روايات وقصص

عصا الغدر وحق الأب#حكايات_شروق_خالد

يا بابا، إنت إيه اللي بيخليك تاكل شوربة معلبة وخلصت صلاحيتها، وأنا ببعتلك كل شهر 8 آلاف دولار؟! ».. الجملة دي قالها ابني المليونير وهو بيدخل شقتي الباردة في شيكاغو يوم عيد الأب وعينه طالعة من رأسها.

رفعت عيني من طبق الفخار المتشقق وقلت له: «ثمانية آلاف دولار إيه يا جاريث؟ أنا ما قبضتش مليم واحد! أنا ماشي أشحت وجباتي من كنيسة الحارة».

وجه ابني صفّر وباقي دمه هرب من وشّه، وقبل ما يلحق يرد، باب الشقة اتفتح ببطء.

لورين، مرات ابني، هي اللي دخلت.

بس استنى أحكي لك جاريث شاف إيه الناحية دي.

أنا أوسكار بليك، عندي 72 سنة، محاسب شركات تقاعدت وراجل أرمل. ضهري منحني للأسف وكتفي قدام ورقبتي نايمة على صدري، مبقتش أعرف أقف مظبوط، بس عمري ما طلبت من حد يصعب عليه.

أربعين سنة شغل وتعب علموني حاجة واحدة: متعتمدش على فلوس إلا لما تلمسها بإيدك.

من سنين طويلة، فضيت حصالتي ودفعت كل تحويشتي عشان جاريث يعمل أول شركة سوفت وير ليه.. ودلوقتي ما شاء الله بقى مليونير.

عُمري ما ندمت إني ساعدته.

اللي ندمت عليه فعلاً هو إني وثقت في البني آدم الغلط.

شقتي بقى كانت حيطتها مقشرة، وشبابيكها مكسورة، والدفاية بايظة. حتى وإحنا في شهر يونيو، الجو رطب وبارد جوه، وجنبي دفاية كهربا قديمة بتطلع نور ضعيف.

الشتاء اللي فات كان عذاب بمعنى الكلمة.

كنت ساعات بلبس تلات بلوفرات فوق بعض عشان أنام، وليالي تانية بفوت العشاء عشان أعرف أجيب تمن العلاج بتاعي.

وكل يوم خميس، كنت أوقف في طابور طويل برة الكنيسة عشان أخد أكل متبرع بيه.

وفي الوقت ده كله، جاريث كان مفكرني عايش في دار مسنين فخمة في وسط البلد.

لورين هي اللي ظبطت كل السكة دي.

أو ده اللي هو كان مفكره.

«يا بابا، أنا بقى لي تلات سنين بصرف على معيشتك!».. جاريث قالها بصوت واطي وهو بيطلع تليفونه.

وفعلاً، فتح الشاشة.

وكانت المفاجأة.

ستة وثلاتين تحويل بنكي شهري.

كل شهر 8,000 دولار.

يعني المجموع 288 ألف دولار!

إيدي بدأت تترعش مكانها.

«لورين قالت لي إنك رافض تقابلني خالص».. كمل كلامه وقال: «وقالت لي إنك مستريح وعايز تعيش لوحدك براحتك».

فضلت باصص له ومش مصدق.

«وقالت لي كمان إن شركتي متعثرة، وإن ما ينفعش أجيب لك سيرتها عشان متضايقش».

جاريث نزل تليفونه ببطء شديد.

من تلات سنين، هو عمل صندوق عائلي عشان يصرف عليا، وخلى لورين هي الوصية عليه.

يعني هي اللي ماسكة الحنفية.

وهي اللي ماسكة الورق والمستندات.

وواضح إنها كانت ماسكة كمان أي مكالمة أو كلام يدور بيني وبينه.

في اللحظة دي، لورين دخلت المطبخ.

معطفها الكشمير الأبيض الغالي كان شكله غريب جداً ومستفز جنب الحويطان المعفنة والمقشرة.

بصت على الششوربة المعلبة الأول.

وبعدين بصت على تليفون جاريث.

ابتسامتها هربت من وشها نص ثانية بالظبط.

قالت وهي بتقرب منه بدلع: «يا حبيبي، باباك ساعات بيكبر وفي أوقات بيخرف وينسى، إنت عارف كده كويس».

جاريث محركش رجله من مكانه.

«فلوس أبويا راحت فين يا لورين؟»

راحت هي حاطة شنطتها الماركة على الرخامة بكل برود وقالت: «أوسكار عنده مشاكل في الذاكرة ومبقاش يفهم حاجة في الفلوس أصلًا».

وعينيها جت في عيني.

كانت نظرة حازمة واضحة.

كانت مستنياني أبص في الأرض وأعتذر وأسكت عشان تعدي كدبة جديدة زي كل مرة.

بس أنا عملت العكس تماماً.. وطيت بهدوء وحطيت طبق الشوربة على الترابيزة.

وبعدين سألتها سؤال واحد بصوت هادي:

«قوليلي يا لورين.. تحبي إنتي تشرحي لهم الـ 288 ألف دولار دول راحوا فين، ولا أحكي أنا الحكاية من أولها؟»

#حكايات_شروق_خالد

لورين بلعت ريقها بصعوبة، ووشها جاب ألوان الطيف.. الأبيض ضرب في الأحمر، وحاولت ترسم ابتسامة صفراء على وشها وهي بتقرب من جاريث: «يا جاريث يا حبيبي، اسمعني.. أبوك مش في وعيه، هو بيهرف بكلام من الماضي عشان المرض، أنا صرفت الفلوس فعلاً بس على مصاريف تانية تخص العيلة ومستقبلكم، انت عارف الدنيا غالية إزاي والضرائب والتأمين…»

قاطعها جاريث بصوت مرتفع هز حوائط الشقة: «تأمين إيه وضرائب إيه؟! إنتي كنتِ بتدّعي إنك بتبعتي لأبويا 8 آلاف دولار في دار مسنين فاخرة، وطلعت الحقيقة إنه بيشحت على باب الكنيسة وبياكل أكل منتهي الصلاحية في شقة تثلج العضم!»

جاريث بص لي ودموعه نزلت على خدوده، وجه ركع قدام الكرسي بتاعي ومسك إيدي اللي كانت بترتعش، وقال بصوت منكسر: «سامحني يا بابا.. أنا اللي سيبتك وغفلت عنك، أنا كنت فاكر إني بعمل الصح وإني مرتاح مادياً ومطمن إنك في أمان مع مراتي، مكنتش أعرف إن الجشع ممكن يعمي البني آدم للدرجة دي.»

طبطبت على كتفه ببطء وقلت له بصوت هادئ: «متعيطش يا بني.. الراجل الحقيقي بيبان في الشدائد، وأنا طول عمري عارف إن الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول والأخلاق هي اللي بتفضل.»

في اللحظة دي، لورين حست إن اللعبة انتهت، مدت إيدها على شنطتها الماركة وقالت بصوت كله حدة وغطرسة: «تمام يا جاريث.. لو هتعمل حكاية عشان شوية فلوس، طلقني بقى، وخد فلوسك ومحامينك واشبع بيها، أنا مش هقعد دقيقة واحدة في الشقة دي مع راجل عجوز خرفان وابن مغفل!»

جاريث وقف ببطء، مسح دموعه، وبص لها بنظرة برود خلتها تتراجع خطوة لورا، وقال لها بصوت واطي وثابت: «طلقتك يا لورين.. ومش بس كده، كل قرش سرقتيه من فلوس أبويا، وكل تحويل بنكي دخل حسابك السري، هخلّي محامي الشركة يطالب بإرجاعها قانونيًا، وهقدّم فيكي بلاغ تزوير واختلاس للجهات المختصة، ولمّي هدومك واطلعي بره حياتي فوراً دلوقتي.»

وشها اتقلب للون الأصفر المرعب، وبقت تبرطم بكلام مش مفهوم، وفتحت الباب ونزلت جري وهي بتخبط الباب وراها بكل قوة.

الشقة رجعت هادية، والهواء البارد كان لسه داخل من الشباك المكسور، بس حسيت إن الشمس طلعت جوه قلبي لأول مرة من سنين.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى