
بنتي مليت تلات عربيات تسوق، ولما الكاشير أعلن إن الحساب وصل لـ980 دولار، بصتلي قدام الناس كلها وقالتلي: — ادفعي يا ماما. ده أقل واجب تعمليه مقابل إنك عايشة معانا. قفلت محفظتي وقلت: — لأ. ومشيت من غير ما أجادلها. هي لسه ما كانتش تعرف إن في نفس الليلة، أنا هبطل أدفع تمن حاجة أهم بكتير من الأكل.
— ادفعي يا ماما. ده أقل واجب تعمليه مقابل إنك عايشة معانا.
بنتي قالت الجملة دي قدام الكاشير، وتلات عربيات مليانين أكل، وطابور طويل من الناس اللي كانوا عاملين نفسهم مش سامعين.
اسمي فاطمة، عندي اتنين وسبعين سنة، ولحد اليوم ده كنت مؤمنة إن الأم الكويسة لازم تستحمل كل حاجة من غير ما تشتكي.
كنا في سوبر ماركت كبير في القاهرة. بنتي الوحيدة، منى، كانت مليانة العربيات بأجود أنواع اللحوم، والجبن، والحلويات، والمشروبات، وكل حاجة ممكن تتقدم في عزومة كبيرة، لأن جوزها حسام كان عامل عشا لزمايله في الشغل.
أما أنا، فكنت حاطة في عربيتي علبة شاي بالبابونج بس.
لما الكاشير أعلن الحساب، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
تسعمية وتمانين دولار.
المبلغ كان أكبر بكتير من معاشي الشهري، اللي بالعافية كان بيكفيني لمصاريفي وعلاجي.
بصيت لبنتي وقلت:
— منى… أنا مقدرش أدفع المبلغ ده. أنا محتاجة أشتري علاجي.
بصتلي من فوق موبايلها كأني أنا اللي حطيتها في موقف محرج.
— تاني موضوع العلاج ده؟
— ده كل اللي معايا لحد آخر الشهر.
قربت مني وخفضت صوتها، بس نبرتها كانت مليانة غضب.
— ماما، إحنا موفرينلك بيت تعيشي فيه، وأكل، وعيلة. متبدأيش بقى حكاية المظلومة دي.
الكلام وجعني.
لأن البيت اللي كنا عايشين فيه كان موجود في الأساس بفلوسي أنا.
قبل أربع سنين، بعد ما جوزي عبد الرحمن مات، منى أقنعتني إني أبيع البيت اللي عشت فيه أربعين سنة.
وقتها مسكت إيدي وعيطت وقالتلي:
— أنا مش عايزاكي تعيشي لوحدك. تعالي عيشي معانا. هنستخدم فلوس البيت نوسع الشقة، وتبقى ليكي أوضة خاصة بيكي، وهتعيشي وسطنا.
بعت البيت.
وحولت تقريبًا كل الفلوس ليهم.
في الأول، كانوا بيعاملوني كأني ضيفة.
وبعدين بدأت الطلبات الصغيرة.
أجهز الفطار لحفيدي آدم.
أكوي هدوم حسام.
أغسل الهدوم.
أطبخ.
أنزل أجيب الطلبات.
أخرج الكلب.
أدفع فاتورة الكهربا “مؤقتًا”.
وبعدين الإنترنت.
وبعدها بقيت بدفع جزء من مصاريف الأكل.
أما الأوضة اللي وعدوني إنها هتبقى بتاعتي، فتحولت لمخزن مليان كراتين وحاجات حسام.
وسريري اتحط في ركن ضيق جنب حيطة.
ومع ذلك فضلت ساكتة.
لحد اليوم ده.
بصيت لمنى وقلت:
— البيت ده اتدفع تمنه بفلوسي أنا كمان.
وشها احمر من الغضب.
— كفاية بقى! إنتي اديتينا الفلوس دي بمزاجك. دلوقتي بطلي تمثلي دور الضحية وطلعي الكارت بتاعك.
الكاشير نزل عينيه، والناس اللي ورايا بقوا ساكتين أكتر.
في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت.
مش قلبي.
خوفي.
قفلت محفظتي الحمرا.
وقلت بهدوء:
— لأ.
رمشت منى كذا مرة.
— إنتي قلتي إيه؟
— قلت لأ. مش هدفع.
لفيت ومشيت ناحية باب الخروج.
— ماما! ارجعي! أنا ماجبتش الكروت بتاعتي!
كملت مشيي.
— عندنا ناس جايين تتعشى!
الأبواب الأوتوماتيك اتفتحت قدامي.
وقبل ما أخرج، سمعت صوتها ورايا:
— لو خرجتي من الباب ده، متدخليش بيتي تاني!
وقفت أقل من ثانية.
وبعدين خرجت.
وأنا سامعة بنتي بتصرخ ورايا، أدركت حاجة مرعبة…




