عام

تظاهر بالنوم ليكشف خادمتَه… ج2 حكايات شروق خالد

كنت أعرف أن أي حركة خاطئة قد  ياسين.

دخلت من الباب الخلفي، وصعدت الدرج بصمت.

وقبل أن أصل إلى الغرفة، سمعت صوت حمدي.

«كنت عارف إنك هتيجي لوحدك.»

خرج من الظلام،  في يده.

قلت:

«فين ياسين؟»

أشار إلى الغرفة.

«جوه.»

دخلت.

وجدت ياسين مربوطًا إلى كرسي، لكنه كان واعيًا ولم يكن مصابًا.

بمجرد أن رآني، قال:

«يا أستاذ محمود!»

اندفعت نحوه، لكن حمدي رفع .

«مكانك.»

نظرت إليه.

«إنت خنتني.»

ضحك بحزن.

«أنا ما خنتكش يا باشا… أنا كنت بحميك.»

«بحمايتي من إيه؟»

أخرج ملفًا قديمًا ووضعه على الطاولة.

«من الحقيقة.»

فتحت الملف.

كانت هناك صور ووثائق تعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.

وفي إحدى الصور، رأيت رجلًا يشبهني بشكل مخيف.

بجواره امرأة أعرفها.

أمي.

قال حمدي:

«ده أبوك الحقيقي… اسمه فاروق الشناوي.»

توقفت.

«وفين هو؟»

«مات قبل ما تتولد.»

ثم وضع صورة أخرى أمامي.

كانت صورة لأبي وأمي وزوجتي سارة.

قلت:

«إيه علاقة سارة بأبويا؟»

أجاب:

«سارة اكتشفت الحقيقة.»

«أي حقيقة؟»

«إن   أبوك ما كانتش .»

نظرت إليه.

«مين قتله؟»

خفض رأسه.

«أمك.»

شعرت أنني فقدت القدرة على التنفس.

«أمي؟»

«كانت خايفة إن أبوك يفضحها. وبعد موته، خدت الفلوس وكل المستندات، وخلتك بعيد عن العيلة.»

«وسارة؟»

«سارة اكتشفت كل حاجة قبل موتها بأيام.»

تذكرت آخر ليلة رأيتها فيها.

كانت تريد أن تخبرني بشيء.

وأنا كنت غاضبًا منها لأنني ظننت أنها تخفي عني شيئًا.

ثم ماتت.

قلت:

«إنت كنت عارف.»

«أيوه.»

«وسكت خمس سنين.»

قال والدموع في عينيه:

«لأن أمك كانت مهددة تقتلك لو عرفت.»

نظرت إليه بغضب.

«وأنا؟ عشت خمس سنين أعتقد إن مراتي ماتت في حادث!»

«كنت بحاول أحميك.»

«بخداعي؟»

لم يجب.

وفجأة سمعت صوت ياسين.

«يا أستاذ محمود.»

التفت إليه.

كان ينظر إلى حمدي.

«هو مش بيكدب.»

اقتربت منه.

«إنت عرفت منين؟»

قال:

«عشان ماما قالت لي إن الكداب بيبص بعيد.»

نظر إلى حمدي.

«وهو من ساعة ما دخل، مش قادر يبصلك في عينك.»

سقطت الكلمات على الغرفة كالرصاص.

حمدي أنزل سلاحه.

«أنا آسف يا باشا.»

فككت قيود ياسين وحملته بين ذراعي.

تمسك بي بقوة.

وقال:

«كنت عارف إنك هتيجي.»

نظرت إليه.

«كنت خايف؟»

هز رأسه.

«شوية.»

«ليه ما عيطتش؟»

ابتسم.

«عشان قلت إنك هتلاقيني.»

أغمضت عيني للحظة.

ذلك الطفل الصغير، الذي دخل حياتي في يوم واحد، جعلني أشعر بشيء نسيت وجوده.

العائلة.

خرجنا من البيت، وسلمت حمدي للشرطة، وسلّمتهم كل الملفات والأدلة.

بعد أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة.

ثبت أن وفاة سارة لم تكن حادثًا.

وكان هناك أكثر من شخص متورط في التستر على الجريمة.

أما أمي بالتبني، فقد كانت قد ماتت منذ سنوات، لكن الأدلة كشفت كل ما فعلته.

وفي اليوم الذي أُغلقت فيه القضية، عدت إلى بيتي.

وجدت نادية تنتظر أمام الباب.

كانت تبكي عندما رأت ياسين.

ركض إليها.

احتضنته بقوة.

ثم نظرت إليّ.

«أنا مش عارفة أشكرك إزاي.»

قلت:

«ما تشكرينيش.»

«أمال أعمل إيه؟»

ابتسمت.

«خلي ياسين يفضل زي ما هو.»

ضحكت وسط دموعها.

مرت الأيام.

ثم الأسابيع.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يعد البيت الكبير صامتًا.

كان هناك صوت طفل يركض في الممرات.

وضِحكة نادية في المطبخ.

وأحيانًا كنت أسمع ياسين يطرق باب مكتبي ويقول:

«يا أستاذ محمود، إنت نايم بجد المرة دي؟»

فأجيبه:

«لأ، بخاف منك.»

فيضحك ويركض.

أما الساعة الفاخرة التي وضعتها يومها لاختبار نادية، فلم أعد أرتديها.

وضعتها في صندوق زجاجي على مكتبي.

وبجانبها وضعت حبّة الدواء الصغيرة التي أعطاني إياها ياسين.

لم تكن تساوي شيئًا من الناحية المادية.

لكنها كانت أغلى شيء أملكه.

لأنها ذكّرتني باليوم الذي اكتشفت فيه أن المال لا يكشف معدن الإنسان دائمًا.

أحيانًا…

طفل صغير بقلب نقي هو من يكشف لك الحقيقة.

وبعد عام، أصبح ياسين يناديني باسم واحد فقط.

«بابا.»

وفي كل مرة كان يقولها، كنت أشعر أن الرجل الذي ظننت أنه منذ سنوات…

قد عاد للحياة من جديد.

تظاهر بالنوم ليكشف خادمتَه…
حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى