
“أنا اختفيت عشان أحميكي.”
ثم جملة واحدة قلبت حياتي:
“مريم… أنا أبو ليان.”
بصيت لمالك.
الدنيا سكتت.
حتى صوت العربية اختفى من وداني.
“إيه؟”
مالك ما قالش حاجة.
رجعت أسمع التسجيل مرة تانية، كأني بحاول أقنع نفسي إني سمعت غلط.
لكن صوت ياسين كان واضح.
“ولو مالك قال لك غير كده… ما تصدقيهوش.”
التسجيل انتهى.
بصيت لمالك.
“إنت كنت عارف.”
قال:
“أيوه.”
“كنت عارف إن ياسين أبو بنتي؟”
“أيوه.”
ضربته بإيدي على صدره.
“إنت عارف من إمتى؟!”
ما حاولش يمنعني.
“من قبل ما ليان تتولد.”
دموعي نزلت بغزارة.
“وسبتني أعيش سنة كاملة وأنا فاكرة إن أبوها هرب وسرقني؟!”
قال بصوت مبحوح:
“لأن لو كنت عرفتي الحقيقة وقتها… كانوا
“مين؟!”
وقبل ما يرد، العربية فرملت فجأة.
حسام صرخ:
“يا باشا!”
بصيت قدامي.
عربية سوداء كانت قافلة الطريق.
واتنين عربيات تانية ظهرت من الناحيتين.
مالك فتح الباب ونزل فورًا.
صرخت:
“مالك!”
التفت لي.
“خليكي جوه!”
لكن قبل ما يكمل كلامه، دوى صوت طلقة.
الزجاج الجانبي للعربية اتكسر.
صرخت وانكمشت.
حسام سحبني لتحت.
رصاص تاني ضرب جسم العربية.
مالك كان واقف في نص الطريق، وسلاحه في إيده، بيتحرك بثبات مرعب.
ثواني من الفوضى.
صرخات.
طلقات.
عربيات بتحاول تهرب.
وبعدين…
سكت كل شيء.
فتحت عيني.
مالك كان واقف قدام العربية.
لكن بدل ما يطمن عليا، كان باصص على الأرض.
مشيت ناحيته رغم صراخ حسام.
“مالك؟”
رفع عيني لي.
كان في إيده ظرف صغير.
مدهولي.
“ده كان جوه العربية.”
فتحته بإيد مرتعشة.
جواه صورة.
صورة ليان.
لكن الصورة كانت متصورة قبل ما تتولد.
والأغرب…
كان واقف جنب ياسين في الصورة رجل عجوز.
أول ما شفت وشه، حسيت إني هقع.
كان أبويا.
أبويا اللي مات من خمس سنين.
رفعت عيني لمالك وأنا مش قادرة أتكلم.
همس:
“أبوكي ما ماتش يا مريم.”
ثم أضاف:
“وهو الشخص الوحيد اللي يعرف ليه كل الناس دي عايزة بنتك.”
وفي اللحظة دي، رن موبايلي مرة تانية.
رقم مجهول.
رديت وأنا بترعش.
وجالي صوت راجل عجوز:
“مريم… لو عايزة تشوفي بنتك تاني، تعالي لوحدك.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“ومتجيبيش مالك الشناوي معاكي.”
بصيت لمالك.
وهو كان باصص لي كأنه فهم كل كلمة من غير ما يسمعها.
لكن الصوت أكمل:
“لأن أبوكي هو اللي طلب مني أخطف ليان.”
حكايات شروق خالد
ما إن سمعت الجملة، حسيت إن الدم اتسحب من عروقي.
“أبوكي هو اللي طلب مني أخطف ليان.”
صرخت:
“إنت بتكدب!”
الصوت ضحك ضحكة باردة.
“كنت عارف إنك هتقولي كده.”
“فين بنتي؟!”
“لو عايزاها، هتعرفي الحقيقة الأول.”
“أنا مش هعمل أي حاجة غير لما أعرف ليان فين!”
سكت الرجل ثواني، ثم قال:
“في مكان أبوكي كان بيخبيه عن مالك الشناوي طول السنين دي.”
بصيت لمالك.
كان واقف قدامي، وشه جامد، لكن عينيه كانت مليانة غضب.
مد إيده للموبايل، لكني بعدته.
الصوت أكمل:
“تعالي لوحدك يا مريم.”
ثم ذكر عنوانًا في مصر الجديدة.
“قدامك ساعة واحدة.”
وقفل.
فضلت واقفة مكاني، الموبايل في إيدي، ودموعي بتنزل.
مالك قال:
“مش هتروحي.”
بصيت له.
“دي بنتي.”
“وعشان بنتك، مش هسمحلك تروحي لوحدك.”
“هو قال لو جيت معاك ممكن .”
“هو عايزك تصدقي كده.”
“طب لو كلامه صح؟”
مالك سكت.
ثم قال:
“هعمل حاجة واحدة.”
طلع موبايله واتصل بحد.
“عايز كل المعلومات عن أبو مريم عبد الرحمن. من يوم ما اتولد لحد النهارده.”
ثم قفل.
بصيت له.
“إنت كنت عارف أبويا؟”
مالك رد بعد لحظة:
“أكتر مما تتخيلي.”
“كان بيشتغل معاك؟”
“لأ.”
“أمال إيه اللي بينكم؟”
اقترب مني.
“أبوكي كان أول شخص حاول يوقف الإمبراطورية اللي أنا بنيتها.”
اتسعت عيني.
“إمبراطورية؟”
“أنا مش رجل أعمال عادي يا مريم.”
كنت عارفة.
لكن سماعها منه كان مختلف.
قال:
“أبوكي كان محقق حسابات بيشتغل على قضية كبيرة جدًا.”
“قضية إيه؟”
“تهريب أموال وأطفال.”
اتجمدت.
“أطفال؟”
هز رأسه.
“وكان ياسين جزء من الشبكة.”
شهقت.
“بس إنت قلت إنه كان واحد من رجالك!”
“كان.”
“يعني كان بيشتغل معاك ومعاهم في نفس الوقت؟”
“أيوه.”
بدأت أفهم.
“عشان كده اختفى.”
“مش اختفى.”
مالك قرب خطوة.
“ياسين هرب.”
“من مين؟”
“من الناس اللي كان شغال معاهم.”
“وليه ما رجعليش؟”
مالك بص في عيني.
“لأنه كان عارف إنهم لو وصلوا ليكي، هيستخدموكي عشان يوصلوا له.”
سكت.
ثم قال:
“وكان عنده سبب تاني.”
“إيه؟”
“ليان.”
قلبي خبط.
“إيه حكاية بنتي؟”
مالك ما جاوبش.
وفجأة وصلته رسالة.
قرأها.
وجهه تغير.
“إيه؟”
وراني الشاشة.
كانت صورة.
ليان كانت نايمة في مكان غريب، ملفوفة في بطانية بيضاء.
لكن جنبها ورقة مكتوب عليها:
“الساعة بدأت.”
وتحتها رقم:
59:12
صرخت:
“يا نهار أسود!”
مالك أخد نفسًا عميقًا.
“هو مش عايز فدية.”
“أمال عايز إيه؟”
بص للصورة مرة تانية.
“عايزك.”
“أنا؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
مالك رفع عينيه لي.
“لأنك المفتاح.”
“مفتاح لإيه؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف عند مدخل النادي.
حسام دخل بسرعة.
“يا باشا… في مشكلة.”
مالك لف له.
“إيه؟”
“لقينا عربية ياسين.”
أنا قربت بسرعة.
“فين؟”
“في جراج تحت العمارة اللي ساكنة فيها الحاجة فاطمة.”
قلبي وقع.
“يعني ياسين كان هنا؟”
حسام هز رأسه.
“العربية واقفة من امبارح.”
مالك سأل:
“وجواها إيه؟”
حسام سكت.
“اتكلم.”
“مفيش ياسين.”
ثم أضاف:
“لكن لقينا دم على الكرسي.”
شهقت.
“دم؟!”
مالك تحرك فورًا.
“هنروح.”
ركبت معاه.
طوال الطريق، كنت ساكتة.
عقلي كان بيرفض يصدق كل اللي بيحصل.
أبويا حي.
ياسين متورط.
ليان مخطوفة.
ومالك…
مالك كان عارف كل ده من قبل ما أنا أعرف حتى إن حياتي مبنية على أكذوبة.
وصلنا العمارة.
نزلت أجري.
لكن مالك مسكني من إيدي.
“استني.”
“سيبني!”
“في حاجة غلط.”
بص حواليه.
الشارع كان هادي بشكل مرعب.
ولا عربية.
ولا شخص واقف.
ولا حتى صوت من البيوت.
مالك أشار لحسام.
“ادخل الأول.”
حسام دخل العمارة.
بعد ثواني رجع.
“مفيش حد.”
طلعت بسرعة.
وصلت شقة الحاجة فاطمة.
الباب كان مفتوح.
صرخت:
“يا حاجة فاطمة!”
مفيش رد.
دخلنا.
البيت كان متبهدل.
الكراسي مقلوبة.
الأطباق مكسورة.
وألعاب ليان مرمية على الأرض.
وقعت على ركبتي.
“ليان…”
لقيت بطانيتها الصغيرة.
حضنتها وانهرت في العياط.
مالك وقف بعيد.
ولأول مرة شفت الضعف في عينيه.
قال:
“مريم.”
بصيت له.
“إيه؟”
“بصي هنا.”
كان واقف جنب الحيطة.
فيه صورة قديمة معلقة.
صورة عائلية.
قربت.
واتصدمت.
كان فيها أبويا.
وأمي.
وأنا وأنا طفلة.
لكن كان فيه شخص رابع.
راجل شاب واقف جنب أبويا.
قربت أكتر.
مالك قال:
“ده ياسين.”
شهقت.
“مستحيل.”
“كان يعرف أبوكي من قبل ما يعرفك.”
بصيت للصورة.
ثم لمالك.
“يعني ياسين دخل حياتي مخصوص؟”
ما ردش.
وده كان كفاية.
رجعت خطوتين.
“إنت عايز تقول إن علاقتي بياسين كانت كلها كذبة؟”
مالك اقترب.
“مش كلها.”
“أمال إيه الحقيقي؟”
سكت طويلًا.
ثم قال:
“حبه ليكي.”
دموعي نزلت.
“إزاي؟”
“في البداية كان بيقرب منك عشان يراقبك.”
قلبي انكسر.
“وبعدين؟”
مالك قال بهدوء:
“بعدين وقع في حبك فعلًا.”
سكت.
“وعشان كده خان الناس اللي كان شغال معاهم.”
نظرت له.
“وعشان كده اختفى.”
“أيوه.”
“طب هو فين دلوقتي؟”
مالك لم يرد.
وفجأة…
سمعنا صوت بكاء طفل من داخل .
رفعت رأسي بسرعة.
“ليان!”
جريت ناحية الصوت.
مالك صرخ:
“مريم استني!”
لكنني فتحت باب الغرفة.
كانت الغرفة فاضية.
مفيش ليان.
مفيش حد.
بس كان فيه جهاز تسجيل صغير فوق السرير.
اشتغل لوحده.
وخرج منه صوت ياسين:
“مريم… لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا فشلت.”
انهرت.
“ياسين!”
الصوت كمل:
“بس لسه عندك فرصة تنقذي ليان.”
ثم قال جملة جعلت مالك يتجمد:
“ما تثقيش في أبوكي… وما تثقيش في مالك.”
سكت التسجيل لحظة.
ثم أضاف:
“لأن واحد منهم هو اللي أمك.”
رفعت عيني ناحية مالك.
وهو كان واقف ساكت.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في عينيه.
لأنه قال بصوت خافت:
“أمك ما ماتتش في حادث.”
ثم نظر لي مباشرة.
“أنا كنت موجود يوم موتها.”
وبينما أنا بحاول أستوعب كلامه، وصلني إشعار على الموبايل.
رسالة من الرقم المجهول.
فتحتها.
كانت صورة جديدة لليان.
وبجانبها جملة واحدة:
“لو عايزة بنتك تعيش… اسألي مالك الشناوي مين كان معاه ليلة موت أمك.”
حكايات شروق خالد



