عام

سخروا منها بلغة لا يعرفون أنها تفهمها حكايات شروق خالد

كانوا بيسخروا مني بلغة كانوا متأكدين إني مستحيل أفهمها، واليقين ده بالذات هو اللي خلّى خداعهم ليا سهل جدًا.

لمدة تلات سنين، عشت في القاهرة وأنا بحاول أبقى شخص محدش يفتكره.

في مطعم «الهدوء» في وسط القاهرة، كنت بلبس صديري أسود مكوي بعناية، وأربط شعري الأشقر ورا بشكل مرتب، وأبتسم وقت ما يكون مطلوب مني، وأسيب الرجالة الأغنياء يبصوا من خلالي كأني قطعة من أثاث المطعم.

الاختفاء كان بيدفع إيجار شقتي في المعادي.

والأهم من كده…

كان بيخليني عايشة.

لحد ما دخل ياسين الشافعي.

أي حد شغال حوالين فلوس القاهرة، أو الموانئ، أو النقابات، أو بعض الأعمال اللي محدش بيتكلم عنها بصوت عالي، كان عارف الاسم ده.

كان ياسين عنده أربعة وتلاتين سنة، أنيق، وسيم، وتدور شائعات إنه وريث إمبراطورية إجرامية ممتدة من الموانئ لحد علاقات في الجمارك بالإسكندرية.

اقتربت من الترابيزة رقم أربعة وأنا شايلة زجاجة نبيذ فوق فوطة قماش مطوية.

كان ياسين قاعد بين صابر البدري، راجل ضخم عنده ندبة فوق حاجبه، ومراد المنشاوي، اللي كان هدوؤه المقلق يفكرني بمطواة مقفولة.

بدأت أصب النبيذ.

وفجأة…

غيروا اللغة.

مش إنجليزي.

ولا حتى عربي عادي.

كانت لهجة صعيدية قديمة.

لهجة خشنة ومختصرة قضيت سنين بحاول أمحيها من ذاكرتي.

شدت أصابعي على الزجاجة.

لاحظ صابر.

قال وهو بيبص لي:

«ملهاش لازمة.»

ثم كمل باللهجة القديمة:

«بصوا لها. عيون ميتة، وعقل فاضي. أراهن إن البنت دي حتى مش عارفة إمتى الرجالة بيضحكوا عليها.»

ابتسم مراد.

«غالبًا فاكرة إننا بنتكلم عن الأكل.»

فضلت أصب النبيذ.

ثم رفع ياسين عينيه وبص لي مباشرة.

قال باللهجة الصعيدية القديمة:

«سيبوها في حالها. هي بتشيل الأطباق، وبتصب النبيذ. هي تنتمي للجزء الهادئ من الدنيا.»

فضلت عيناه ثابتتين على وشي.

ثم أضاف:

«الغباء رفاهية… سيبوها محتفظة بيه.»

حسيت بحاجة جوايا بردت فجأة.

ومع ذلك، نزلت الزجاجة وابتسمت.

«تحبوا فلفل طازج مع الأكل يا فندم؟»

قلت الجملة بلهجة مصرية عادية تمامًا.

انفجر صابر بالضحك.

أما ياسين فاكتفى إنه أشار لي بإصبعين، يأمرني بالانصراف.

مشيت من غير ما تتغير ملامح وشي، لكن أول ما وصلت لمحطة الخدمة خلف الستارة المخملية، مسكت طرف الرخامة لحد ما مفاصل صوابعي ابيضّت.

ريحة الأكل اتحولت لدخان.

ضوء الشموع اتحول لنار.

وفجأة…

ما كنتش آية سامح، النادلة اللي عايشة في المعادي.

كنت كاترينا البدرية من جديد.

أمي، هالة سامح، كانت مترجمة مصرية سافرت إلى الصعيد بسبب قضية تخص تزوير تحف وآثار، وهناك وقعت في حب رجل قوي لدرجة إنه كان قادر يخلي الخطر يبدو كأنه حماية.

قضيت عشر سنين في فيلا كبيرة خارج الأقصر.

كنت بتعلم اللغة العادية من أمي، واللهجة الصعيدية من العاملين في البيت، وحاجة أكثر ظلمة من رجال كانوا فاكرين إن الأطفال ما بيسمعوش.

كانوا بيسموها:

لغة الدم.

كانت اللغة اللي بيستخدموها لما الشغل يبطل يبقى شغل.

تعلمت أميز بين وقع خطوات معناها إن الرجال جايين يشربوا، وخطوات معناها إن العنف قرب، وخطوات معناها إن شخصًا ما مش هيشوف الصبح.

ثم احترقت فيلا عائلة البدرية.

ماتت أمي جواها.

وأنا هربت.

في سن التاسعة عشرة، وصلت القاهرة وأنا معايا أوراق مزورة، واسم عائلة أمي قبل الجواز، وقاعدة واحدة هي اللي خلتني عايشة لحد دلوقتي:

ممنوع العالم القديم يعرفني.

التزمت بالقاعدة دي سنين.

لكن وأنا واقفة خلف الستارة المخملية، وبسمع ضحكة صابر وهو بيسخر مني تاني بنفس لغة طفولتي، أدركت فجأة حاجة مرعبة.

ياسين الشافعي ما كانش بيتكلم كراجل صعيدي وبس.

كان بيتكلم كأنه شخص…

كان يعرف عيلتي.

ولما رجعت ناحية الترابيزة رقم أربعة، كنت عارفة بالضبط اللهجة اللي هرد عليه بيها.

حكايات شروق خالد

رجعت ناحية الترابيزة رقم أربعة بخطوات هادية، كأني ما سمعتش ولا كلمة.

لكن جوايا، كل حاسة كانت صاحبة.

حطيت طبق المقبلات قدام مراد، وبعده حطيت طبق صابر، ولما وصلت قدام ياسين، وقفت ثانية أطول من اللازم.

رفع عيني لي.

كان مستنيني.

قلت بالمصري:

«حضرتك طلبت حاجة تانية؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة.

ثم قال باللهجة الصعيدية القديمة:

«إنتِ لسه بتسألي؟»

اتجمدت إيدي فوق الطبق.

الصوت.

النبرة.

الكلمة الأخيرة.

كان بيستخدم نفس الطريقة اللي كان بيستخدمها واحد من رجال البدرية زمان، رجل اسمه سالم، كان مسؤول عن الحرس الداخلي للفيلا.

سالم كان ميت.

أنا شفته وهو بيموت.

أو على الأقل كنت فاكرة إني شفته.

رفعت عيني لياسين.

وقلت بالمصري:

«مش فاهمة حضرتك.»

صابر ضرب كفه على الترابيزة وهو بيضحك.

«يا ياسين، البنت دي فعلًا ولا على بالها.»

مراد ما ضحكش.

كان بيراقبني.

ثم قال لياسين بنفس اللغة:

«عيونها مش عيون واحدة مش فاهمة.»

ساد الصمت.

ابتسم ياسين.

وقال:

«عارف.»

الكلمة وقعت على صدري زي حجر.

حطيت الزجاجة على الترابيزة.

ولأول مرة، قررت أجرب.

قلت باللهجة الصعيدية القديمة، بنبرة منخفضة ما يسمعهاش غير اللي قاعدين:

«واللي عارف… بيقولش.»

اختفت الابتسامة من وش صابر.

مراد ثبت عينيه عليّ.

أما ياسين…

فما تحركش.

بس عينيه تغيروا.

لأول مرة، شفت فيهما شيئًا غير الثقة.

دهشة.

قال بصوت خافت:

«كاترينا.»

توقفت أنفاسي.

الاسم اللي دفنته من سبع سنين.

الاسم اللي ما كانش موجود على أي ورقة معايا.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى