
أخدت نفس هادي، ووقفت بثبات قصاد عبد الحميد بيه بدون ما أظهر أي توتر.
“عبد الحميد بيه، أنا لما استلمت ملف المشروع، حضرتك قلت لي إن شغلي هو المراجعة الدقيقة والسرية.. وأنا ده اللي بعمله بالظبط.”
بصيت لمريم لثانية، وبعدين رجعت بصيت للرجل الكبير وكملت:
“الـ15 مليون اللي اتحولوا للشركة الأوفشور مالهمش غطاء مستندي في أوراق الشركة. ماركوس فاكر إن حضرتك لوحدك ومزنوق في الزاوية، وبيضغط عليك بالمستندات القديمة لأنه ضامن إن محدش في القسم المالي فاهم الحركة اللي بيعملها.”
عبد الحميد بيه اتصدم، عينيه اتوسعت وبص لبنته مريم بذهول:
“مريم.. أنتِ حكيتي له؟”
مريم خطت خطوة لقدام وقالت بصوت شجاع لأول مرة:
“بابا.. محمد هو اللي لقط التحويل الغريب في الورق بنفسه قبل ما أنا أقول أي حاجة. محمد مش جاي يضرك يا بابا، محمد بيحاول يساعدنا نطلع من المأزق ده.”
عبد الحميد بيه قعد على الكرسي بتعب، وحط إيده على وشه. الهيبة والشدة اللي كان بيبان بيهم قدام الناس اختفوا في لحظة، وظهر مكانه راجل شايل هم بيته وشركته واسمه اللي بناه في سنين.
رفع رأسه وبص لي بنظرة أعمق:
“أنت مش فاهم يا محمد.. ماركوس معاه ورق يهد الشركة دي في أيام، لو دخلت معاه في مواجهة صريحة هيسرب الورق للصحافة وللهيئة المالية.”
قربت خطوات من المكتب وقلت بنبرة واثقة:
“وهو مش هيدخل المواجهة دي يا فندم، لأن الأدلة اللي معانا بقت أقوى. الشركة الأوفشور دي ملكه هو بشخصه، وتحويل مبلغ زي ده بدون خدمات حقيقية تحت بند الاستشارات ممكن يفتح ملف مالي وتجاري كبير. اللي أنا عملته معاه دلوقتي إني أثبت له إن السر ما بقاش سر، وإن الموضوع اتكشف.”
عبد الحميد بيه بص لي بذهول، وكأنه بيشوفني لأول مرة بعد 5 سنين شغلي معاه:
“وعايزنا نعمل إيه دلوقتي؟”
“حضرتك هتطلب منه اجتماع بكرة الصبح،” رديت عليه بثبات، “وهتقول له إن القسم المالي رافض يمرر أي تحويلات جديدة أو يعتمد عقد الشراكة إلا لما يقدم الإقرارات الضريبية للشركة الأوفشور.
وفي نفس الوقت، أنا ومريم بنجهز ملف كامل بكل التحويلات الحسابية الثابتة عليه، وهنحطه قدامه على الترابيزة.. يا إما يسلم المستندات القديمة اللي بيضغط عليك بيها وينهي الشراكة ببيان رسمي هادي، يا إما الملف ده يروح للجهات المختصة لمراجعة كل المخالفات المالية.”
عبد الحميد المنصور فضل ساكت ييجي دقيقة كاملة، بيوزن الكلام في دماغه. وبعدين هز رأسه ببطء، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه لأول مرة:
“أنا طول عمري بعرف أختار الناس اللي بشتغل معاهم.. بس أنت طلعت أكبر من كل التوقعات يا محمد.”
بص لبنته مريم وقال:
“افضلوا في الأوضة المقفولة الليلة دي، وخلصوا الملف ده.. ومش عايز غلطة واحدة.”
طلعنا أنا ومريم من مكتب الإدارة ونزلنا الدور السابع. القاعة كانت هادية كأن الوقت اتوقف فيها. قعدنا على المكاتب، وبدأنا نشتغل جنب لجنب في فحص الأرقام والأوراق لحد ما الليل دخل علينا.
على الساعة واحدة بعد منتصف الليل، كنا قربنا نخلص الملف. مريم كانت بتراجع معايا الأرقام على شاشة الحاسبة، وفجأة سكتت وبصت لي:
“محمد..”
رفعت عيني من على الورق:
“نعم يا أستاذة مريم؟”
ابتسمت بكسوف وقالت بصوت واطي:
“ممكن تتأكد إن اللي بتعمله ده مش بس عشان شغلك في الشركة؟
يعني… أنت بتخاطر بمستقبلك عشان تحمينا.”
بصيت لعيونها اللامعة، وافتكرت القاعدة اللي عشت بيها 10 سنين: ما تسمحش لحد يعتمد عليك عشان ما تتكسرش.
لكن في اللحظة دي، وأنا شايف مريم قريبة مني وبتبص لي بأمل، حسيت إن القاعدة دي بدأت تتغير وتدوب.
قلت بابتسامة هادية:
“أنا طول عمري في حالي يا مريم.. بس لما لقيتك في القهوة الليلة دي، عرفت إن فيه حاجات في الحياة تستاهل إن الواحد يخاطر عشانها.”
وشها احمر، وبصت للأوراق بتوتر جميل، وفي اللحظة دي، تليفوني الشخصي رن بنغمة غريبة. بصيت للشاشة.. كان رقم مجهول.
فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني:
“ألو؟”
جالي صوت ماركوس، بس المرة دي كان هادي بشكل مقلق، وقال باللغة الإنجليزية:
“سيد محمد مراد.. أنت فاكر إنك بتتعامل مع شخص غير مستعد؟ افتح الإيميل بتاعك دلوقتي.. وأتمنى تكون باقي على وظيفتك وعلى حياتك الهادية.”
#حكايات_شروق_خالد
فتحت الإيميل بسرعة وإيدي على الكيبورد، ومريم مالت عليا بلهفة وعينيها متعلقة بشاشة اللاب توب. وصلت رسالة جديدة من عنوان إلكتروني مشفر، بدون أي كلام في خانة الموضوع… مجرد ملف مرفق بصيغة PDF.
فتحت الملف، وأول ما الصور حملت على الشاشة، النفس اتطرد من صدري ومريم صرخت بصوت مكتوم وحطت إيدها على بقها.
كانت صور واضحة أوي لينا من كام يوم بالليل… صور ليا وأنا بساعد مريم في الوصول للعمارة، وصورة تانية وأنا بفتح باب الشقة وهي في حالة إعياء، وصورة ثالثة الصبح بدري وهي نازلة بسرعة من باب العمارة ومربوكة.
وفي آخر الصفحة، كانت مكتوبة جملة واحدة بالبنط العريض:
“يا ترى رئيس مجلس الإدارة والصحافة الاقتصادية هيشوفوا الصور دي إزاي بكرة الصبح؟ أخصائي تحليلات مالية يستغل ابنة رئيسه في حالة إعياء… ملف المراجعة المالية يتقفل فوراً، والعقد يتوقع بكرة الساعة 9 الصبح، وإلا مستقبلك وسمعة بنت المنصور هيبقوا في موقف صعب.”
ماركوس كان مراقب مريم من اللحظة اللي خرجت فيها من القهوة، واستغل الفرصة عشان يضغط عليا أنا وهي.
مريم بدأت تتنفس بصعوبة والدموع اتجمعت في عينيها تاني:
“محمد… أنا آسفة! أنا السبب في كل ده.. هو كده ممكن يهد حياتك ويأثر على سمعتي وبابا هيتعب لما يلمح الصور دي!”
مسكت كف إيدها بسرعة وبثبات، بصيت في عينيها بصوت قاطع يوقف حالة الهلع اللي هي فيها:
“اهدي يا مريم.. اهدي وبصيلي هنا! ماركوس بيلعب بآخر ورقة في إيده، وده معناه إنه قلقان.”
“قلقان إزاي والظرف ده ممكن يعمل لنا مشكلة كبيرة؟!”
ابتسمت ابتسامة باردة، وقفت وقاطعت كلامها وأنا بشاور على شاشة التليفون:
“ماركوس افتكر إنه بيساوم موظف خايف على سمعته الشخصية.. ومش عارف إن الصور دي أثبتت حاجة واحدة بس: إنه كان مراقبك ومتبع خطواتك خطوة بخطوة، وده في حد ذاته تجاوز واضح لخصوصيتك.”
فتحت ملف الوثائق المالية اللي كنا بنجهزه طول الليل، وضفت في آخره خانة جديدة:
“هو فاكر الصور دي نقطة ضعفي… لكن أنا هخليها دليل يثبت تجاوزه بنفسه.”
بصت لي بذهول:
“إزاي؟”
“الصور دي متصورة بكاميرا زوم احترافية من عربية مركونة شارعين عن بيتي.. وفي نمرة عربية ظاهرة بشكل خفيف في انعكاس مراية الرصيف في الصورة الثانية.
العربية دي تبع شركة الأمن الخاصة اللي ماركوس أجرها أول ما وصل مصر.. بكره الساعة 9 الصبح، إحنا مش هنلعب دفاع.. إحنا اللي هنبدأ المواجهة.”
قفلت اللاب توب وحطيت الملفات جوه الشنطة:
“اتصلي بباباكي دلوقتي يا مريم… قولي له إننا محتاجين مستشار الشركة القانوني معنا في المكتب الساعة 8 الصبح.. قبل ما ماركوس يوصل بدقيقة واحدة.”
الساعة جاءت 9 الصبح بالظبط.
عبد الحميد بيه المنصور كان قاعد على رأس ترابيزة الاجتماعات في الدور الأخير، جنبه المستشار القانوني للشركة، وأنا ومريم قاعدين قصاد الباب.
عبد الحميد بيه كان وشه صارم أوي، عينيه فيها مزيج من الغضب والترقب بعد ما شاف الصور اللي اتبعتتلي بالليل.
الباب اتفتح بحدة، ودخل ماركوس بابتسامة ثقة على وشه، ماسك محفظة أوراق جلد تحت دراعه.
“صباح الخير يا سادة…” قالها بثقة وهو بيقعد على الكرسي: “أعتقد إن الأمور بقت واضحة، ومعندناش وقت نضيعه في كلام ملوش لازمة.
أظن التقرير المالي اتوقع، وعقد الشراكة جاهز للإمضاء يا عبد الحميد بيه؟”
عبد الحميد بيه بص له ببرود وما ردش.
انحنيت لقدام، وحطيت شاشة اللاب توب قصاد ماركوس مباشرة، وعليها الفيديو اللي سجلناه من كاميرات المراقبة الخاصة بعمارتي، بالإضافة لتقرير تتبع أمني سريع.
الابتسامة اختفت تدريجياً من وش ماركوس وهو بيشوف الفيديو.
ظهر فيه راجل أمن تابع لشركته وهو بيلتقط الصور، وفي نفس اللحظة ظهرت ورقة على الشاشة بتثبت إن الرقم اللي اتبعتت منه الرسالة بالليل مملوك للشركة الأوفشور بتاعته هو شخصياً.
قلت بصوت هادي وواثق:
“ماركوس بيه… الصور دي بتثبت إنك تابعت أستاذة مريم، واستأجرت عناصر لمراقبتها، واستخدمت خطوط تشفير ملك لشركتك للضغط على موظف ورئيس مجلس إدارة الشركة.. ده غير الملف المالي والـ15 مليون اللي متحولين في حسابك.”
المستشار القانوني حط ملف أسود ضخم قدام ماركوس:
“المستندات جاهزة للتسليم للجهات المختصة، وبتتضمن وقائع تتعلق بالتتبع والضغط والمخالفات المالية.. والقضية دي لو اتفتحت ممكن توقف عمليتك في مصر وتسبب أزمة كبيرة لمجموعتك الدولية.”
ماركوس ألوان وشه اتخطفت، والعرق بدأ يظهر على جبهته وبص لعبد الحميد بيه بصوت مفزوع:
“عبد الحميد… إحنا شركاء! أنت بتهد الاتفاق عشان موظف وصور مالهاش قيمة؟!”
وقف عبد الحميد المنصور، وضرب إيده على الترابيزة بصوت هز القاعة وقال بنبرة حازمة:
“أنت اتماديت يا ماركوس لما فكرت تضغط على بنتي وتدخل عيلتي في الموضوع!
محمد ده ساعد بنتي تخرج من المأزق اللي أنت عملته، والملف اللي في إيدك ده هتوقعه دلوقتي حالاً!”
رفع عبد الحميد بيه ورقة والتانية وحطهم قدامه:
“استقالة كاملة من الشراكة، وتنازل عن جميع المستندات القديمة والأسهم، وإقرار بعدم التعرض.. يا إما تخرج من الأوضة دي بهدوء وتنهي الموضوع.”
مسك ماركوس القلم بإيد بتترعش، ومضى على كل الأوراق وهو مش قادر يرفع عينيه في حد. أخد شنطته وخرج بسرعة من الأوضة.
أول ما الباب اتقفل، القاعة سادتها لحظة صمت طويلة. عبد الحميد بيه اتنفس براحة، وقرب مني.
حط إيده على كتفي وضغط عليها بقوة:
“أنا مديون لك بحياتي وبسمعة بنتي يا محمد.. أنت أثبت إنك مش بس أشطر محلل مالي، أنت راجل بجد.”
ابتسمت بهدوء:
“ده واجبي يا فندم.”
بعد أسبوعين…
الحياة في الشركة رجعت أهدى من الأول بكتير. مشروع التوسع اتعدل وتنفذ بأيد مصرية وصفينا الحسابات كلها.
في يوم الجمعة بالليل، الساعة كانت 10.
كنت قاعد على القهوة بتاعتي، نفس الركن الهادي، وبشرب فنجان القهوة بتاعي وبصص في الشارع.
سمعت صوت كعب هادي بيمشي ناحيتي. رفعت عيني، لقيت مريم واقفة، لابسة فستان هادي وبتبتسم لي.
“ممكن أقعد؟” سألت بكسوف.
ابتسمت وشاورت لها على الكرسي اللي قصادي:
“أكيد يا أستاذة مريم.. نورتي.”
قعدت، وبصت لي بعيون مليانة دفا وقالت:
“عارف يا محمد… أنت طول عمرك قافل على نفسك وبتقول إن كل ما قللت الناس اللي بتعتمد عليك، كل ما حريتك زادت.”
مسكت فنجاني وبصيت لها:
“صح.. دي كانت قاعدتي.”
مالت بوشها لقدام وقالت بصوت هادي:
“بس أظن الوقت جه عشان تغير القاعدة دي.. ولا إيه؟”
بصيت في عينيها، وافتكرت كل اللحظات الصعبة اللي عدينا بيها سوا، وعرفت إن الدايرة الصغيرة اللي كنت حابس نفسي فيها سنين، أخيرًا بقى فيها مكان لمد إيدي لشخص ثاني.
“أظن إنك صح يا مريم…” قلتها وأنا ببتسم من قلبي: “القاعدة اتغيرت.”
#حكايات_شروق_خالد




