
في سن الرابعة والعشرين، حاولت مرات أبويا تبيعني لأحد رجال الأعمال الأثرياء اللي كانت بتتعامل معاهم، علشان تنقذ شركتها من الانهيار، ولما قدرت أهرب من شباك الحمام، حافية ورجلي وإيدي بينزفوا، كان الرجالة اللي بعتتهم ورايا قربوا يمسكوني.
وفجأة، ظهرت عربية سودا وسط العاصفة.
رميت نفسي قدامها، من غير ما أتخيل للحظة إن الراجل الغريب اللي جواها ممكن يكون أقوى وأخطر حتى من العيلة اللي كنت بهرب منها.
أول مرة حاولت مرات أبويا تبيعني، كانت عاملة عشا عائلي، وحاطة كوبايات العصير على السفرة وكأننا مجتمعين نحتفل بحاجة.
قدامي كان قاعد مراد الشناوي، راجل عنده واحد وستين سنة، رجل أعمال ومستثمر كبير، بابتسامة باردة بتاعة راجل فاكر إن كل حاجة في الدنيا ليها تمن.
ومرات أبويا، نجلاء، كانت قاعدة جنبه، هادية بشكل خلاني أحس إن في حاجة غلط.
قالت وهي بتبصلي:
“مراد مستعد ينقذ الشركة ويدفع الديون اللي علينا، وفي المقابل… إنتِ هتخلي الاتفاق ده رسمي ومحترم.”
بصيت لها باستغراب.
“اتفاق إيه؟”
مراد رفع كوباية العصير وقال بمنتهى الهدوء:
“الجواز بعدين… لكن الارتباط الرسمي من دلوقتي.”
فضلت أبص لنجلاء.
شركة أبويا كانت ملكه قبل ما .
وبعد وفاته، نجلاء مسكت إدارة الشركة، وفضلت طول الوقت تقول إن السوق وقع وإن الشركة داخلة على كارثة مالية.
لكن من ست أسابيع، كنت بهدوء بمراجع حسابات الشركة، وبقارن بين تحويلات الموردين والعقود القديمة.
والأرقام قالتلي إن الحقيقة مختلفة تمامًا.
ملايين الجنيهات كانت بتتحول لشركات استشارية وهمية، وكل الخيوط كانت بتوصل لأخو نجلاء.
بصيت لها وقلت:
“إنتِ ما تقدريش تبيعيّني لحد.”
نجلاء ما رمشتش حتى.
قالت ببرود:
“بطلي تصرفات الأطفال. أبوكي سايب لكِ تمنتاشر في المية من الشركة. مراد عايز استقرار. إنتِ هتوقعي على ضم أسهمك لمجموعة التصويت، وتظهري جنبه قدام الناس، وساعتها الشركة هتتظبط والكل هيكسب.”
بصيت لها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
“الكل… ما عدا أنا.”
مراد مد إيده فوق السفرة، ومسك رسغي بقوة.
وقال بابتسامة مستفزة:
“إنتِ لسه صغيرة ومش فاهمة مصلحتك. فكري في المستقبل.”
شدّيت إيدي منه بعنف.
“إلمسني تاني… وهتندم.”
نجلاء ضحكت.
“أهو بنت أبوها الصغيرة فاكرة نفسها قوية.”
هي ما كانتش تعرف إنها غلطت في حقي غلط كبير.
أنا كنت مصورة الفواتير اللي اتلعب فيها.
وحافظة صور التحويلات البنكية.
ولقيت محاضر مجلس الإدارة اللي اتغيرت تواريخها واتعملت بأثر رجعي.
وكان عندي تلات نسخ احتياطية مشفرة لكل الأدلة.
وواحد من الملفات كان متبرمج إنه يتبعت تلقائيًا لو أنا ما لغيتش الإرسال قبل الساعة 12 بالليل.
أول ما زقيت الكرسي ووقفت، ظهر راجلين عند باب الصالة.
نجلاء صرخت:
“اقعدي!”
لكنني جريت.
جريت ناحية حمام الضيوف وقفلت الباب ورايا.
وقفت لحظة وأنا بسمع خبط الرجالة على الباب.
وبعدين عيني وقعت على طبق الصابون الرخامي.
مسكته بكل قوتي وضربت بيه الشباك الصغير.
الزجاج اتكسر واتناثر على البلاط.
طلعت من الشباك رغم الألم.
قطعة زجاج شقت كف إيدي، وواحدة تانية جرحت رجلي قبل ما أقع في الجنينة.
المطر كان بينزل بغزارة.
وهدومي اتبلت.
ورجلي كانت بتنزف.
لكنني ما وقفتش.
جريت حافية ناحية الطريق.
ومن ورايا، سمعت صوت الرجالة.
“امسكوها!”
كانوا بيقربوا.
أقرب…
وأقرب…
وأقرب…
وفجأة…
نور كشافات عربية شق ظلمة الطريق.
عربية سودا فخمة ظهرت عند المنحنى.
ومن غير ما أفكر، خرجت قدامها مباشرة، ورفعت إيديا الاتنين وأنا بصرخ:
“الحقوني!”
الفرامل صرخت بعنف.
العربية وقفت على بُعد سنتيمترات مني.
وقفت مكاني وأنا بترعش.
لثواني، ما سمعتش غير صوت المطر وأنفاسي المتقطعة.
وبعدين…
الباب الخلفي للعربية اتفتح.
ظهر راجل لابس بدلة سودا ومعطف غامق.
بص لرجلي اللي كانت بتنزف.
وبعدين بص لإيدي المجروحة.
وأخيرًا رفع عينيه ناحية الرجالة اللي كانوا بيجروا ورايا من ناحية بيت نجلاء.
وشه ما اتغيرش.
ولا حتى بان عليه الخوف.
قال بصوت هادي لكنه مليان هيبة:
“اركبي.”
بصيت ورايا.
الرجالة كانوا قربوا جدًا.
رجعت بصيت للراجل الغريب.
وبدون ما أفكر…
رميت نفسي جوه العربية.
والباب اتقفل ورايا.
لكنني ما كنتش أعرف…
إن الراجل اللي أنقذني في اللحظة دي…
ما كانش مجرد رجل أعمال غريب.
كان شخصًا اسمه وحده كان كفاية يخلي أكبر رجال الأعمال في مصر يسكتوا.
وكان دخولي عربيته…
أول خطوة في حرب ما كنتش أعرف إني داخلة عليها.
حكايات شروق خالد
الباب اتقفل، والعربية انطلقت بسرعة جنونية.
اتكعبلت على الكرسي الخلفي وأنا بحاول آخد نفسي.
جسمي كله كان بيرتعش.
مش من البرد بس…
من الخوف.
رفعت عيني للرجل اللي قاعد قدامي.
كان هادي بشكل غريب.
كأنه ما أنقذش واحدة هاربة من رجالة مسلحين من شوية.
كأنه شاف الموقف ده مئات المرات.
مد إيده ناحية السائق وقال:
“اطلع على الطريق الدائري.”
السائق هز راسه.
“حاضر يا فندم.”
أنا بلعت ريقي بصعوبة.
وبعدين قلت:
“أنا… أنا آسفة.”
بصلي من خلال المراية.
“على إيه؟”
“إني رميت نفسي قدام عربيتك.”
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“لو كنتي ما عملتيش كده، كانوا مسكوكي.”
نزلت عيني على إيدي.
الدم كان سايل منها، ومختلط بمياه المطر.
لاحظ هو ده.




