روايات وقصص

تظاهر بالنوم ليكشف خادمتَه… ج1 حكايات شروق خالد

كان التظاهر بالنوم قد كشف لي الخونة واللصوص والكذابين من قبل، لكن في ظهر ذلك اليوم كشف لي شيئًا لم أكن مستعدًا للنجاة من مواجهته. تركتُ عشرين ألف دولار وساعة فاخرة في مكان واضح لأختبر خادمتي الجديدة، لكن طفلها الصغير هو من اقترب مني، ولمس يدي، وسألني بهدوء:

«يا أستاذ… بيوجعك؟»

لم أكن نائمًا.

كان المسدس أسفل فخذي محشوًا ، والأمان مرفوعًا، ويدي اليمنى قريبة بما يكفي لأصل إليه في أقل من ثانية. لأي شخص يقف عند باب الغرفة، كنت مجرد رجل أعمال قوي ومتعب غلبه النوم بجوار المدفأة بعد الغداء.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

ذلك الوهم أبقاني حيًا لسنوات.

خارج الفيلا الكبيرة التي أملكها في التجمع الخامس بالقاهرة، كانت أمطار الخريف تضرب النوافذ بعنف، والرياح تحرك الأشجار في الحديقة الواسعة. أما داخل مكتبي، فكان مصباح أخضر صغير يلقي ضوءًا خافتًا فوق الطُعم الذي وضعته بعناية على مكتبي الخشبي الفخم.

عشرون ألف دولار نقدًا.

وبجوارها ساعة سويسرية فاخرة من الذهب الوردي، تساوي ثروة بالنسبة لأي شخص عادي.

المال يختبر اليأس.

أما الساعة فتختبر الطمع.

تعلمت طوال حياتي أن الناس نادرًا ما يكشفون حقيقتهم من أول فرصة. كانوا ينتظرون الفرصة الثانية، اللحظة الهادئة التي يستطيعون فيها إقناع أنفسهم بأن ما يفعلونه ليس سرقة حقيقية.

ثم تحرك مقبض الباب.

دخل شخصان.

أحدهما امرأة بالغة تتحرك بحذر بحذاء عمل بسيط.

والآخر كان أخف وأصغر.

طفل.

سمعت صوت خادمتي الجديدة، نادية، وهي تهمس:

«اقعد هنا يا ياسين. ما تلمسش حاجة، فاهم؟ حتى ما تبصش للحاجات اللي موجودة كأنك عايز تاخدها.»

رد الطفل بصوت خافت:

«حاضر يا ماما.»

أبقيت عيني مغلقتين.

بدأت نادية تتحرك في الغرفة بحذر شديد، وكأنها تخشى أن تتسبب في كسر أي شيء. كانت تتحرك بتوتر واضح، بينما ظل الصبي واقفًا في مكانه تقريبًا لمدة طويلة.

ثم شعرت بيد صغيرة تلمس يدي.

كانت دافئة.

نحيلة.

وترتجف قليلًا.

اقترب الصوت من أذني:

«يا أستاذ… صدرك ؟»

انقبض شيء بداخلي.

سمعت في حياتي رجالًا يتوسلون من أجل حياتهم.

وسمعت اعترافات بالخيانة وسط صرخات الألم.

وشهدت أشياء جعلت أقسى الرجال ينهارون.

ووقفت ذات يوم أمام قبر زوجتي، وأنا أشعر أن شيئًا بداخلي قد مات معها.

لكن لم يسألني أحد من قبل سؤالًا بهذه الطريقة.

من غير خوف.

ومن غير طمع.

ومن غير ما يكون عايز مني حاجة.

سحب ياسين يده وجلس بالقرب من طرف السجادة.

بقيت ساكنًا تمامًا، أستمع إلى صوت المطر وهو يضرب زجاج النوافذ.

وبعد لحظات، سمعته يهمس لنفسه:

«بابا كان بيتنفس كده قبل ما يمشي… ومارجعش.»

كادت أصابعي تتحرك.

لكنني تماسكت.

ثم سمعت صوت كيس بلاستيك صغير.

كان ياسين يفتح شيئًا.

اقترب مني مرة أخرى بخطوات بطيئة، ثم شعرت بأصابعه الصغيرة تضع شيئًا في راحة يدي.

حبّة دواء.

قال بصوت هامس:

«ماما قالت إن ده دوا القلب بتاعي… ما فضلش غير اتنين.»

توقف للحظة.

ثم أضاف:

«بس خد واحدة إنت.»

تصلبت كل عضلة في جسدي.

المال لم يتحرك.

الساعة لم تتحرك.

عشرون ألف دولار كانت أمامه، والساعة الفاخرة بجوارها، لكنه لم يلمس أيًا منهما.

كان طفلًا فقيرًا، وأمه في أمس الحاجة إلى المال لدرجة أنها تخشى فقدان وظيفتها.

ومع ذلك، كان مستعدًا للتخلي عن نصف دوائه لإنقاذ رجل غريب يظن أنه نائم.

لأول مرة منذ سنوات، شعرت برغبة حقيقية في فتح عيني.

كدت أفعل.

لكن ياسين اقترب أكثر، وأمسك يدي الصغيرة بيده المرتجفة، ثم همس:

«لو قلبك وقف… يمكن محدش يرجعلك إنت كمان.»

شعرت بصدري يضيق.

لكن هذه المرة لم يكن الألم بسبب مرض.

كان بسبب كلمات طفل لم يتجاوز عمره سبع سنوات.

وقبل أن أتمكن من السيطرة على نفسي، أمسك ياسين بيدي مرة أخرى وبدأ يفعل شيئًا لم أتوقعه أبدًا.

حكايات شروق خالد

بدأ ياسين يفرك كفّي الصغيرتين بيديه، ثم وضع أذنه على .

اتسعت عيناي خلف جفني المغلقين.

كان يستمع إلى ضربات قلبي.

وبعد ثوانٍ، رفع رأسه وقال بصوت خافت:

«لسه بيدق… بس مش منتظم.»

تجمدت في مكاني.

من أين لطفل صغير أن يعرف ذلك؟

ثم سمعته ينادي:

«ماما… تعالي بسرعة.»

تحركت نادية نحوه.

«في إيه يا ياسين؟»

«الراجل ده تعبان.»

جاء صوتها مذعورًا:

«إنت لمسته؟ قلت لك ما تلمسش حاجة!»

«أنا ما لمستش الفلوس ولا الساعة، والله.»

صمتت للحظة.

ثم قالت:

«طب تعالى بعيد عنه.»

لكن ياسين رفض.

«لا.»

«ياسين!»

«ماما، قلبه مش طبيعي.»

ساد الصمت.

كنت أسمع أنفاس نادية المتوترة.

ثم قالت:

«إحنا مالنا؟ سيبيه نايم.»

جاء رد الصبي سريعًا:

«بس هو ممكن .»

شعرت بشيء يهتز بداخلي.

لم يكن خوفًا.

كان شيئًا لم أعتد عليه.

اهتمام.

اهتمام حقيقي لا  له بالمال.

ثم سمعت صوت خطوات نادية تقترب من المكتب.

وضعت يدها على حافة الكرسي.

«يا رب ما يكون فيه حاجة.»

فتحت عيني فجأة.

تراجعت نادية خطوة وهي تضع يدها على .

«يا نهار أبيض! حضرتك صاحي؟»

نظرت إليها دون كلام.

ثم نقلت عيني إلى ياسين.

كان واقفًا أمامي، شاحب الوجه، لكنه لم .

قلت:

«إنت اسمك إيه؟»

ابتلع ريقه.

«ياسين.»

«وإنت كنت بتعمل إيه؟»

نظر إلى أمه، ثم إليّ.

«كنت بحاول أساعدك.»

«ليه؟»

رفع كتفيه الصغيرين.

«عشان إنت كنت بتوجع.»

نظرت إلى المال.

ثم إلى الساعة.

ثم عدت أنظر إليه.

«وأنت ماخدتش حاجة؟»

هز رأسه.

«لأ.»

«حتى الساعة؟»

هز رأسه مرة أخرى.

«ماما قالت لنا إن اللي مش بتاعنا ما ناخدوش.»

نظرت إلى نادية.

كانت على وشك البكاء.

قلت لها:

«نادية… إنتِ محتاجة الفلوس؟»

ارتبكت.

«أنا… لا يا فندم.»

«بلاش كذب.»

خفضت رأسها.

«أيوه.»

«قد إيه؟»

لم تجب.

فقال ياسين:

«ماما عليها إيجار تلات شهور.»

التفتت إليه بسرعة.

«ياسين!»

«إحنا ممكن ننام في الشارع يا ماما.»

ساد الصمت.

كنت أعيش في قصر، وأمتلك شركات وعقارات وأموالًا تكفي عائلات كاملة لأجيال.

ومع ذلك، كان هذا الطفل يخشى ألا يجد مكانًا ينام فيه.

وضعت يدي على المكتب.

«نادية.»

رفعت عينيها.

«مين قال لك إنك لازم تسرقي علشان تدفعي الإيجار؟»

«أنا ما سرقتش يا فندم.»

ابتسمت ابتسامة حزينة.

«عارف.»

وأشرت إلى المال.

«كان اختبار.»

نظرت إلى النقود، ثم الساعة.

«اختبار؟»

«أيوه.»

قلت ببرود:

«كنت عايز أعرف إنتِ هتعملي إيه لو محدش شايفك.»

بدأت الدموع تنزل من عينيها.

«أنا كنت محتاجة الشغل ده يا فندم… بس عمري ما كنت .»

ثم نظرت إلى ياسين.

«وابني كمان عمره ما ياخد حاجة مش بتاعته.»

اقترب ياسين مني.

«هو أنت كنت بتختبرنا؟»

نظرت إليه طويلًا.

«أيوه.»

«طب أنا نجحت؟»

لأول مرة منذ سنوات، ضحكت.

ضحكة قصيرة خرجت مني دون أن أشعر.

«إنت؟»

هز رأسه.

«آه.»

أخذت الساعة من فوق المكتب ووضعتها في يده.

شهقت نادية.

«لا يا فندم!»

لكنني قلت:

«خدها.»

نظر إليها بدهشة.

«بس دي غالية.»

«عارف.»

«ماما هتزعقلي.»

ابتسمت.

«يبقى خليها عندي.»

وأخذتها منه.

ثم فتحت درج مكتبي وأخرجت ظرفًا.

وضعت فيه مبلغًا من المال ومددته إلى نادية.

رفضت فورًا.

«لا يا فندم، أنا مش عايزة صدقة.»

«مش صدقة.»

«أمال إيه؟»

«مرتب سنة مقدم.»

حدقت في وجهي غير مصدقة.

«سنة؟»

«أيوه.»

«بس ليه؟»

نظرت إلى ياسين.

«عشان ابنك فكر في حياة واحد غريب قبل ما يفكر في الفلوس اللي قدامه.»

ثم سكتُّ لحظة.

«وعشان أنا محتاج ناس زيكم في بيتي.»

لكن قبل أن ترد، رن هاتفي.

نظرت إلى الشاشة.

تغير وجهي فورًا.

كان الاتصال من رجلي المخلص، حمدي.

أجبت.

«اتكلم.»

جاء صوته متوترًا:

«يا باشا… حصلت .»

وقفت ببطء.

«إيه اللي حصل؟»

«في حد دخل على المخزن القديم في الميناء.»

«مين؟»

صمت حمدي لثانيتين.

ثم قال:

«اللي دخل مش حرامي.»

قبضت على الهاتف.

«أمال مين؟»

قال بصوت منخفض:

«واحد من رجالتك.»

نظرت إلى نادية وياسين.

ثم إلى الباب.

فجأة، شعرت أن اختبار الخادمة لم يكن أهم شيء حدث في ذلك اليوم.

لأن الشخص الذي خانني لم يكن في بيتي.

كان أقرب إليّ مما كنت أتصور.

وكان يعرف كل أسراري.

حكايات شروق خالد

قلت لحمدي بصوت منخفض:

«اسمه مين؟»

جاء الرد بعد صمت قصير:

«مش عارفين لسه يا باشا.»

«يعني إيه مش عارفين؟»

«الكاميرات اتقطعت قبل ما يدخل بعشر دقايق، والحارس اللي كان على البوابة اختفى.»

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

«والبضاعة؟»

«كلها موجودة.»

«يبقى هو ماكانش داخل .»

«أيوه.»

«كان داخل يدور على حاجة.»

«أو يا باشا… كان بيدور على حد.»

رفعت عيني عن الهاتف.

كان ياسين واقفًا بجوار أمه، يراقبني بصمت.

قلت لحمدي:

«اقفل المخزن. محدش يدخل ولا يخرج. وخلي رجالتنا يراجعوا كل كاميرا في المنطقة.»

«حاضر.»

«وحمدي…»

«أيوه يا باشا؟»

«ما تثقش في حد.»

أغلقت الهاتف.

سألتني نادية:

«في مشكلة يا فندم؟»

«مفيش.»

لكن صوتي لم يكن مقنعًا حتى لنفسي.

جلست على الكرسي وأخذت نفسًا عميقًا.

منذ وفاة زوجتي، لم أسمح لأحد بالاقتراب مني.

كنت أعيش وسط رجال ، وأغير طرق تحركي باستمرار، وأختبر كل شخص يعمل معي.

لكنني لم أكن أتوقع أن  سيأتي من الداخل.

نظرت إلى ياسين.

كان يمسك بيد أمه.

وفجأة قال:

«يا أستاذ محمود.»

«نعم؟»

«هو الناس اللي بتخاف منهم… بيبقوا وحشين؟»

نظرت إليه طويلًا.

«مش كل الناس.»

«طب إنت بتخاف من مين؟»

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

«أنا ما بخافش.»

هز رأسه وكأنه لم يصدقني.

«ماما بتقول إن اللي بيقول إنه مش بيخاف، بيكون أكتر واحد خايف.»

ضحكت رغمًا عني.

«أمك عندها حكم كتير.»

نادية ابتسمت لأول مرة.

لكن اللحظة لم تستمر.

سمعنا صوت ارتطام قوي قادم من الطابق السفلي.

انتفضت نادية.

أما أنا فكنت قد وقفت بالفعل.

مددت يدي أسفل سترتي.

المسدس أصبح في يدي خلال لحظة.

همست:

«نادية، خدي ياسين وروحي  الضيوف.»

«بس يا فندم—»

«دلوقتي.»

أمسكت يد ابنها.

لكن ياسين لم يتحرك.

كان ينظر ناحية الباب.

ثم قال:

«استنى.»

التفت إليه.

«إيه؟»

أشار إلى الممر.

«في حد هنا.»

«إزاي عرفت؟»

قال بصوت خافت:

«سمعت نفس الصوت.»

تجمدت.

«صوت إيه؟»

وضع إصبعه على فمه.

«صوت رجل بيحاول ما يتنفسش.»

نظرت إلى الممر.

كان .

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى