
الساعة 3:12 الفجر، طلعت على السلم وأنا لابسة شبشب وردي، وأنا ناوية أهدد جاري المزعج بعصاية المكنسة.
أول ما فتح الباب، لقيته مليان تاتو، وحواليه رجالة ، والغريب إنه بدل ما يعتذر، مد إيده وقدم لي فلوس.
ومع طلوع الشمس، لقيت كاوتش عربيتي متقطع، ودَين أبويا القديم وصل لحد بابي، واكتشفت إن الوحش اللي ساكن فوقي هو السبب الوحيد إني لسه عايشة.
دَب.
دَب.
دَب.
السقف فوق كان بيتهز، كأن حد بيمشي بجزم فوق دماغي.
فتحت عيني بالعافية وبصيت للأرقام الحمرا على الساعة اللي جنب .
3:12 الفجر.
يا سلام.
رائع.
وقت مثالي يخلي الواحد يرتكب
كنت قعدت ستاشر ساعة كاملة وأنا منحنية فوق لوحة زيتية قديمة من القرن السابع عشر في جاليري كبير في وسط القاهرة، بتنفس من خلال الكمامة، وبحاول أظبط درجة زرقة سما بحجم ضفر إيدي.
صوابعي كانت ريحتها مذيبات وورنيش قديم.
وضهري كان بيوجعني كأن حد بدّل عمودي الفقري بسلك حديد مصدي.
كل اللي كنت عايزاه خمس ساعات نوم قبل ما أرجع تاني أنقذ تاريخ مصر من الأغنياء اللي فاكرين إن كلمة “ترميم” معناها نخلي الحاجة شكلها جديدة.
لكن بدل ما أنام، العملاق اللي ساكن في البنتهاوس فوقي قرر يعلن الحرب.
بقاله تلات أسابيع بيمشي فوق دماغي رايح جاي، زي نمر محبوس، لابس جزمة تقيلة، وعنده مشاكل نفسية من طفولته محتاجة جلسات علاج سنين.
قدمت شكاوى.
وبعت إيميلات لإدارة العمارة.
ولزقت ورقة محترمة في لوحة الإعلانات عند المدخل.
ولا حاجة نفعت.
الدبلوماسية ماتت الساعة 3:13.
رميت البطانية، ودخلت رجلي في شبشب الأرنب الوردي، وخطفت الروب بتاعي، وخرجت ناحية الأسانسير وأنا عندي غضب بارد ومركز، غضب ست محرومة من النوم بقالها ليالي.
الممر كان ريحته شمع أرضيات وفشار .
الأسانسير طلع ببطء وهو بيطلع أصوات تخلّي الواحد يشك في حياته.
لما الباب اتفتح في آخر دور، ملقتش ممر عادي.
لقيت نفسي قدام بهو شكله كأنه نقطة تفتيش عسكرية.
قدام باب خشب ماهوجني ضخم، كان واقف اتنين رجالة لابسين بدل سودة.
رجالة ضخمة.
مش ضخامة بتاعة واحد بيروح الجيم.
لأ.
دول شكلهم متصنعين مخصوص علشان يخوفوا الناس.
واحد منهم رفع إيده، وإيده كانت تقريبًا قد طبق العشاء.
“آنسة، مينفعش تطلعي هنا.”
رديت بعصبية: “أنا ساكنة في 4B، ورايحة أتكلم مع مديركم قبل ما أفقد عقلي.”
“يا فندم…”
ماديتلوش فرصة يكمل.
عديت من تحت دراعه وخبطت على الباب بكل قوتي.
“افتح! أنا عارفة إنك جوه! سامعة خبط رجلك. بتمشي فوقينا كأنك جودزيلا وعنده تار بايت!”
إيدين مسكوني من كتافي.
وفجأة…
سمعت صوت القفل بيتفتح.
الرجالة سابوني بسرعة لدرجة إني حسيت إنهم شافوني بقيت .
الباب اتفتح.
كل الكلام اللي كنت محضراه مات جوا بقي.
الراجل اللي واقف قدامي كان مرعب.
كلمة “طويل” مش كفاية لوصفه.
طويل تتقال على لاعب سلة أو رف عالي ومش عارفة توصليله.
لكن الراجل ده كان ضخم لدرجة إنه مالي فتحة الباب كلها.
كتاف عريضة، وقميص أبيض مفتوح من فوق، وتاتو أسود متداخل على صدره وطلع لحد رقبته، كأنه دخان أسود بيتحرك على جلده.
شعره الأسود كان منكوش، كأنه قضى ساعات بيشد فيه بإيده.
لكن عينيه…
عينيه كانوا أسوأ حاجة.
سود، هادية، مفترسة، وفاضية من أي إحساس، ماعدا تركيز حاد خلاني أحس إنه شايف كل تفصيلة فيا.
كان المفروض أجري.
لكن الإرهاق بص لبقائي على قيد الحياة وقال له: “اقعد على جنب.”
بصيت له وقلت:
“إنت.”
نظراته نزلت على شبشب الأرنب الوردي، وبعدها على بقعة الدهان اللي على دقني، وبعدين رجعت ثبتت على وشي.
قال بهدوء: “سكوت.”
اتنرفزت أكتر.
“بالظبط! ده اللي أنا عايزاه. سكوت! بطل مشي. بطل خبط. بطل توقع عفش أو جثث أو أي حاجة بتعملها فوق هنا الساعة تلاتة الفجر. أنا بشتغل علشان أعيش. أنا برمم لوحات. لو إيدي اترعشت من قلة النوم، ممكن أبوظ لوحة تمنها ملايين، وساعتها التاريخ نفسه بسبب إنك مش قادر تقعد مكانك.”
واحد من الحرس طلع منه صوت مكتوم، كأنه بيحاول يمنع نفسه من الضحك أو الصدمة.
الراجل رفع إيده.
الحارس سكت فورًا.
فضل ساكت ثواني، وبص لي كأني لوحة مزورة لسه مش مقرر هيحرقها ولا لأ.
وبعدين مد إيده لجيبه.
رجعت خطوة لورا.
لمعة فضية ظهرت قدامي.
مش .
مشبك فلوس.
طلع رزمة فلوس من فئة المئات، ومدها ناحيتي.
وقال بمنتهى البرود:
“اشتري سدادات ودان.”
حسيت الدم طلع لوشي.
لا اعتذار.
ولا حتى وعد إنه يقلل الصوت.
مجرد فلوس.
بالنسبة له أنا مجرد مشكلة يقدر يدفع لها علشان تختفي.
خطفت الفلوس من إيده.
لمحة رضا صغيرة ظهرت في عينيه.
لكن فتحت إيدي.
الفلوس وقعت على الأرض الرخام حوالي رجليه الحافيتين، ورقة ورا ورقة، زي قصاصات غالية من الورق.
بصيت له وقلت، وصوتي كان بيرتعش بدرجة خلتني أغضب من نفسي:
“أنا مش عايزة فلوسك. أنا عايزاك تكون جار محترم.”
سكت المكان كله.
الملل اختفى من وشه.
وعينيه اتغيروا.
بقت حادة.
لفيت ومشيت ناحية الأسانسير بسرعة، قبل ما ركبتي تفتكر إنها المفروض تخاف.
الحرس اتحركوا من طريقي كأني ماشية وأنا شايلة .
وقبل ما باب الأسانسير يقفل، بصيت ورايا مرة واحدة.
كان لسه واقف عند باب ، والفلوس اللي رميتها على الأرض حوالي رجليه.
لكنه مكانش باصص للفلوس.
كان باصص لي أنا.
وأسوأ حاجة في الموضوع كله مش إني أعلنت الحرب على أخطر راجل قابلته في حياتي.
أسوأ حاجة…
إنه كان باين عليه إنه مهتم.
حكايات شروق خالد
ما إن باب الأسانسير قفل، حطيت إيدي على صدري وأنا بحاول أهدّي ضربات قلبي.
“يا نهار أسود…”
همست لنفسي.
“أنا عملت إيه في نفسي؟”
أنا اسمي مريم عبد الرحمن، عندي سبعة وعشرين سنة، وبشتغل مرممة لوحات في واحد من أشهر معارض القاهرة. حياتي كانت بسيطة جدًا، لحد ما انتقلت للعمارة دي في الزمالك من حوالي شهر.
وكان أكبر هم عندي وقتها هو الإيجار، وفواتير الكهرباء، واللوحات اللي محتاجة ترميم.
مكانش في دماغي أبدًا إني هكتشف إن جاري اللي فوقي مش مجرد راجل غني مستفز.
كنت لسه خارجة من الأسانسير في الدور الرابع، لما سمعت صوت موبايلي.
بصيت للشاشة.
رقم غريب.
ترددت لحظة، وبعدين رديت.
“ألو؟”
مفيش رد.
“ألو؟ مين معايا؟”
سمعت نفسًا خافتًا من الناحية التانية.
وبعدين الخط اتقفل.
قطبت حاجبي.
“أكيد حد غلطان في الرقم.”
رميت الموبايل على الترابيزة، ودخلت .
لكن النوم رفض ييجي.
كل ما أغمض عيني، أشوف وش الراجل اللي فوق.
نظراته الباردة.
التاتو اللي على رقبته.
والطريقة الغريبة اللي بص بيها لي.
وأكتر حاجة ضايقتني إني كنت حاسة إن في حاجة غلط.
حاجة أنا مش فاهمها.
بعد حوالي ساعتين، أخيرًا غفلت.
ولما صحيت، الشمس كانت طالعة.
بصيت للساعة.
8:47 الصبح.
اتأخرت!
قفزت من السرير، لبست هدومي بسرعة، خطفت شنطتي ونزلت على السلم.
كنت مستعجلة لدرجة إني تقريبًا جريت لحد الجراج.
لكن أول ما وصلت لعربيتي…
وقفت مكاني.
“إيه ده؟!”
كاوتش العربية الأربعة كانوا متقطعين.
مش واحد.
الأربعة.
وفيه ورقة صغيرة محشورة تحت مساحة الزجاج الأمامي.
إيدي بدأت ترتعش وأنا بسحبها.
فتحت الورقة.
كان مكتوب بخط أسود:
“الدور جاي عليكِ.”
حسيت ببرودة مشت في جسمي كله.
بصيت حواليّ.
الجراج كان فاضي.
طلعت موبايلي واتصلت بالشرطة، لكن قبل ما أدوس اتصال، سمعت صوت عربية بتقف ورايا.
اتجمدت.
باب العربية اتفتح.
راجل نزل منها.
طويل، لابس بدلة رمادي، ونظارة سودا.
قرب مني.
“مريم عبد الرحمن؟”
رجعت خطوة.
“أيوه… مين حضرتك؟”
ابتسم ابتسامة خلت معدتي تتقبض.
“أبوكي كان عليه دين.”
قلبي وقع.
“إنت مين؟”
“واحد من الناس اللي أبوكي خد منهم فلوس.”
هززت راسي بسرعة.
“أبويا مات من سنتين.”
“عارف.”
قالها بمنتهى الهدوء.
“بس الديون مبتدفنش مع أصحابها.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
“أنا مليش دعوة بديون أبويا.”
ضحك.
“إحنا مش شايفين كده.”
مد إيده ناحية دراعي.
وقبل ما يلمسني…
صوت جه من وراه.
صوت هادي جدًا.
لكن أول ما سمعته، الراجل قدامي اتجمد.
“شيل إيدك عنها.”
لفيت.
كان هو.
جاري.
الراجل اللي كنت من كام ساعة واقفة قدام بابه بشبشب وردي وبهدده بعصاية المكنسة.
كان واقف في آخر الجراج.
بس المرة دي مكنش لوحده.
ورا منه ست رجالة.
كلهم مسلحين.
ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
مفيش ملل.
مفيش هدوء.
مفيش أي أثر للراجل اللي عرض عليا فلوس علشان أشتري سدادات ودان.
كان في عينيه غضب يخوف.
الراجل اللي قدامي بلع ريقه.
“إحنا بنتكلم مع البنت بس.”
جاري قرب بخطوات بطيئة.
“أنا قلت شيل إيدك عنها.”
“دي مش مشكلتك.”
وقف قدامه على بعد خطوة واحدة.
“بقت مشكلتي.”
الراجل ضحك بسخرية.
“من إمتى؟”
الصمت وقع بينهم.
جاري مد إيده وأمسك ياقة بدلته.
“من قبل ما هي نفسها تعرف.”
شدّه ناحيته.
“ولو قربت منها تاني…”
مال ناحيته وهمس بكلمتين ما سمعتهمش.
لكن وش الراجل اتغير فورًا.
ساب إيده.




