
ضحكت.
«متصدقش كل اللي قالوهولك.»
سماح قربت مني.
«مين؟»
حطيت الموبايل على السماعة الخارجية.
الصوت قال:
«فؤاد مش العقل المدبر.»
سألت:
«مين إنتِ؟»
رد الصوت:
«أنا الست اللي دفنتها بنفسك.»
سماح شهقت.
ثم جاء آخر سؤال:
«عايز تعرف مين أبوك الحقيقي؟»
قلت:
«أيوه.»
قالت:
«تعالى لوحدك على المكان اللي اتدفن فيه أبوك.»
ثم انقطع الخط.
بصيت لسماح.
وهي كانت بتبصلي بخوف.
لأنها فهمت قبلي.
أبويا…
الراجل اللي كنا فاكرينه مات من عشرين سنة…
يمكن ماكانش ميت أصلًا.
والأخطر من كده…
إن الشخص اللي كان بيتصل بيا بصوت أمي…
كان يعرف كل تفاصيل موت أبي.
تفاصيل محدش المفروض يعرفها غير شخص واحد.
الشخص اللي ضغط الزناد.
حكايات شروق خالد
روحت للمقابر قبل الفجر، وسماح كانت معايا رغم إني طلبت منها تفضل في البيت.
وقفت قدام قبر أبويا، وحسيت لأول مرة إن المكان ده مش قبر… ده كان سر مدفون من عشرين سنة.
طلعت الصورة اللي وصلتني.
بصيت على اسم القبر.
وبعدين على سماح.
«إنتِ متأكدة إن أبوكي مات؟»
هزت راسها.
«أيوه.»
«وفؤاد قتله؟»
«ده اللي كنت فاكرة.»
قربت من القبر.
لاحظت إن التراب حوالين القبر كان جديد.
انحنيت ولمسته.
كان لسه طري.
بصيت لسماح.
«القبر اتفتح قريب.»
فجأة سمعنا صوت من خلفنا.
«لأن اللي جواه مش أبوك.»
التفتنا.
كان حسام.
واقف لوحده.
وشه كان مليان تعب.
قلت:
«إنت عارف الحقيقة؟»
هز راسه.
«عارف جزء منها.»
«قول.»
قرب مني.
«أبوك مات فعلًا من عشرين سنة.»
«يبقى مين فتح القبر؟»
سكت.
ثم قال:
«أمك.»
اتجمدت.
«أمي؟»
«أيوه.»
«بس أمي ماتت.»
«ماتت بعد ما دفنت السر.»
مد إيده بورقة قديمة.
«قبل موتها بأيام، باعت كل حاجة كانت تملكها.»
«ليه؟»
«عشان تدفع لراجل واحد.»
«مين؟»
قال:
«محمود النجار.»
سماح شهقت.
«أبويا؟»
حسام هز راسه.
«أبوك ماكانش قاتل أبو ياسين.»
ثم نظر لي.
«محمود كان حارس أبوك.»
اتجمدت.
«يعني كل اللي اتقال لي…»
«كان كدب.»
حسام أخذ نفسًا عميقًا.
«أمك هي اللي قتلت أبوك، لكن محمود هو اللي ساعدها تخفي الجريمة.»
قلت:
«ليه؟»
«عشان ينقذك.»
«ينقذني من مين؟»
حسام بص لسماح.
ثم قال:
«من آدم.»
سكت.
«أخويا؟»
«أيوه.»
«فينه؟»
حسام قال:
«قدامك.»
سمعت صوت خطوات.
التفت.
رجل خرج من بين المقابر.
نفس الرجل اللي شوفته في المستشفى.
نفس العينين.
لكن المرة دي كان من غير سلاح.
وقف قدامي.
وقال:
«أنا آدم.»
سماح رجعت خطوة.
أما أنا ففضلت ثابت.
«إنت اللي حاولت تقتلني؟»
هز راسه.
«أيوه.»
«ليه؟»
«عشان كنت فاكر إنك السبب في موت أبويا.»
قلت:
«أنا ماكنتش أعرف أصلًا إن ليّا إخوات.»
«عرفت الحقيقة متأخر.»
ثم مد إيده بفلاشة.
«لكن لما عرفت، اكتشفت إن فؤاد كان بيستخدمنا كلنا.»
أخدت الفلاشة.
«إيه دي؟»
«كل التسجيلات الأصلية.»
«منين؟»
«من خزنة أبويا.»
ثم نظر لي.
«وأهم تسجيل فيهم هو ده.»
شغلته.
جاء صوت فؤاد.
«الولدين لازم يختفوا. واحد منهم يتربى بعيد، والتاني يموت.»
ثم جاء صوت أمي:
«والتالت؟»
فؤاد رد:
«التالت هنخليه يكره نفسه طول عمره.»
ثم انتهى التسجيل.
فهمت.
فؤاد كان السبب في كل شيء.
هو اللي زرع الكراهية بين الإخوات.
هو اللي قتل.
هو اللي ابتز نادين.
وهو اللي خلّى كل واحد فينا يصدق إن التاني عدوه.
لكن كان فيه شيء واحد لسه ناقص.
قلت:
«صوت أمي في التليفون… مين كان؟»
آدم ابتسم.
«أنا.»
سماح بصت له.
«إنت؟»
«كنت بسجل بصوتها من تسجيلات قديمة.»
ضحكت لأول مرة منذ أيام.
«يعني أمي ماتت فعلًا؟»
آدم قال:
«أيوه.»
نزلت عيني.
رغم كل شيء، كنت حزينًا.
مش عشانها.
لكن عشان الحقيقة كانت مؤلمة أكتر من الكذبة.
بعدها بأيام، سلمنا كل الأدلة للشرطة.
فؤاد اتحاكم، واتكشفت جرائم الشبكة كلها.
شريف ونادين اعترفوا بكل شيء.
الدكتور سامح حصل على حكم مخفف لأنه شهد ضدهم.
أما حسام وآدم، فاختاروا يبعدوا عن حياة الجريمة تمامًا.
وبالنسبة لي…
قفلت آخر شركة ورثتها عن العيلة.
وبعت معظم أملاكي.
ماعدا البيت.
البيت اللي بدأت فيه كل الخيانة…
واللي بقى لأول مرة مكانًا هاديًا.
وفي يوم، وقفت في الحديقة مع سماح.
مديت إيدي لها.
«تفتكري لسه خايفة مني؟»
ضحكت.
«أنا كنت بخاف عليك، مش منك.»
قلت:
«أنا عايزك تفضلي معايا.»
بصتلي.
«كخادمة؟»
هزيت راسي.
«كشريكة.»
دموعها لمعت.
«إنت متأكد؟»
قلت:
«أول مرة في حياتي أكون متأكد من حاجة.»
وبعد سنة، اتجوزنا.
ماكانش فيه قصر.
ولا صحافة.
ولا حفلة ضخمة.
كان فيه ناس قليلة، وهدوء، وضحكة سماح اللي كنت بحب أسمعها أكتر من أي صوت في الدنيا.
وفي الليلة اللي رجعنا فيها البيت، وقفت قدام المرآة.
افتكرت الرجل اللي كان نايم في المستشفى من غير ما يقدر يحرك صباعه.
الرجل اللي كان فاكر إن كل الناس حواليه أعداء.
والرجل اللي اكتشف إن أقرب شخص أنقذه…
كانت واحدة الكل عاملها كأنها مش موجودة.
بصيت لسماح.
قلت:
«عارفة إيه أغرب حاجة؟»
قالت:
«إيه؟»
«إني كنت فاكر إن اللي أنقذ حياتي هو إني مثلت إني ميت.»
ضحكت.
«وأهو؟»
بصيت لها.
«طلع اللي أنقذ حياتي فعلًا… إنك إنتِ الوحيدة اللي شوفتي إني لسه عايش.»
ابتسمت.
ومسكت إيدي.
وفي اللحظة دي فهمت إن بعض الناس يدخلوا حياتنا صدفة…
لكنهم يفضلوا فيها لأنهم اختاروا يقفوا جنبنا وقت ما العالم كله كان مستني موتنا.
أنا خسرت عيلة كاملة.
وخسرت ثروة.
وخسرت سنوات من عمري وأنا مصدق أكاذيب غيري.
لكن في المقابل، ربحت الحقيقة.
وربحت أخواتي.
وربحت حياة جديدة.
والأهم…
ربحت المرأة اللي دخلت حياتي كخادمة لا يلاحظها أحد، وخرجت منها وهي الإنسانة الوحيدة اللي كنت مستعد أضع حياتي كلها بين إيديها.
ومن يومها، كل ما أفتكر همسة نادين:
«موت قبل الجمعة…»
ببتسم.
لأنها كانت فاكرة إن موتي هو نهايتي.
لكن موت الرجل اللي كنت عليه…
كان بداية حياتي الحقيقية.
«موت قبل الجمعة
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




