
كل ليلة، كان أخطر رجل في القاهرة يراقبني وأنا برقص عشان أوفّر لبنتي أكلها… لحد ما كشف سرًا غيّر كل حاجة.
أول مرة شافني وأنا برقص، ما بصّش لجسمي أبدًا. وبينما كل راجل تاني كان شايف أم وحيدة بتحاول تكسب شوية فلوس من البقشيش، هو كان شايف حاجة تانية خالص.
كان عارف اسم بنتي، وعارف فواتيري اللي متراكمة، وعارف السر اللي دمّر حياتي.
وبعدين عرض عليّا مخرج من كل اللي أنا فيه…
لكن الحقيقة اللي كان مخبيها ممكن حياتنا إحنا الاتنين.
اسمي مريم عبد الرحمن.
من سنة واحدة بس، كنت طالبة في كلية علم النفس بجامعة عين شمس، وكان حلمي أبقى معالجة نفسية للأطفال. كان عندي مستقبل قدامي، وحبيب كنت بحبه، وأحلام كنت شايفة إنها قريبة جدًا مني.
لحد ما اكتشفت إني حامل.
بعد ستة أيام من اللحظة اللي قلت فيها لحبيبي ياسين إننا هنكون أب وأم، اختفى.
اختفى ومعاه مئتين ألف جنيه كانوا في حسابنا المشترك.
من غير كلمة.
من غير وداع.
من غير حتى ما يبص وراه.
وسابني لوحدي قدام ديون متراكمة، وقلب مكسور، وطفلة صغيرة حياتها كلها متعلقة بيا.
دلوقتي كنت بقضي أربع ليالي كل أسبوع برقص في نادي ليلي راقي في وسط القاهرة اسمه “الليالي”.
وكانت بنتي ليان، اللي عندها سبع شهور، بتفضل عند جارتي الحاجة فاطمة، ست طيبة كانت بتساعدني من غير ما تسألني كتير.
كل جنيه كنت بكسبه كان بيروح للإيجار، واللبن، والحفاضات، ومصاريف ليان.
مفيش رفاهية.
مفيش أحلام.
كان فيه حاجة واحدة بس في دماغي…
إني أخلي بنتي تعيش.
الليلة دي كانت من أصعب الليالي.
رجلي كانت بتوجعني.
المكياج كان سايح على وشي.
والإيجار متأخر بقاله تلات أسابيع.
وقفت قدام المراية في أوضة تبديل الملابس، وبصيت لنفسي.
وشي كان باين عليه التعب.
عيني كانت حمرا من قلة النوم.
وأنا حتى مش عارفة هجيب تمن اللبن منين تاني يوم.
فجأة ظهر شريف، مدير النادي، عند الباب.
قال:
“مريم، عندك طلب من واحد من الـVIP.”
غمضت عيني بضيق.
“أنا مش عايزة رقصات خاصة يا شريف.”
قال:
“الراجل ده دفع تمن الليلة كلها.”
فتحت عيني وبصيت له.
“كلها؟”
هز راسه.
“أيوه.”
ماكنتش عايزة أعملها.
لكن صورة ليان وهي بتضحك قدامي عدّت في دماغي.
فقلت:
“ماشي.”
مشيت وراه للصالة الرئيسية.
وأول ما دخلت، شوفته.
ما كانش محتاج يعمل أي حاجة عشان كل الناس تحس بوجوده.
بالعكس…
هو كان قاعد في أغمق ركن في المكان، لوحده، ساكت، بينما باقي الناس حواليه بيضحكوا ويشربوا ويتكلموا بصوت عالي.
بدلة سودا غالية.
كتاف عريضة.
وشعر أسود مرتب بعناية.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت عينيه.
عيون هادية، بلون العسل الداكن، لكن جواها حاجة خلتني أحس بالخطر.
ورا ظهره كان واقف راجل ضخم، واضح من وقفته إنه حارسه الشخصي.
همس شريف:
“ده مالك الشناوي.”
جسمي كله اتشد.
الاسم ده كنت سمعته قبل كده.
كل القاهرة تقريبًا كانت تعرفه.
رسميًا، مالك الشناوي رجل أعمال كبير.
لكن الناس اللي تعرف أكتر… كانت بتخاف تتكلم عنه.
قربت منه بحذر.
قلت:
“أنا مريم.”
رفع عينيه ليا.
وقال بهدوء:
“اقعدي.”
صوته ما كانش عالي.
لكنه كان من النوع اللي يخلي اللي قدامه ينفذ الكلام من غير ما يفكر.
قعدت قدامه.
قلت:
“الأوض الخاصة موجودة لو حضرتك تفضل.”
رد من غير ما يبعد عينيه عني:
“أنا مرتاح هنا.”
حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.
معظم الرجالة اللي كانوا بيطلبوا رقصات خاصة كانوا بيبصوا لي بطريقة تخليني عايزة أهرب.
لكن مالك…
ما كانش مركز مع جسمي أصلًا.
كان مركز معايا أنا.
قال:
“إنتِ بتشتغلي كتير.”
قطبت حاجبي.
“يعني إيه؟”
“أربع ليالي في الأسبوع. وأوقات بتاخدي شيفت زيادة.”
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
“وبتعرجي شوية على رجلك اليمين بسبب إصابة قديمة.”
قلبي دق بسرعة.
بصيت له بصدمة.
“إنت عرفت الكلام ده منين؟”
ما جاوبش.
بدل كده قال:
“وكل شوية بتبصي على موبايلك.”
وقفت من مكاني.
“أنا مش مرتاحة للكلام ده.”
وقبل ما أتحرك، قال بهدوء:
“بنتك عندها سبع شهور.”
اتجمدت.
رجعت بصيت له.
ما قدرتش أنطق.
كمل:
“اسمها ليان.”
قلبي كأنه وقع من مكانه.
حسيت إن المكان كله اختفى.
مبقاش فيه صوت موسيقى.
ولا ناس.
ولا أضواء.
كان فيه هو بس.
وأنا.
وخوفي.
قال:
“هي الليلة دي عند الحاجة فاطمة في الشقة اللي تحتكم.”
نفسي اتقطع.
“إنت مين؟”
فضل ساكت ثواني.
ثم قال:
“حد كان بيتأكد إن بنتك في أمان.”
صوتي ارتعش:
“إنت بتراقبني؟”
“من فترة.”
“ليه؟”
ما ردش.
بدل كده قال:
#حكايات_شروق_خالد
“إيجارك متأخر. عربيتك محتاجة تتصلح. وعندك فواتير كتير متراكمة.”
حسيت بدموعي بتنزل.
ثم قال الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتحرك تحتي:
“وياسين سرق فلوسك بعد ما عرف إنك حامل.”
اتسمرت في مكاني.
“إنت تعرف ياسين؟”
مالك مال بجسمه للخلف.
“أعرف عنه أكتر مما تتخيلي.”
بصيت له بغضب وخوف.
“إنت عايز مني إيه؟”
مد إيده وحط قدامي كارت أبيض بسيط.
مفيهوش اسم شركة.
ولا منصب.
بس اسم واحد ورقم تليفون.
مالك الشناوي.
قال:
“أنا بعرض عليكي شغل.”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
“شغل؟”
“مساعدتي الشخصية.”
بصيت له بعدم تصديق.
“ليه أنا؟”
لأول مرة، ظهر شيء غريب في عينيه.
حزن.
أو ندم.
وقال:
“لأن اللي اتكسر واتصلح لوحده… بيقدر يفهم وجع الناس أكتر من أي حد.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“هتاخدي خمسين ألف جنيه في الشهر.”
اتسعت عيناي.
“إيه؟”
“تأمين صحي ليكي ولبنتك. شقة آمنة. رعاية كاملة لليان. ولو عايزة تكملي دراستك، أنا هتكفل بمصاريف الجامعة.”
كنت ببص له وكأني مش فاهمة الكلام.
كل حاجة كنت بحارب عشان أوفرها لبنتي…
هو حطها قدامي في لحظة.
لكن ده كان أكتر شيء خوّفني.
قلت:
“إيه المقابل؟”
تغيرت ملامحه.
الثقة اختفت من عينيه للحظة.
وظهر مكانها شيء أغمق.
شيء يشبه الندم.
مال ناحيتي وقال بصوت منخفض:
“قبل ما توافقي يا مريم… فيه حاجة لازم تعرفيها عن ياسين.”
قلبي بدأ يخبط بعنف.
“إيه هي؟”
فضل باصص لي.
ثم قال:
“أنا ما كنتش براقبك إنتِ.”
سكت.
“كنت براقب ياسين.”
حسيت بقشعريرة تمشي في جسمي.
“ليه؟”
رفع عينيه لعيني.
وقال:
“لأن الراجل اللي سرق فلوسك واختفى يوم ما عرف إنك حامل… ما كانش مجرد حبيب هرب من المسؤولية.”
اتسعت عيناي.
“أمال كان إيه؟”
مالك سكت لحظة طويلة.
ثم قال:
“كان واحد من رجالي.”
شهقت من الصدمة.
لكنه أكمل:
“والأخطر من كده… إن ياسين ما سرقش فلوسك عشان يهرب.”
قرب مني قليلًا.
“هو سرقها عشان يشتري بيها حاجة.”
قلت بصوت بالكاد خرج مني:
“إيه؟”
نظر لي نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقي.
وقال:
“كان بيشتري وقت… عشان يخبي الحقيقة عنك.”
تجمدت.
“حقيقة إيه؟”
مالك قبض على يده للحظة، وكأنه بيحاول يقرر إذا كان يقول لي ولا لأ.
ثم قال:
“الحقيقة اللي لو عرفتيها عن بنتك… هتغيّر كل حاجة.”
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
رقم الحاجة فاطمة.
رديت بسرعة.
لكن أول ما سمعت صوتها، الدم اختفى من وشي.
كانت بتصرخ:
“مريم! إلحقيني… ليان اختفت!”
#حكايات_شروق_خالد
صرخت وأنا ماسكة الموبايل:
“إيه؟! اختفت إزاي يا حاجة فاطمة؟!”
صوتها كان بيرتعش من الخوف:
“والله يا بنتي ما أعرف! كنت في المطبخ بعمل لها الرضعة، وسمعت خبط جامد على الباب. أول ما رجعت للأوضة لقيت السرير فاضي!”
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
“الباب كان مقفول؟!”
“أيوه! مقفول بالمفتاح!”
مالك كان واقف قدامي، ووشه اتغير تمامًا.
في ثانية واحدة، اختفى الهدوء اللي كان مالي ملامحه.
مد إيده للموبايل.
“هاتيه.”
رفضت أديهوله.
“دي بنتي!”
بص في عيني مباشرة.
“وعشان كده لازم تثقي فيا دلوقتي.”
سكت لحظة، ثم قال:
“آخر مرة سمعتي صوتها كانت إمتى؟”
“من حوالي ساعة.”
سأل:
“والحاجة فاطمة شافت حد غريب؟”
حطيت الموبايل على السماعة.
ردت الحاجة فاطمة وهي بتعيط:
“كان فيه واحد خبط وقال إنه جاي من عندك يا مريم.”
قلبي وقف.
“قال اسمي؟”
“أيوه.”
مالك شد فكه.
“كان شكله إيه؟”
قالت:
“راجل لابس جاكت أسود وكاب، ومكنتش شايفة وشه كويس.”
مالك بص للحارس اللي واقف وراه.
“حسام.”
“أيوه يا باشا.”
“اقفل النادي كله.”
اتخضيت.
“إنت بتعمل إيه؟”
“بندور على بنتك.”
“أنا جاية معاك.”
مالك هز راسه.
“لأ.”
صرخت:
“دي بنتي!”
قرب مني وقال بصوت منخفض:
“لو اللي أخدها هو الشخص اللي أنا شاكك فيه، وجودك معايا ممكن يخليه يغيّر مكانها.”
“ومين الشخص ده؟”
سكت.
عرفت من عينيه إن الإجابة مش هتعجبني.
“ياسين.”
اتجمدت.
“ياسين؟”
“أيوه.”
ضحكت بعصبية.
“ياسين اختفى من سنة!”
“اختفى من قدامك.”
“يعني إيه؟”
مالك بص لحسام.
“هات العربية.”
ثم رجع بص لي.
“تعالي.”
ركبت العربية وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع.
فضلت أبص من الشباك على شوارع القاهرة وهي بتجري حوالينا، وكل ثانية كانت بتعدي كأنها سنة.
قلت:
“إنت قلت إن ياسين كان واحد من رجالك.”
“كان.”
“يعني إيه كان؟”
“يعني خانني.”
“وسرق ميتين ألف جنيه مني.”
“ما كانوش فلوسه.”
لفيت له.
“إنت عارف الفلوس دي كانت بتاعت مين؟”
مالك ما ردش.
“مالك!”
قال بهدوء:
“كانت جزء من فلوس كنت أنا حاططها في حساب باسم ياسين.”
شهقت.
“إيه؟!”
“ياسين كان بينقل فلوس لحسابات مختلفة. الحساب المشترك بينكم كان واحد منهم.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
“يعني… الفلوس اللي سرقها كانت فلوسك؟”
“جزء منها.”
“طب ليه دخلني في الموضوع؟”
مالك بص قدامه.
“لأن ياسين كان عايز حاجة أهم من الفلوس.”
“إيه؟”
سكت.
قلت بعصبية:
“كل شوية تقول لي الحقيقة وبعدين تسكت! بنتي اختفت، وأنا من حقي أعرف!”
مالك قبض على يده.
“ياسين كان بيشتغل مع ناس أخطر مني.”
سكت لحظة.
“وكانوا بيدوروا على طفلة.”
اتسعت عيناي.
“طفلة؟”
بص لي.
“بنتك.”
حسيت إن الدنيا دارت بيا.
“ليه؟”
مالك أخد نفس طويل.
“لأن ليان مش مجرد بنتك.”
نظرت له بصدمة.
“أمال بنت مين؟”
قبل ما يرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتجمدت.
رد:
“اتكلم.”
جاله صوت من الناحية التانية.
ما سمعتش الكلام، لكن شفت لون وشه بيتغير.
“إنت متأكد؟”
صمت.
“هات التسجيل فورًا.”
قفل المكالمة.
قلت:
“إيه اللي حصل؟”
ما ردش.
“مالك!”
فتح موبايله وشغّل تسجيل صوتي.
في البداية كان فيه تشويش.
ثم سمعت صوت راجل.
صوت أعرفه.
صوت مستحيل أنساه.
ياسين.
“لو عايز بنتك ترجع يا مريم… لازم تعرفي الحقيقة.”
شهقت وحطيت إيدي على بقي.
استمر التسجيل:
“ليان ما اتولدتش بالصدفة.”
ثم سكت ثواني.
“وأنا ما اختفيتش عشان .”
صوتي خرج مكسور:
“ياسين…”
لكن التسجيل كمل.




