عند خالتك سعاد في إسكندرية.”
بلعت ريقي وأنا برتجف: “خالتي؟! هي كويسة؟ أنت عملت لها حاجة؟!”
رمى الملف والصور على السرير قدامي، وقال وهو بيلهث من شدة الصدمة:
“خالتك حكتلي كل حاجة يا ندى… حكتلي إن أمك الله يرحمها تخنت في المستشفى ليلة ولادتك، وأخدت بنت مش بنتها… أو بمعنى أصح، أخدت توأم اتفصل عن أخته!”
عيني وسعت بذهول ومش قادرة أستوعب: “توأم؟! يعني إيه؟!”
حمزة قرب مني، ومسك وشي بين إيديه الاثنين بعنف حنون، وعيونه بتلمع بدموع مكتومة:
“يعني إنتي وفريدة… إخوات توأم حقيقيين! اتفرقتوا يوم ولادتكم، وواحدة راحت إسكندرية والتانية عاشت هنا!”
قبل ما أستوعب حجم الصدمة، صرخة مكتومة طلعت من عند الباب…
التفتنا الاثنين، وكانت نجلاء واقفة، وفي إيدها مسدس موجه ناحية صدري، وشها كان أصفر زي الموت وهي بتقول بصوت هستيري:
“عشان كده لازم تموتي يا ندى… زي ما قتلت فريدة بالظبط!”
#حكايات_شروق_خالد




