
عدى ست شهور.
الحياة في الحارة الشعبية كانت هادية وبسيطة، عكس القصر القزاز اللي كنت محبوسة فيه. أترقيت في شغلي في المحل، وأجّرت أوضة صغيرة فوق سطوح عمارة قديمة. كنت بصحى كل يوم على صوت الأذان والشمس، مش على صوت أجهزة اللاسلكي وخطوات الحراس.
لأول مرة من سنين، بشرتي أتعافت، والهالات السودا اللي تحت عيني اختفت لأن النوم بطل يهرب مني.
في الناحية التانية، القصر كان بيغرق في السكوت.
عمر ما بقاش يطيق يدخل أوضة النوم. الهدوم الماركات اللي سبتهاله، والألماظ اللي مرصوص جوة الخزنة، كانوا زي العفريت اللي بيطاردُه كل ما يفتح الباب. كان يقعد بالساعات في المكتب، بيبص على السلسلة السيلفر والكارت الأسود المرميين على الترابيزة قدامه.
حسن دخل عليه في ليلة، ولقى الأزاز المكسور مالي الأرض، وعمر قاعد في الضلمة وماسك كاسه.
«عمر.. الرجالة تعبوا، وإحنا بنصرف فلوس في السراب. عدى ست شهور، البنت بخرت نفسها.»
عمر رد بصوت مخنوق ومبشوح: «قلبوا البلد حارة حارة يا حسن.. مش هي اللي تتحداني وتمشي كده! دي كانت بتترعب من صوتي!»
حسن هز رأسه بأسف وقالُه: «هي ما كانتش بتترعب منك، هي كانت بتبقّي عليك.. وأنت بأيدك كسرتا. انسي يا عمر.. أصلًا الجمعة فاتت من زمان، مش أنت قلت هتنساها على الجمعة؟»
عمر بصلُه بنظرة كلها غضب وعجز، وما قدرش يرد.
وف ليلة جمعة—بالظبط بعد سنة كاملة من ليلة هروبي—كنت راجعة بيتي بالليل، وشايل كيس فاكهة بسيط جايباه بفلوسي. وأنا بطالع السلم، سمعت خطوات تقيلة وطالعة ورايا.
قلبي دق بسرعة، ومسكت في إيد السلم.
ولما لفيت.. شفته.
عمر.
بس ما كانش عمر الراجل القوي اللي بيكسر الدنيا بكلمة. كان خاسس، وشكلك مجهد، وعينيه فيها صفار وتعب السنين. كان واقف على السلم وبيتنفس بصعوبة.
«أخيرًا..» قالها وهو بيقرب خطوة.
أنا ما رجعتش لورا، وما صرختش. وقفت مكاني وبصيت له بكل برود، وكأني بشوف حد غريب في الشارع.
«أنتِ فاكرة إنك تقدر تتخفي مني؟» صوتُه كان بترعش، «أنا صرفت ملايين عشان ألاقيكي.. رجعتي تعيشي في الفقر ده بعد ما كنتِ ملكة؟ ليه؟ عشان كلمتين قيلتهم في لحظة غضب؟»
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله بثبات: «أنت ما صرفتش الملايين دي عشان بتحبني يا عمر.. أنت صرفتها عشان كبرياءك. عشان ما قدرتش تستوعب إن الست اللي قلت عليها عايشة معاك عشان الفلوس، رمتلك ألماظك وفلوسك تحت رجليكي ومشيت بشنطة هدومها القديمة.»
عمر قرب وقال بصوت شبه التوسل: «ارجعي.. القصر فاضي من غيرك. أوعدك هغير كل حاجة.. الكتب، الكارت، كل حاجة باسمك.»
بصيت له في عينيه وقلتله الكلمة اللي قتلت أخر أمل عنده:
«أنا زمان كنت بفتكر إنك راجل كبير ومفيش منك.. بس لما سمعتك الليلة دي، اكتشفت إنك أصغر بكتير من إنك تملى قلبي. الفلوس تعملك عيشة مريحة، بس عمرها ما تعملك أصل. وأنا بنت أصول.. والجدعان ما بيتباعوش بالملايين.»
لفيت ضهري، وفتحت باب أوضتي، ودخلت.
سمعته بيخبط على الباب وبيصوت باسمي، بس بعد دقائق، خطواته بدأت تبعد.. وتبعد.. لحد ما اختفت خالص.
دي كانت أخر مرة أشوفه فيها.
هو رجع لقصره القزاز المليان دهب وألماظ بس فاضي من أي روح، وأنا كملت حياتي في أوضتي البسيطة، بس وأنا حرة ومرفوعة الراس.
#حكايات_شروق_خالدعدى سنتين كمان.
في السنتين دول، اسم “عمر” بقى مجرد ذكرة قديمة بتعدي على بالي زي السحاب، من غير ما تسيب أي وجع ولا حسرة.
المحل الصغير اللي بدأت فيه شغالة، ربنا فتحها عليا وبقيت شريكة فيه مع صاحبه. بقيت أنا اللي بدير المكان، وبقى ليا اسم وسوق. اشتريت شقة صغيرة ومشموسة، ورصيت فيها عفش بسيط بفلوسي من حلال عرق جبيين.
في يوم، وأنا قاعدة في المحل براجع الحسابات، دخل عليا راجل لابس بدلة شيك.. بس ما كانش عمر.
كان “حسن”.
أول ما شفته، قلبي ما أتحركش من مكانه ولا خفت. بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية وقلتله: «أهلاً يا حسن.. خير؟»
حسن بصل للمحل ولشكلي، ونظرة الاحترام في عينيه كانت واضحة جداً. قعد على الكرسي وقال بصوت هادي: «أنا مش جاي عشان أرجعك يا بنت الأصول.. أنا جاي عشان يرتاح ضميري.»
«وعمر عامل إيه؟» سألته بعفوية من غير اهتمام.
تنهد حسن وقال: «عمر مابقاش هو.. الشغل انكسر، ورجاله كتير مشوا من عنده. بقى عايش بطوله في القصر الفاضي. كل ليلة بيقعد في نفس المكان، قدام الشاشات، بيفرج على الـ 10 دقايق اللي مشيتي فيهم.»
سكت حسن شوية وبعدين كمل: «اللي جننه مش إنك مشيتي.. اللي جاب أجله إنه فهم إنك سمعتيه، وإنه هو اللي طرد النعمة بإيده. بقى يكلم نفسه ويقول: “كانت واقفة ورا الباب.. وكانت شايلة المية والفاكهة.. وأنا بعتها بكلمتين عشان يبان إني كبير”.»
قلتله ببرود: «عمر كان فاكر إن القوة بالفلوس والنفوذ، بس القوة الحقيقية إنك تعرف تقف على رجلك وأنت نظيف ومرفوع الرأس.»
حسن قام وقف، وحط أيده على المكتب وقال: «أنا سبت الشغل معاه من ست شهور يا بنت الحلال.. وما قدرتش أمشي من غير ما أجيلك وأقولك إنك غيرتي مفهوم الجدعنة عندنا كلنا. أنتِ علمتينا كلنا درس عمرنا ما هننساه.»
مشي حسن، وأنا قمت وقفت قدام إزاز المحل.
بصيت لرقبتي فاضية من غير ألماظ، ولإيدي ما فيهاش كارت بنك أسود.. بس كنت شايفة في قزاز المحل ست قوية، شريفة، عينها مليانة كبرياء، وما بتبصش تحت رجليها.
عمر عاش حياته كلها فاكر إن الفلوس تقدر تشتري أي حاجة.. بس لما خسرني، فهم إن فيه حاجات لما بتروح، لو دفع مال قارون كله، عمرها ما بترجع.
عشر دقائق قبل الجمعة
#حكايات_شروق_خالد




