عام

تظاهر بالنوم ليكشف خادمتَه… ج2 حكايات شروق خالد

لم أتحرك لثوانٍ.

كنت أحدق في الرجل  على الأرض، لكن عقلي كان في مكان آخر تمامًا.

خمس سنوات.

خمس سنوات وأنا أعيش على كذبة.

قلت لياسين:

«إنت متأكد إنك سمعت نفس الصوت؟»

هز رأسه.

«أنا مش عارف الصوت يا أستاذ محمود… أنا عارف الريحة.»

نظرت إلى نادية.

«ابنك عنده حاسة شم قوية؟»

ردت وهي مرتبكة:

«من وهو صغير… بيلاحظ حاجات إحنا مش بناخد بالنا منها.»

ثم أضافت بصوت خافت:

«بس عمره ما غلط في حاجة زي دي.»

اقتربت من الرجل المصاب.

«اسمك؟»

لم يجب.

أمسكت هاتفه من جيبه.

فتحته أمام وجهه.

«هتتكلم ولا أبدأ أتصل بالشرطة وأقول لهم إنك اقتحمت بيتي بسلاح؟»

صرخ:

«اسمي شريف!»

«شريف إيه؟»

«شريف عبدالسلام.»

«بتشتغل مع مين؟»

صمت.

قلت:

«حمدي؟»

أغمض عينيه.

كانت تلك الإجابة كافية.

لكنني أردت أن أسمعها منه.

«قولها.»

همس:

«أيوه.»

جلست أمامه.

«إنت وحمدي بتخططوا لإيه؟»

قال:

«حمدي مش هو اللي بدأ كل ده.»

«أمال مين؟»

نظر حوله بخوف.

«لو قلت الاسم… أنا ميت.»

قلت ببرود:

«لو ما قلتش، برضه مش هتخرج من هنا.»

ابتلع ريقه.

«والدتك يا باشا.»

توقفت.

«إيه؟»

«أمك.»

ضحكت ضحكة قصيرة بلا معنى.

«أمي ماتت من عشرين سنة.»

هز رأسه بسرعة.

«مش والدتك الحقيقية.»

نظرت إليه بحدة.

«إنت بتتكلم عن إيه؟»

قال:

«الست اللي ربتك.»

تجمدت.

كانت أمي بالتبني.

عرفت ذلك منذ كنت في السابعة عشرة، لكنني لم أسألها يومًا عن التفاصيل. كانت بالنسبة لي أمي مهما كانت الحقيقة.

توفيت قبل عشرين عامًا.

كيف يمكن أن يكون لها علاقة بما يحدث الآن؟

قلت:

«إنت بتقول كلام مش مفهوم.»

«أنا شفت الملفات.»

«ملفات إيه؟»

«ملفات أبوك الحقيقي.»

لم أعد أسمع صوت المطر.

ولا صوت نادية.

ولا حتى صوت أنفاسي.

قلت:

«أبويا مات قبل ما أتولد.»

هز شريف رأسه.

«دي كانت الكذبة الأولى.»

اقتربت منه.

«مين كان أبويا؟»

قبل أن يجيب، انطفأت الكهرباء.

غرقت الفيلا في الظلام.

سمعت صرخة نادية.

ثم صوت خطوات سريعة.

رفعت سلاحي.

«نادية!»

«أنا هنا!»

«ياسين؟»

لم تجب.

«نادية! ياسين فين؟»

جاء صوتها مذعورًا:

«مش معايا!»

توقفت أنفاسي.

«ياسين!»

لا رد.

ركضت نحو الممر.

شغلت كشاف هاتفي.

لم أجد أحدًا.

باب المطبخ كان مفتوحًا.

وعلى الأرض كانت هناك حذاء ياسين الصغير.

واحد فقط.

انحنيت والتقطته.

كان لا يزال دافئًا.

سمعت صوت نادية خلفي وهي تبكي:

«ابني! ابني فين؟!»

أمسكت كتفها.

«هجيبه.»

«إزاي؟»

«هجيبه.»

صرخت:

«ده ابني الوحيد!»

نظرت إليها.

«وأنا هرجعهولك.»

فتحت باب المطبخ.

كانت هناك آثار طين على الأرض.

آثار حذاء رجل كبير.

وبجوارها آثار أقدام صغيرة.

خرجت إلى الحديقة.

المطر كان غزيرًا، لكنني استطعت رؤية سيارة سوداء تبتعد من البوابة.

رفعت هاتفي واتصلت بحمدي.

رد بعد رنتين.

«أيوه يا باشا؟»

قلت:

«ابعتلي كل رجالتك.»

«حاضر.»

«ياسين اتخطف.»

ساد الصمت.

ثم قال:

«مين خطفه؟»

«ده اللي هعرفه منك.»

«مني؟»

«أيوه.»

تغير صوته.

«يا باشا، إنت شاكك فيا؟»

قلت:

«أنا مش شاكك فيك.»

ثم نظرت إلى السيارة التي اختفت في نهاية الشارع.

«أنا متأكد.»

أغلقت الهاتف.

في تلك اللحظة، قال شريف من خلفي:

«لو عايز تلحق الولد، لازم تروح للمكان اللي حمدي قال لك عليه.»

التفت إليه.

«البيت القديم؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«ليه؟»

قال:

«لأنهم ما خطفوش الولد علشان الفلوس.»

«أمال ليه؟»

نظر في عيني.

«علشان هو شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.»

شعرت بقلبـي ينقبض.

«إيه؟»

قال:

«الولد شاف صورة.»

«صورة إيه؟»

«صورة أمك… وهي واقفة جنب أبوك الحقيقي.»

سكت.

ثم أضاف:

«وفي إيدها مسدس.»

شعرت أن العالم كله توقف.

أمي.

أبي الحقيقي.

زوجتي.

حمدي.

الطفل.

كل الخيوط بدأت تتجمع أمامي.

لكن بقي سؤال واحد فقط:

لماذا كان ياسين هو الشخص الوحيد القادر على كشف الحقيقة؟

ركبت سيارتي وانطلقت في المطر.

كنت ذاهبًا إلى البيت القديم.

ولأول مرة منذ خمس سنوات، لم أكن أبحث عن قاتل زوجتي.

كنت أبحث عن ابني.

رغم أنه لم يكن ابني بالدم.

لكن في تلك اللحظة، كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط:

لن أسمح لأي شخص أن يؤذيه.

حتى لو اضطررت إلى هدم حياتي كلها لأعيده.

حكايات شروق خالد

وصلت إلى البيت القديم قبل منتصف الليل بقليل.

كان المكان مهجورًا منذ سنوات، لكن الضوء كان مشتعلًا في الطابق العلوي.

أوقفت السيارة بعيدًا، وترجلت وحدي.

لم أطلب من رجالي أن يتبعوني.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى