عام

قلادة أمّي كشفت سر عيلتي حكايات شروق خالد

كانت جولي بِنِت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل في آخر طلب بيتزا ليها في آخر الليل هي إن الزبون ما يديهاش بقشيش كويس.

لكن لما فتح آدم المنصوري باب البنتهاوس، ما بصش حتى على علب البيتزا الأربع اللي في إيديها.

بص مباشرة للسلسلة الفضية اللي على رقبتها، وكأنه شاف شخصًا من الماضي ظهر فجأة قدامه.

— إنتِ جبتي السلسلة دي منين؟

جولي غطت القلادة بإيدها بشكل تلقائي.

الراجل اللي واقف قدامها كان طويل، عريض الكتفين، في منتصف الثلاثينات تقريبًا، شعره أسود ومسرّح للخلف بعناية، وملامحه هادية بشكل يخلي أي حد يفهم إنه مش محتاج يعلي صوته عشان الناس تسمع كلامه.

ورا ظهره كان فيه بنتهاوس فاخر في قلب القاهرة، أرضيات رخام فاتح، حوائط زجاجية ضخمة، وإطلالة ليلية على المدينة.

حاولت تبتسم رغم تعبها.

— عادةً الناس بتسأل الأول البيتزا عليها إيه.

هو ما ابتسمش.

— السلسلة دي جبتيها منين؟

نبرة صوته خلتها تبطل هزار.

— أمي ادتهالي.

ملامحه اتغيرت تغيير بسيط جدًا.

— اسم والدتك إيه؟

— ليه؟

— اسمها.

شدت جولي إيدها على علب البيتزا.

— كلير بِنِت.

آدم المنصوري وقف ساكنًا للحظة.

جولي شافت على وشه دهشة قوية.

سأل بصوت منخفض:

— إمتى رحلت؟

معدتها اتقبضت.

هي أصلًا ما قالتلوش إن أمها رحلت.

— من سبع شهور.

عيني آدم رجعت للقلادة.

— القلادة دي كانت بتاعة واحدة اسمها صوفيا الكيلاني.

جولي بصت له بدهشة.

— لأ. كانت بتاعة أمي.

— صوفيا الكيلاني اختفت من واحد وعشرين سنة.

— أمي اسمها كلير بِنِت.

— أنا سمعتك.

— وهي ما كانتش غايبة من واحد وعشرين سنة. كانت بتعمل لي سندوتشات المدرسة، وبتروح اجتماعات أولياء الأمور، وكانت بتكسفني قدام المدرسين.

فك آدم على أسنانه.

جولي عدلت علب البيتزا فوق دراعها.

قالت:

— بص يا أستاذ المنصوري، إلا لو صوفيا الكيلاني نقلت للمنوفية، وبقت موظفة أرشيف، واتعلمت تعمل أسوأ صينية بطاطس في مصر، وربت بنت، ورحلت بعد معاناة طويلة مع المرض… يبقى حضرتك غلطان في الست.

لأول مرة، آدم بص في عينيها مباشرة.

وفجأة…

اتكسر إزاز في مكان ما تحتهم.

رأسه اتلف ناحية الصوت.

صوت قوي دوّى في الممر.

خشب الباب اتضرر على بعد سنتيمترات من وشها.

علب البيتزا وقعت من إيديها.

آدم مسك دراعها وسحبها لجوه.

صوت آخر ارتطم بالحائط.

جولي رجعت خطوتين، وقلبها كان بيخبط بجنون.

صرخت:

— إيه اللي حصل ده؟!

آدم قفل الباب بسرعة، وضغط على زر مخفي تحت كونسول رخامي.

ألواح معدنية بدأت تنزلق فوق الشبابيك الزجاجية.

قال ببرود:

— ادخلي جوه.

صرخت فيه:

— أنا أصلًا جوه!

— أبعدي أكتر.

— في ناس بتحاول تدخل علينا!

— لاحظت.

هدوءه كان أخوف بالنسبة لها من لو كان بيصرخ.

مسك كتفيها وحركها بعيد عن المدخل، وفي نفس اللحظة ارتطمت ضربة جديدة بالباب المدرع.

جولي بصت له.

— كل ده بسببك.

— ممكن.

نظره نزل مرة تانية للقلادة.

— أو بسببك إنتِ.

سكت الاتنين.

ثم قال آدم بصوت هادي:

— قدامك عشر ثواني تقوليلي مين بعتك.

جولي فتحت عينيها.

— محدش بعتني! أنا بشتغل في توصيل البيتزا!

— الطلب اتعمل باستخدام بيانات عميل مسروقة.

— إيه؟

— الطلب اتوجه تحديدًا للشقة دي. وأنا ما طلبتش بيتزا.

جولي رمشت.

— يعني حضرتك بتقول إن حد اخترق حساب مطعم البيتزا وبعتني هنا؟

— وبعتك وإنتِ لابسة قلادة الست اللي اختفت بعد ما أنقذت حياتي من واحد وعشرين سنة.

الممر بدأ يلف بيها.

جولي سندت ضهرها للحائط.

— أنقذت حياتك؟

— خليكِ ورايا.

— ده مش جواب.

— ده أهم أمر دلوقتي.

باب مخفي اتفتح ورا مكتبة.

آدم مسك إيدها وسحبها لممر محصن.

ظهر راجلين من الناحية التانية، وكان واحد منهم بيسند شخصًا ثالثًا واضح عليه الإرهاق.

جولي نسيت خوفها تمامًا.

الجانب الطبي اللي جواها اشتغل فورًا.

— نزلوه بهدوء.

الرجالة بصوا لآدم.

قال آدم فورًا:

— اعملوا اللي قالت عليه.

جولي نزلت على ركبتها جنب الشخص.

— بص لي.

فتح عينيه بصعوبة.

— ما تحاولش تقعد. خد نفس ببطء.

قال آدم:

— محتاجة إيه؟

— شنطة إسعافات أولية ومساعدة طبية.

— الاتنين في الطريق.

— يبقى محتاجة حاجة تثبت وضعه لحد ما يوصلوا.

واحد من الرجال مد لها شنطة طوارئ.

بعد دقائق، وصل الفريق الطبي وتولى الحالة.

وقتها بس جولي اكتشفت إن آدم كان واقف بيراقبها طول الوقت.

مد لها زجاجة مياه.

— تقدري تبطلي تمثلي إنك مش خايفة.

أخذت الزجاجة.

— أنا ما كنتش بمثل.

— كنتِ.

فتحتها وشربت شوية.

ثم رفعت عينيها له مباشرة.

— إنت قلت إن الست اللي كانت لابسة القلادة دي أنقذت حياتك.

آدم سند ضهره للحائط.

— لما كان عندي خمستاشر سنة، اختفيت لفترة بسبب خلاف كبير بين العائلات.

جولي سكتت.

— عيلتي وقتها كانت بتملك مطاعم، وشركات مقاولات، وشحن، وعقارات.

سكت لحظة.

— جزء من شغلهم كان قانوني.

جولي رفعت حاجبها.

— والجزء التاني؟

آدم بص لها بثبات.

— لأ.

ثم أضاف:

— ما كانش قانوني.

قالها ببساطة، من غير ما يحاول يبرر.

— وصوفيا الكيلاني كانت واحدة من الناس اللي عرفت السر ده.

جولي قبضت على القلادة.

— بس أمي اسمها كلير.

— يبقى لازم نعرف مين كانت كلير بجد.

وساعتها…

سمعوا صوت قفل معدني بيشتغل في آخر الممر.

آدم رفع عينه فورًا.

كل الهدوء اختفى من ملامحه.

وقال:

— إنتِ من اللحظة دي مش هتخرجي من هنا.

جولي اتسعت عينيها.

— إيه؟

اقترب منها، وخفض صوته:

— لأن الشخص اللي حاول يوصل للقلادة دي من شوية…

سكت لحظة.

— كان مستني يشوفها من عشرين سنة.


آدم ما استناش ردها.

قال بصوت منخفض:

— القلادة دي لازم تفضل معاكي.

جولي بلعت ريقها.

— من شوية كنت بتقول إنها خطر عليا.

— وهي فعلًا خطر.

— أمال ليه تسيبها؟

رفع عينيه لعينيها.

— لأنها الدليل الوحيد اللي ممكن يخلينا نعرف مين أمك كانت فعلًا.

جولي هزت رأسها بعصبية.

— أمي كانت أمي. مش محتاجة أعرف كانت مين تاني.

— إنتِ مش فاهمة.

— لأ، أنا فاهمة كويس. راجل غريب قال لي إن أمي كانت واحدة اسمها صوفيا، وبعدها ناس حاولوا يوصلوا لي، ودلوقتي حضرتك بتقول لي إن أمي كان عندها أسرار من قبل ما أتولد.

آدم سكت.

جولي قربت منه خطوة.

— أنا عايزة الحقيقة.

قبل ما يرد، سمعوا صوت خطوات في الممر.

آدم رفع إيده.

كل رجاله وقفوا مكانهم.

الخطوات قربت.

ثم توقف الصوت أمام الباب.

ثلاث خبطات.

منتظمة.

آدم أشار لأحد رجاله.

الرجل اقترب من الباب ونظر من شاشة صغيرة.

ثم التفت.

— مفيش حد.

آدم عبس.

— افتح.

انفتح الباب ببطء.

ما كانش فيه حد.

لكن على الأرض كان فيه ظرف بني صغير.

آدم انحنى وأخذه.

فتح الظرف.

خرجت منه صورة قديمة.

حطها على الطاولة.

جولي قربت.

وبمجرد ما شافت الصورة، نفسها اتقطع.

كانت أمها.

لكنها كانت أصغر بكتير.

لابسة فستان أسود طويل، وشعرها مرفوع، وواقفة جنب رجل شاب.

جولي بصت للرجل.

ثم بصت لآدم.

— ده مين؟

آدم ما ردش.

كانت عينيه مثبتة على الصورة.

قالت:

— آدم… مين الراجل ده؟

رد أخيرًا:

— أبويا.

جولي تجمدت.

— إيه؟

— الصورة دي اتصورت قبل ما أتولد بسنتين.

قلب جولي بدأ يدق أسرع.

— يعني أمي كانت تعرف أبوك؟

آدم أخذ نفسًا عميقًا.

— مش بس كانت تعرفه.

قلب الصورة.

كان مكتوب على ظهرها بخط يد واضح:

“لو حصل لي حاجة، خليك بعيد عن بنتي. هي مش بنتك يا يوسف.”

جولي شهقت.

— يوسف؟

آدم رفع عينيه لها.

— أبويا اسمه يوسف المنصوري.

سكتت جولي تمامًا.

قالت بصوت مرتعش:

— مين أبويا الحقيقي؟

آدم لم يجب.

لكن فجأة رن هاتفه.

نظر للشاشة.

كان رقمًا مجهولًا.

رد.

— مين؟

جاء صوت رجل مسن من الطرف الآخر.

— لو البنت عندك، يبقى أنت وقعت في نفس الغلطة اللي وقع فيها أبوك.

آدم وقف ببطء.

— إنت مين؟

ضحكة قصيرة خرجت من السماعة.

— الشخص اللي أمك كانت بتخاف منه.

جولي شعرت ببرودة تسري في جسمها.

آدم شد قبضته.

— لو قربت منها…

قاطعه الرجل:

— أنا مش محتاج أقرب.

ثم أضاف:

— لأن جولي مش هدفنا.

آدم سكت.

— أمال مين؟

الصوت قال ببطء:

— إنت.

وانقطع الاتصال.

آدم ظل ممسكًا بالهاتف.

جولي اقتربت منه.

— هو عايزك إنت؟

آدم رفع عينيه إليها.

ولأول مرة منذ أن قابلته، شافت خوفًا حقيقيًا في عينيه.

قال:

— أيوه.

— ليه؟

— لأن أبويا كان مرتبطًا بقصة اختفاء صوفيا.

جولي شهقت.

— مستحيل.

— وأنا كنت فاكر طول عمري إن صوفيا اختفت وهي بتحاول تهرب.

سكت.

— لكن الظاهر إن القصة ما كانتش زي ما اتقال لنا.

جولي نظرت إلى القلادة.

— أمي كانت صوفيا؟

آدم لم يجب.

وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت ارتطام قوي من الطابق السفلي.

ثم صرخة.

رجاله اندفعوا ناحية الباب.

آدم أمسك يد جولي.

— من دلوقتي، ما تبعديش عني خطوة.

— آدم…

— مش وقت الأسئلة.

سحبها خلفه.

لكن قبل ما يخرجوا من الممر، لمح آدم شيئًا على معصم جولي.

علامة صغيرة جدًا، شبه ندبة قديمة.

تجمد مكانه.

مسك يدها بحذر.

— العلامة دي…

جولي بصت لمعصمها.

— أمي قالت لي إنها من وأنا صغيرة.

آدم قلب يدها.

كان على شكل نجمة صغيرة.

نفس شكل القلادة.

وشه تغير تمامًا.

— دي مش ندبة.

— أمال إيه؟

رفع عينيه لها.

— دي علامة العيلة.

جولي ابتلعت ريقها.

— عيلة مين؟

آدم ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم قال:

— عيلة الكيلاني.

وقبل ما تستوعب كلماته، ظهر رجل في آخر الممر.

حاول الوصول إليهما.

لكن رجال آدم تدخلوا فورًا وأوقفوه عند مكانه.

ساد الصمت.

جولي كانت ترتعش.

آدم التفت إليها بسرعة.

— إنتِ كويسة؟

هزت رأسها.

ثم قالت:

— آدم…

— نعم؟

— أنا مش عايزة أهرب.

نظر لها.

— عايزة أعرف أمي كانت مين.

صمت لحظة.

ثم قال:

— هنعرف.

اقترب منها.

— بس من اللحظة دي، حياتك القديمة انتهت.

جولي بصت له.

— وليه؟

آدم رفع القلادة بين أصابعه.

— لأن أمك ما كانتش مجرد ست اختفت من حياتك.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

— أمك كانت آخر وريثة لعائلة الكيلاني… وأخطر عائلة في مصر قبل ما تختفي من عشرين سنة.


جولي فضلت واقفة مكانها، كأن عقلها رفض يستوعب الجملة.

— وريثة؟

آدم هز رأسه.

— أيوه.

— يعني أمي كانت غنية؟

— كانت أكتر من كده.

اقترب منها، وصوته انخفض.

— عيلة الكيلاني كانت تملك إمبراطورية كاملة. شركات، أراضي، فنادق، موانئ، وعلاقات مع ناس ما كانش حد يقدر يقرب منهم.

جولي ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

— أمي كانت بتقضي يومها تحسب تمن الخضار في السوق.

— عشان كده هربت.

— من مين؟

آدم سكت.

ثم قال:

— من أبويا.

جولي عقدت حاجبيها.

— إنت قلت إن أبوك كان من عيلة المنصوري.

— وكان عايز يرتبط بصوفيا الكيلاني.

— واتجوزها؟

— لأ.

نظر للصورة القديمة.

— أبويا كان مهتم بثروتها. وصوفيا اكتشفت الحقيقة قبل الارتباط.

جولي شعرت ببرودة في أطرافها.

— فهربت؟

— حاولت.

— وحصل إيه؟

آدم أخذ نفسًا طويلًا.

— اختفت ليلة واحدة.

— وبعدين؟

— كل الناس افتكرت إنها غابت للأبد.

جولي رفعت يدها إلى القلادة.

— لكنها عاشت.

— وغيرت اسمها إلى كلير بينيت.

— وربتني.

— وأخفتك عن العالم كله.

جولي بصت له.

— ليه؟

آدم لم يرد فورًا.

أخرج الصورة مرة أخرى، وقلبها.

— عشان الرسالة دي.

أشار إلى الكلمات المكتوبة خلف الصورة.

— “هي مش بنتك يا يوسف.”

جولي شهقت.

— يعني أنا بنت أبويا الحقيقي مين؟

آدم نظر إليها طويلًا.

— دي أكتر حاجة لازم نعرفها.

وقبل أن تكمل سؤالها، ظهر أحد رجاله عند باب الممر.

— آدم بيه.

آدم التفت.

— إيه؟

— لقينا العربية اللي جت منها المجموعة اللي حاولت تدخل البناية.

— فين؟

— قدام العمارة.

— والسواق؟

تردد الرجل.

— اختفى.

آدم ضيق عينيه.

— اختفى؟

— أيوه.

ساد الصمت.

جولي همست:

— يعني حد أخده قبل ما يتكلم؟

آدم نظر إليها.

— بالضبط.

ثم رن هاتفه مرة أخرى.

هذه المرة كان رقمًا محفوظًا.

رفع الهاتف.

— اتكلم.

جاء صوت رجله من الطرف الآخر:

— آدم بيه، في حاجة لازم تشوفها بنفسك.

بعد عشر دقائق، نزل آدم وجولي إلى الجراج السري تحت البناية.

كان المطر في الخارج شديدًا، وصوت الرعد بيهز الزجاج.

وصلوا للعربية.

فتح أحد الرجال صندوقها الخلفي.

كانت فيه حقيبة سوداء.

آدم فتحها.

جولي قربت منه.

داخل الحقيبة كانت ملفات قديمة، وصور، وجواز سفر.

آدم أخذ الجواز.

فتح الصفحة الأولى.

وتجمد.

جولي بصت إليه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى