روايات وقصص

غريبة في عرش الألفي ج3 حكايات شروق خالد

حمزة ما ترددش لثانية؛ وفي حركة أسرع من البرق، حرك جسمه وضخامته ووقف قدامي تماماً، وسد بيني وبين مسدس أخته بجسمه كله.

“نجلاء… نزلي المسدس!” حمزة قالها بصوت هادي، بس كان طالع من قاع جحيم، مليان تهديد يزلزل.

“مش هنزله يا حمزة!” نجلاء كانت بتبكي بهستيريا وإيدها بتهتز على الزناد. “أنت عمياني! من ست شهور ورثت فريدة وكل حاجة بقت باسم الولد، والنهاردة جايبلي أختها التوأم عشان تاخد الباقي؟! أنا اللي وقفت جنبك! أنا اللي بنيت معاك الإمبراطورية دي! وفريدة جاءت على الجاهز، والدلوقتي أختها جاية تاخد كل حاجة?!”

حمزة عينيه وسعت بصدمة ألعن من صدمة التوأم، ونطق بصوت مرعب: “إنتي… إنتي اللي بلّغتي عيلة السويفي عن مكان فريدة ليلة الولادة؟!”

نجلاء ضحكت ضحكة مكسورة ومجنونة، والدموع نازلة على وشها: “كان المفروض تموت هي والولد! بس الولد عاش… وحرمتك مني ومن كل حاجة! والنهاردة البنت دي مش هتخرج من هنا حية!”

وفجأة… وقبل ما صباع نجلاء يضغط على الزناد، الباب اتفتح بقوة و(مراد) ذراع حمزة اليمين هجم عليها من الجنب وضغط على إيدها!

صوت طلقة مرعبة خرجت من المسدس واضربت في السقف، والجبس وقع علينا!

في نفس اللحظة، حمزة تحرك زي الفهد، أخد المسدس من إيد نجلاء وثبتها في الأرض، بينما مراد وكلاب الحراسة دخلوا الجناح وكتفوها تماماً.

نجلاء كانت بتصرخ وبتكيل الشتائم وهي بتتسحب لبرا، وحمزة كان واقف مكانها بيلهث، وشه متصلب زي الصخر، بس عينيه فيها كسرة رجل اتخان من أقرب الناس ليه.

التفت حمزة ليّ بسرعة…

أنا كنت قاعدة على الأرض في الزاوية، حاطة إيدي على راس يونس وبحميه بجسمي وأنا برتجف كلي من الرعب.

قرب حمزة مني ونزل على ركبه. مد إيديه الثقيلتين ولِفهم حوالينا إحنا الاثنين… أخدني أنا ويونس في حضنه.

يونس بدأ يهدى بالتدريج لما حس بأبوه وبيا، وصوت بكائه تحول لتنهيدات صغيرة.

“خلاص… انتهت يا ندى،” حمزة همس بيها في شعري بصوت مبحوح ومجروح. “أنا آسف… آسف إن يد الشر طالتك بسببنا.”

رفعت رأسي وبصيت في عينيه: “والحقيقة؟”

حمزة مسك إيدي بالراحة، وبص لملامحي اللي هي ملامح مراته الراحلة، بس شاف في عينيا ندى… البنت اللي المخاطرة بحياتها عشان طفل غريب أنقذته من الموت.

“الحقيقة إن ربنا ما بعتكِش هنا صدفة يا ندى،” قالها بنبرة دافية لأول مرة. “ربنا بعتك عشان تنقذي يونس… وتنقذيني أنا كمان من الضلام اللي كنت عايش فيه.”

عدت الأيام بسرعة…

نجلاء اتسجنت وأخدت جزاها على كل الجرايم اللي ارتكبتها.

وأنا… ما رجعتش لشقتي في شبرا، ولا للمطعم.

بس المرة دي، مش غصب عني ولا بأمر من حمزة الألفي.

أنا قعدت بكامل إرادتي… عشان أكون الأم اللي يونس حرموه منها، وعشان أبدأ حياة جديدة مع الراجل اللي اكتشفت إن ورا قسوته وهيمنته قلب أحسن وأحن مما أي حد يتخيل.

ومن الليلة دي… ما بقيتش مجرد غريبة مفلسة، أنا بقيت الأمان والبيت ليونس وحمزة.

#حكايات_شروق_خالدمرت ستة أشهر على الليلة التي انقلبت فيها حياتي رأساً على عقب.

تحولت السرايا من متحف بارد ومظلم إلى بيت ممتلئ بالحياة. يونس الذي كان يرفض البشر، أصبح لا يترك يدي، وزادت ضحكاته التي تطرد الكآبة من كل أركان المكان. أما حمزة، فكلما نظر إليّ، لم أعد أرى في عينيه شبح الماضي أو البحث عن “فريدة”، بل أصبحت أرى “ندى”… المرأة التي اختارها بقلبه وعقله.

وفي يوم مشمس، بينما كنت أجلس في حديقة السرايا أراقب يونس وهو يحبو على الأعشاب، اقترب حمزة بخطواته الثابتة الهادئة.

كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، وغابت عن وجهه تلك النظرة الصارمة التي كانت ترعب الجميع.

قعد جنبي على المقعد الخشبي، وبص ليونس وهو بيضحك، وبعدين التفت ليّ وأخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة كحلي اللون.

فتح العلبة ببطء…

كان جواها خاتم ألمس بسيط وأنيق، وجمبه نفس الساعة السويسرية القديمة ذات الوجه الأزرق الداكن—الساعة التي كانت ملكاً لفريدة والتي بدأت منها كل الحكاية.

“ندى…” حمزة نطق اسمي بصوت دافئ وعميق. “الساعة دي كانت رمز لماضي انتهى وبدأ معاه ألم… بس الخاتم ده رمز لمستقبل جديد حابب أبتديه معاكي.”

مسك إيدي بالراحة وكمل: “إنتي مش بس رجعتِ الحياة ليونس… إنتي حييتيني أنا كمان. أنا مش طالب منك تكوني بديل لأي حد، أنا طالب من ندى الشناوي تكون مراتي وأم يونس وشريكة حياتي للأبد… تتجوزيني؟”

الدموع اتجمعت في عيني، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف أو رعب، كانت دموع فرحة وأمان.

بصيت ليونس اللي كان يبص لنا بفضول وهو ماسك في رجلي، وبعدين بصيت لحمزة وابتسمت من قلبي:

“موافقة يا حمزة… موافقة.”

لبّسني الخاتم، وفي اللحظة دي، يونس زحف وقعد في حضننا إحنا الاثنين، ولف إيديه الصغيرين حوالينا.

لم تكن القصة مجرد تشابه أرواح أو صدفة غريبة؛ بل كانت ترتيباً إلهياً أخرجني من الضياع والفقر، وأخرجهم من الظلام والخوف… لنصبح معاً عائلة واحدة لا يقدر أي شيء في العالم على تفريقها.

أصبحت السرايا ضجيجاً دافئاً من الضحكات وصوت الأقدام الصغيرة التي تركض في كل مكان.

لم يعُد يُذكر اسم “حمزة الألفي” في الأخبار مرفوقاً بالخوف والرعب، بل أصبح صانع التغيير ورجل الأعمال الذي أعاد بناء حياته ومؤسساته بشفافية، مبتعداً عن كل الصراعات الجانبية التي أودت بحياة الكثيرين سابقاً.

وفي عصر يوم دافئ، كنت أقوم بتجهيز حقائب السفر صعوداً إلى الإسكندرية؛ حيث قررنا زيارة بيت خالتي سعاد، وتقضية بضعة أيام على البحر بعيداً عن صخب القاهرة.

دخل حمزة الغرفة حاملاً يونس على كتفه، وممسكاً بيده الأخرى طفلتنا الصغيرة “سارة”، التي رزقنا الله بها قبل ستة أشهر. كانت سارة تملك نفس العيون الواسعة والابتسامة الدافئة، بينما صار يونس في سن الثالثة، يتحدث بلا توقف ويكرر كلمة “ماما ندى” مع كل خطوة.

“جاهزة يا ندى؟” سألني حمزة وهو يقترب ويضع سارة في مهجعها الصغير، ثم يتناول يونس ليجلسه بجواري.

“جاهزة يا حبيبي،” ابتسمت وأنا ألقي نظرة أخيرة على الصورة المعلقة في زاوية الغرفة… صورة تجمعنا جميعاً في حديقة البيت، حيث لم تعد هناك أشباح من الماضي، بل عائلة متماسكة صُنعت من الرحمة والتضامن.

جلس حمزة بجواري على طرف السرير، ومسك إيدي ونظر في عيني بنبرة مليئة بالامتنان: “عارفة يا ندى… ساعات بنظر للماضي وأفكر، لو مكانش الحادث ده حصل، ولو مكانش يونس رفض كل الناس ومد إيده ليكي أنتي بالذات في المطعم ده… كان زماننا فين دلوقتي؟”

ابتسمت ووضعت رأسي على كتفه، بينما يونس يمسك بيدي الصغيرة بقوة: “ربنا بيكتب الأسباب يا حمزة… ساعات المصاعب والوجع بيكونوا مجرد طريق بيوصلنا للمكان والأشخاص اللي ينتمولهم بجد.”

وضع قبس من حنانه على رأسي وقال: “وأنتي بيتي ومكاني.”

حملنا الأطفال ونزلنا السلالم التي شهدت يوماً ما الخوف والتردد، وخرجنا نحو السيارة. لم تعد بوابات السرايا رمزاً للسجن والحصار، بل أصبحت أبواباً تفتح على الحياة والأمل.

وانطلقنا معاً في طريقنا، تاركين خلفنا كل ما أوجعنا، ومستقبلنا يشرق بشمس جديدة لا تغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى