
اتسمرت وأنا باصة في الشاشة.
“مين كان معاك ليلة أمي؟”
مالك ما جاوبش.
صرخت فيه:
“رد عليّا!”
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
“أبوكي.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
“أبويا؟”
“أيوه.”
“يعني أبويا كان موجود ليلة موت أمي؟”
“كان موجود.”
“وإنت كنت موجود؟”
هز راسه.
“أيوه.”
قربت منه وأنا مش مصدقة.
“يبقى إنتوا الاتنين كنتوا هناك… وأمي ماتت… وبعدها اختفت الحقيقة عشرين سنة؟”
مالك بص للأرض.
“مش عشرين سنة.”
رفع عينيه لي.
“أمك ما ماتتش في الليلة دي.”
اتجمدت.
“إيه؟”
“إحنا كنا فاكرين إنها ماتت.”
“فاكرين؟!”
صوتي علا.
“أمال كانت فين؟!”
مالك سكت.
ثم قال:
“اتخطفت.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
“مين خطفها؟”
“الناس اللي بنحاول نوصل لهم من سنين.”
“واللي خطفوا بنتي دلوقتي؟”
“نفسهم.”
بصيت للصورة اللي فيها ليان.
“يبقى ليه أبويا متورط؟”
مالك ما ردش.
وفجأة سمعنا صوت خطوات في الشقة.
أنا اتجمدت.
مالك رفع إيده، وأشار لي أسكت.
الخطوات كانت جاية من الممر.
خطوة…
ثم خطوة…
ثم توقف.
مالك أخرج .
فتح الباب بهدوء.
لكن ما كانش فيه حد.
بس على الأرض كان فيه ظرف أسود.
مالك انحنى وأخده.
فتحه.
ورقة واحدة.
قرأها.
ثم مدها لي.
كان مكتوب:
“لو عايزة تشوفي أمك… تعالي للمكان اللي بدأت فيه كل الحكاية.”
وتحت الجملة عنوان قديم.
عنوان بيت طفولتي.
البيت اللي كنت فاكرة إنه اتهد من أكتر من خمسة عشر سنة.
بصيت لمالك.
“إزاي؟”
قال:
“لأن البيت ما اتهدش.”
“أمال إيه اللي حصل؟”
“أبوكي هو اللي خلاكي تصدقي إنه اتهد.”
اتسعت عيناي.
“ليه؟”
مالك بص للورقة.
“عشان يخبي حاجة.”
خرجنا من الشقة بسرعة.
طوال الطريق، كنت حاسة إن كل حاجة في حياتي بتتفك قدامي.
وصلنا للبيت القديم بعد حوالي نص ساعة.
كان في شارع جانبي هادي.
من بره، شكله مهجور.
لكن لما قربنا، لاحظت إن القفل جديد.
مالك بص لحسام.
“افتحه.”
ثواني، والباب اتفتح.
دخلنا.
ريحة التراب كانت مالية المكان.
مشيت ببطء.
عرفت الصالة.
المطبخ.
حتى السلم اللي كنت بنزل عليه وأنا طفلة.
لكن فجأة وقفت.
كان فيه باب صغير تحت السلم.
باب ما افتكرتش إني شفته قبل كده.
مالك قرب منه.
“هنا.”
“إنت عارف المكان؟”
“أيوه.”
فتح الباب.
وراءه كان فيه سلم نازل لتحت.
قلبي بدأ يخبط.
نزلنا.
كل خطوة كانت بتخليني أحس إننا بندخل سر مدفون من سنين.
وصلنا لقبو صغير.
وفي آخره كان فيه مكتب قديم.
فوق المكتب صور وأوراق.
قربت.
أول صورة شفتها كانت لأمي.
حية.
وفي الصورة كانت واقفة جنب رجل أعرفه.
ياسين.
شهقت.
“ياسين؟”
مالك قال:
“أيوه.”
قلبت الصور بسرعة.
صورة لأمي مع ياسين.
صورة لأبويا مع ياسين.
ثم صورة لمالك مع أبويا.
كنت تايهة.
“إيه اللي كان بيجمعكم كلّكم؟”
مالك قال:
“الحقيقة.”
“أي حقيقة؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت من خلفنا.
صوت امرأة.
هادئ.
لكن مألوف بشكل مرعب.
“الحقيقة إن أبوكي ما كانش بيحاول يحميكي يا مريم.”
لفيت بسرعة.
المرأة كانت واقفة عند مدخل القبو.
وشها كان شاحب.
شعرها فيه خصلات بيضاء.
لكن عينيها…
عرفتهم فورًا.
وقعت الورقة من إيدي.
“ماما؟”
المرأة دمعت.
“أيوه يا بنتي.”
جريت عليها.
حضنتها وأنا بعيط زي الطفلة.
“إنتِ عايشة!”
كانت بتبكي وهي بتضمّني.
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
بعد لحظات، بعدت عنها.
“فين ليان؟!”
وشها اتغير.
“أخدوها.”
“مين؟!”
بصت ناحية مالك.
“الناس اللي مالك قضى عمره بيحاول يهرب منهم.”
ثم قالت:
“لكن فيه حاجة إنتِ لازم تعرفيها قبل ما نروح لها.”
“إيه؟”
أمي قربت مني.
وقالت:
“ليان ما اتخطفتش عشان هي بنت ياسين.”
سكتت لحظة.
“اتخطفت لأنها حفيدة الرجل اللي بدأ كل ده.”
“مين؟”
بصت لي مباشرة.
“أبوكي.”
ثم أضافت بصوت مكسور:
“وأبوكي مش ضحية يا مريم.”
“أمال إيه؟”
أمي غمضت عينيها.
“هو العقل المدبر.”
في اللحظة نفسها، دوى صوت من فوقنا.
مالك شدني بعيدًا عن أمي.
وانطفأت أنوار القبو.
صرخ حسام:
“يا باشا! في ناس دخلت البيت!”
مالك سحب .
وأمي أمسكت إيدي.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت طفل بيعيط من فوق.
صوت ليان.
صرخت:
“بنتي!”
وجريت ناحية السلم.
مالك لحقني.
لكن أمي صرخت خلفنا:
“مريم! استني!”
وقفت.
قالت وهي بتبص لي بخوف:
“اللي ماسك ليان دلوقتي… مش واحد من رجالة أبوكي.”
ثم همست:
“ده أبوكي نفسه.”
حكايات شروق خالد
اتجمد الدم في عروق مريم.
بصّت لأمها، وبعدين ناحية السلم اللي جاي منه صوت بكاء ليان، وقالت بصوت مخنوق:
— إنتِ بتقولي إيه؟! أبويا هو اللي ماسك ليان؟
أمها مسكت دراعها بقوة.
— مريم، اسمعيني. مفيش وقت. أبوكي مش جاي ينقذ بنتك… هو جاي ياخدها.
— بس إنتِ قولتي إنه !
— كذبت عليكِ.
الكلمة نزلت على مريم كأنها .
— كذبتي عليّا طول السنين دي؟!
— كنت بحميكي.
— بتحميني من إيه؟! من أبويا؟! من الراجل اللي كنت فاكرة إنه مات وأنا طفلة؟!
أمها قربت منها، وعينيها مليانة دموع.
— أبوكي مش الراجل اللي كنتِ فاكرة إنك تعرفيه.
فجأة دوّى صوت رصاصة من فوق.
مريم شهقت.
— ليان!
اندفعت ناحية السلم، لكن أمها شدتها بعنف.
— لو طلعتي دلوقتي !
— سيبيني!
— مريم! بصّيلي!
سكتت مريم، وهي بتتنفس بسرعة.
أمها قالت:
— هو مستنيكي تطلعي. عايزك تشوفيه. عايزك تعرفي إنه لسه أقوى منك ومن مالك.
جاء صوت رجل من أعلى السلم:
— مريم!
تجمدت.
الصوت كان مألوفًا بطريقة مرعبة.
صوت كانت فاكرة إنها نسيته.
صوت أبوها.
— مريم، اطلعي لبنتك.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
— بابا؟
ضحك الرجل من فوق.
— لسه فاكرة صوتي؟
مالك ظهر عند مدخل القبو، في إيده.
— مريم، ورايا.
بصت له.
— إنت كنت عارف إنه عايش؟
مالك ما ردش.
وده كان كفاية.
صرخت فيه:
— كنت عارف؟!
— أيوه.
— وكل ده وإنت ساكت؟!
— لأن لو عرفتي بدري، كان
— وإنت مين عشان تقرر أعيش إزاي؟!
مالك قرب منها.
— أنا الشخص الوحيد اللي فضل واقف بينك وبينه كل السنين دي.
— لأ… إنت واحد منهم!
مالك بص لأمها.
— دلوقتي مش وقت الحساب.
أم مريم قالت:
— هو فوق ومعاه ليان. ولازم نطلّعها من غير ما يعرف إننا عرفنا الحقيقة.
وفجأة سمعوا صوت خطوات.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم ظهر رجل عند آخر السلم.
كان طويلًا، شعره شابته خصلات رمادية، وملامحه هادئة بشكل مخيف.
مريم حطت إيدها على بوقها.
— بابا…
ابتسم.
— كبرتي يا مريم.
مريم كانت بتبص له وكأنها شايفة شبح.
— إنت… إنت عايش.
— عشانك.
ضحكت ضحكة مكسورة.
— عشاني؟! وإنت خاطف بنتي؟
— بنتك مش هي اللي أنا عايزها.
— أمال عايز إيه؟
نزل درجة.
— عايز الحقيقة.
مالك رفع .
— خطوة كمان وأنا هضرب.
الأب ابتسم.
— وإنت لسه بتلعب دور الحامي يا مالك؟
مريم بصت لمالك.
— إنت تعرفه من إمتى؟
مالك قال:
— من قبل ما تتولدي.
الأب ضحك.
— لا يا مالك. من قبل ما أمها تتجوز.
مريم بصت لأمها.
— ماما؟
أمها غمضت عينيها.
الأب قال:
— اسأليها مين أبوكي الحقيقي.
سكت المكان.
مريم حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
— إيه؟
الأب ابتسم.
— أنا مش أبوكي يا مريم.
مالك اتقدم خطوة.
— كفاية.
الأب رد:
— الحقيقة لازم تتقال.
مريم بصت لأمها.
— قوليلي.
أمها كانت بتبكي.
— مريم…
— قولي!
قالتها وهي بتصرخ.
— مين أبويا؟
قبل ما أمها تجاوب، دوّى صوت بكاء ليان من فوق.
مريم تحركت غصب عنها.
الأب قال:
— تعالي لو عايزة بنتك.
مالك أمسك إيدها.
— ما تروحيش.
مريم بصت له.
— دي بنتي.
— وأنا هرجعها.
— لأ. أنا اللي هرجعها.
شدت إيدها منه وصعدت السلم.
مالك تبعها.
لكن أول ما وصلوا الدور العلوي، انطفت الأنوار.
صوت ضربة.
صوت صراخ.
وبعدين سكون.
مريم جريت ناحية الصوت.
— ليان!
سمعت بكاءها من غرفة قديمة في آخر الممر.
فتحت الباب.
وكانت ليان في حضن رجل لابس أسود.
مريم وقفت مكانها.
— سيب بنتي.
الرجل رفع عينه.
ما كانش أبوها.
كان ياسين.
حي.
واقف قدامها.
وشه مليان كدمات، وهدومه عليها دم.
مريم شهقت:
— ياسين؟!
ابتسم بتعب.
— وحشتيني.
— إنت خطفت بنتي؟!
— أنقذتها.
— من مين؟
ياسين بص ناحية الباب.
مالك دخل وهو مصوب .
— من أبوكي.
مريم قربت من ياسين.
— اديني ليان.
ياسين هز رأسه.
— مش قبل ما تسمعي كل حاجة.
— إنت مش هتشرط عليّا!
— لو خدتيها دلوقتي، مش هتوصلي بيها للباب.
فجأة صوت طلقة اخترقت الحائط.
ياسين اندفع ناحية مريم، وحمى ليان بجسمه.
مالك رد بإطلاق النار.
— انزلوا!
أصوات رجال بدأت تملأ البيت.
مريم احتضنت ليان، لكن ياسين قال بسرعة:
— البدروم!
مالك صرخ:
— لأ! الطريق التاني!
مريم بصت له.
— ليه؟
مالك قال:
— لأنهم قافلين البيت من كل ناحية.
ياسين ضحك بسخرية.
— هو لسه بيكدب عليكِ.
مالك رفع ناحية ياسين.
— آخر مرة هقولها… اسكت.
ياسين قال:
— اسأليه مين اللي أمك.
مريم بصت لمالك.
— إنت قلت إنها .
— أيوه.
— ومين خطفها؟
مالك سكت.
ياسين قال:
— أبوها.
مريم شهقت.
الأب ظهر عند الباب.
— كفاية أسرار.
كان ماسك .
وموجهه ناحية مريم.
— تعالي معايا يا بنتي.
مريم ثبتت مكانها.
— أنا مش بنتك.
ابتسم.
— لأ… دي أول حقيقة قلتيها النهارده.
مالك اتحرك قدامها.
الأب قال:
— لو رفعت بنتك.
مريم بصت لليان، ثم لمالك.
وفجأة فهمت.
أبوها لم يكن يريد ليان وحدها.
كان يريد مريم.
كان يريدها هي أن تذهب إليه بإرادتها.
قالت:
— إنت عايزني أنا.
الأب ابتسم.
— أخيرًا فهمتي.
— ليه؟
— لأنك الوحيدة اللي معاها المفتاح.
— مفتاح إيه؟
نظر إلى أمها التي كانت تقف خلفهم.
ثم قال:
— مفتاح الحسابات اللي أبوكي خبّاها قبل ما يموت.
مريم همست:
— بس إنت أبويا.
ضحك.
— لا.
ثم أشار إلى أمها.
— أبوكي الحقيقي هو الراجل اللي مالك عشان يحمي إمبراطوريته.
مالك تجمد.
مريم بصت له.
— إيه؟
لأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي على وجه مالك.
الأب قال:
— اسأليه عن اللي حصل ليلة أبوكي الحقيقي.
مالك نزل ببطء.
ومريم قالت:
— مالك… إنت أبويا؟
سكت.
ثانية.
ثانيتين.
ثم قال:
— أيوه.
انفجرت مريم بالبكاء.
لكن قبل ما تلحق تتحرك، دوّى صوت رصاصة جديدة.
الأب وقع على الأرض.
والرجل اللي أطلق النار كان…
الحاجة فاطمة.
كانت واقفة عند باب البيت، ماسكة ، وبتقول:
— كفاية بقى يا مالك.
مالك بص لها بذهول.
— إنتِ؟!
الحاجة فاطمة ابتسمت.
— أنا اللي ربيت البنت دي سبع شهور… وأنا اللي كنت مستنية اليوم اللي الحقيقة كلها تظهر.
مريم بصت لها وهي مش مصدقة.
— إنتِ تعرفي كل ده؟
الحاجة فاطمة ردت:
— أنا مش جارتك يا مريم.
ثم نزّلت .
— أنا كنت حارسة أمك.
وساد الصمت.
ثم قالت الجملة اللي قلبت حياة مريم للمرة الأخيرة:
— وأمك… مش آخر واحدة من عيلتك لسه عايشة.
حكايات شروق خالد
مريم بصّت للحاجة فاطمة، وكأن عقلها رفض يستوعب آخر جملة قالتها.
— يعني إيه مش آخر واحدة؟ مين تاني؟
الحاجة فاطمة ما ردتش.
كانت بتبص ورا مريم.
مريم لفتت بسرعة.
الممر كان فاضي.
مالك كان واقف جنب الباب، وياسين حاضن ليان.
أما أم مريم، فكانت بتبص للحاجة فاطمة بخوف واضح.
— إنتِ وعدتيني إن السر ده هيفضل مدفون.
الحاجة فاطمة ردت بهدوء:
— وأنا كنت فاكرة إن الدفن هو الحل.
— والحل طلع إيه؟
— إن كل اللي دفناه رجع يطلب حقه.
فجأة سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت.
ثم أبواب عربيات بتتفتح.
مالك رفع .
— رجالة.
ياسين قرب من مريم.
— لازم نمشي حالًا.
مريم بصت له.
— لأ.
— لأ إيه؟
— أنا مش ههرب تاني.
مالك قال:
— مريم، اسمعيني. الناس اللي بره مش جايين يتفاوضوا.
— وأنا تعبت من إن كل واحد فيكم يقولي “اسمعيني” ويخبّي عني نص الحقيقة.
مالك سكت.
مريم قربت منه.
— إنت أبويا الحقيقي؟
— أيوه.
— ليه؟
مالك بص في عينيها.
— لأنه كان أمك.
أم مريم شهقت.
— مالك!
مريم اتجمدت.
— إيه؟
مالك كمل:
— أبوكي الحقيقي كان اسمه عادل عبد الرحمن. الراجل اللي رباكي اسمه منصور عبد الرحمن، وكان شريكه.
مريم حطت إيدها على رأسها.
— أنا مش فاهمة.
ياسين قال:
— لأنهم كانوا بيستخدموا اسم عادل في كل حاجة.
مالك بص له.
— وإنت كنت عارف.
— أيوه.
— وسرقت الفلوس عشان بيها؟
ياسين سكت.
مريم بصت له.
— جاوبني.
ياسين نزل عينه.
— أخدتها عشان أخرج من الشبكة.
— ليه ما قولتش لي؟
— لأنهم كانوا بيراقبوكي.
— فاختفيت؟
— كنت بحاول أحميكي.
مريم ضحكت بمرارة.
— كل واحد فيكم بيقول إنه بيحميني، وفي الآخر أنا اللي اتدمرت.
بكاء ليان زاد.
مريم مدت إيدها.
— هاتي بنتي.
ياسين سلمها لها فورًا.
احتضنتها مريم، ودفنت وشها في شعرها.
— محدش هياخدك مني تاني.
وفجأة…
انفجر زجاج الشباك.
رصاصة مرت فوق رأس مريم.
مالك شدها للأرض.
— انزلي!
بدأ إطلاق نار من الخارج.
الحاجة فاطمة فتحت باب جانبي.
— الطريق ده يطلع على الزقاق الخلفي.
مالك صرخ:
— حسام!
ظهر حسام من ناحية المطبخ.
— أنا موجود.
— خد مريم وليان.
مريم اعترضت:
— لأ، أنا مش هسيب أمي.
أمها مسكت إيدها.
— روحي.
— مش من غيرك.
— أنا هحصلك.
— لأ!
أمها قربت منها وقبلت جبين ليان.
— لو حصل لي حاجة، خليها تعرف إن جدتها حبتها قبل ما تشوفها.
مريم بدأت تبكي.
— متقوليش كده.
الأم همست:
— وافتكري حاجة واحدة… متثقيش في الدم.
مريم بصت لها باستغراب.
— يعني إيه؟
لكن قبل ما ترد، دخل رجل مسلح من الباب.
مالك أطلق عليه النار في ساقه.
حسام جذب مريم ناحية الباب الخلفي.
— يلا!
خرجوا.
مريم، ياسين، ليان، حسام ومالك اندفعوا في الزقاق الضيق.
أصوات الرصاص كانت وراهم.
لحد ما وصلوا لعربية سوداء.
مالك فتح الباب.
— اركبي.
مريم ركبت وهي حاضنة ليان.
ياسين ركب جنبها.
مالك جلس قدام.
حسام ساق بسرعة.
بعد دقائق، بدأ صوت الرصاص يختفي.
مريم كانت ساكتة.
ثم قالت:
— هنروح فين؟
مالك رد:
— مكان محدش يعرفه.
— يعني فين؟
— بيت في الزمالك.
ياسين ضحك بسخرية.
— بيت الزمالك؟
مالك بص له من المراية.
— عندك اقتراح؟
— عندي.
مريم بصت له.
— إيه؟
ياسين قال:
— الفيلا القديمة بتاعة عادل.
مالك ضغط على أسنانه.
— مستحيل.
— ليه؟
— لأنها أكتر مكان متوقع يروحوا له.
ياسين رد:
— وده بالضبط السبب اللي يخليهم ما يدوروش فيها.
مريم تدخلت:
— هنروح هناك.
مالك بص لها.
— مريم…
— قلت هنروح هناك.
بعد نصف ساعة، وصلت العربية أمام فيلا قديمة في مصر الجديدة.
مريم نزلت وهي شايلة ليان.
المكان كان مهجورًا.
الأبواب مغطاة بالتراب.
ياسين فتح الباب بمفتاح قديم.
دخلوا.
مريم وقفت وسط الصالة.
شعرت بشيء غريب.
المكان مألوف.
رائحة الخشب.
الستائر القديمة.
حتى صورة صغيرة معلقة على الحائط.
قربت منها.
الصورة كانت لطفلة صغيرة.
طفلة تشبهها.
لكن بجانبها كانت امرأة أخرى.
مريم همست:
— مين دي؟
ياسين اقترب.
ثم تجمد.
— مستحيل.
مالك أخذ الصورة منه.
نظر إليها.
وتغير وجهه.
مريم قالت:
— إنتوا عارفينها؟
مالك لم يرد.
مريم انتزعت الصورة من يده.
وفي ظهرها كانت جملة مكتوبة بخط يد أمها:
“مريم مش بنت عادل… ومش بنت منصور.”
مريم رفعت عينيها ببطء.
— أمال بنت مين؟
لم يجب أحد.
فجأة صدر صوت من الطابق العلوي.
صوت امرأة.
— بنتي.
مريم تجمدت.
مالك رفع .
ياسين همس:
— مستحيل…
نزلت المرأة السلم ببطء.
كانت في الخمسينات.
شعرها أسود تتخلله خصلات بيضاء.
وفي وجهها ملامح مريم بشكل مخيف.
مريم تراجعت خطوة.
— إنتِ مين؟
المرأة ابتسمت والدموع في عينيها.
— أنا خالتك.
مريم لم تتحرك.
— أنا مليش خالات.
المرأة قالت:
— لأن أبوكي محا وجودي من حياتك.
مالك شد قبضته على .
— سعاد…
مريم بصت له.
— إنت تعرفها؟
مالك قال:
— أيوه.
المرأة نزلت آخر درجة.
— وأنا اللي كنت مفروض أربيكي.
مريم قربت منها.
— ليه؟
سعاد قالت:
— لأن أمك كانت عارفة إن عادل ومنصور هيموتوا عشانك.
مريم شهقت.
— عشاني أنا؟
— أيوه.
— أنا كنت إيه بالنسبة لهم؟
سعاد نظرت إلى ليان.
— وإنتِ دلوقتي بقيتي أخطر منهم كلهم.
مريم ضمت ليان.
— ليه؟
سعاد اقتربت.
— لأن ليان هي الوريثة.
مالك قال بحدة:
— وراثة إيه؟
سعاد بصت له.
— وراثة كل حاجة.
ثم أضافت:
— الحسابات، الشركات، الأراضي… والأسماء.
مريم هزت رأسها.




