
فضلنا واقفين قدام الراجل، ومحدش فينا قادر ينطق.
مراتي كانت بتبصله وكأنها شايفة شبح.
“إنت… أبويا؟”
ابتسم ابتسامة باردة.
“أيوه يا نادية.”
اسمها خرج من بقه كأنه سكين.
أنا بصيت لمراتي.
“نادية؟”
قالت بسرعة:
“اسمي الحقيقي نادية… قبل ما أتجوزك.”
الراجل ضحك.
“مراتك قضت عمرها كله بتهرب من اسم عيلتنا.”
والدي تقدم خطوة.
“كفاية يا جلال.”
بصله جلال باحتقار.
“إنت مالكش حق تتكلم.”
ثم بص لي.
“أبوك خد مني حاجة غالية.”
قلت:
“إيه؟”
“الملف.”
رفعت الظرف.
“ده؟”
عينيه اتعلقت بيه.
“هات الملف.”
ضحكت بسخرية.
“بعد اللي عملته فينا؟ مستحيل.”
رفع إيده.
وفجأة رجالته اتحركوا ناحيتنا.
ليان خافت، ومريم شدت عليها.
مراتي وقفت قدامهم.
“محدش يقرب من ولادي.”
جلال ضحك.
“ولادك؟”
ثم بص لليان.
“البنت دي مش بنتك أصلًا.”
ليان بصتلي بخوف.
نزلت لمستواها.
“بصيلي يا ليان.”
عينيها كانت مليانة دموع.
“إنتي بنتي مهما حصل.”
مسكت إيدي بقوة.
“وإنت مش هتسيبني؟”
“ولا لحظة.”
فجأة سمعنا صوت صفارات شرطة من بعيد.
جلال اتغير وشه.
بص للدكتور سامح.
“إنت اتصلت بيهم؟”
الدكتور رد:
“من أول ما وصلنا.”
جلال رجع للعربيات.
لكن قبل ما يهرب، والدي وقف قدامه.
“خلصت يا جلال.”
جلال ضحك.
“إنت فاكر إن الشرطة هتقدر تثبت حاجة؟”
والدي طلع فلاشة صغيرة.
“كل حاجة مسجلة.”
جلال سكت.
“تحويلات الفلوس، أسماء الأطفال، تسجيلات المستشفى، وحتى أوامر التغيير.”
لأول مرة ابتسامته اختفت.
رجالة الشرطة دخلوا المكان.
جلال حاول يهرب، لكن اتقبض عليه.
بعد ما اتحطت الكلابشات في إيده، بص لمراتي.
“إنتي فاكرة إنك كسبتي؟”
مراتي ردت:
“أنا مش بحاربك علشان أكسب.”
“أنا بحارب علشان ولادي يعيشوا من غير خوف.”
جلال بص لها شوية، وبعدين قال:
“اسألي أمك.”
مراتي قربت منه.
“أمي فين؟”
ابتسم.
“في نفس المكان اللي خبيت فيه ابنك.”
وشها شحب.
“ابني؟”
“أيوه.”
“فينه؟”
جلال سكت.
“لو عايزة تعرفي… دوري في دار الأيتام القديمة.”
اتاخد جلال.
لكن كلماته فضلت معلقة في دماغنا.
بعد ساعات، رجعنا البيت.
ليان نامت في حضني لأول مرة من سنين.
ومريم قعدت جنبها.
كانوا بيتكلموا بهدوء عن المدرسة.
عن الدروس.
عن حاجات عادية جدًا.
وأنا واقف عند الباب وببص لهم.
مراتي وقفت جنبي.
قالت:
“أنا كنت فاكرة إني لو رجعتلك، كل حاجة هتنتهي.”
بصيت لها.
“بس؟”
“طلعت لسه البداية.”
ابتسمت رغم دموعي.
“المهم إنك رجعتي.”
قالت:
“أحمد…”
“نعم؟”
“أنا خايفة.”
“من إيه؟”
“من الحقيقة.”
مسكت إيدها.
“إحنا واجهنا حاجات أصعب.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“بس في حاجة لازم تعرفها.”
“إيه؟”
“أنا لما اختفيت من سنتين…”
توقفت.
“كنت حامل.”
اتجمدت.
“إيه؟”
“كنت حامل منك.”
بصيت لها وأنا مش قادر أتكلم.
“والطفل اللي قالولي إنه مات…”
دموعها نزلت.
“كان ولد.”
قلت:
“والصورة اللي في الملف؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“هو ابننا؟”
قالت:
“أيوه.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت من ورا الباب.
مريم كانت واقفة.
وفي إيدها ورقة.
“أحمد…”
بصيت لها.
“إيه الورقة دي؟”
قالت:
“لقيتها جوه الظرف اللي أخدناه من المقابر.”
فتحت الورقة.
وكان مكتوب عليها عنوان واحد.
“دار الرحمة للأيتام.”
وتحت العنوان:
“الطفل رقم ٦.”
ليان قامت من السرير.
“بابا…”
بصيت لها.
“هنروح نجيب أخويا؟”
سكت.
ثم مسكت إيدها.
“هنروح.”
لكن قبل ما نتحرك، تلفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
محدش اتكلم.
بس سمعت نفس طفل صغير.
وبعدين صوت ولد بيقول:
“بابا؟”
اتجمدت مكاني.
الخط اتقفل.
بصيت لمراتي.
قالت وهي بتبكي:
“ده صوت ابني.”
وفي نفس اللحظة وصلتني رسالة.
صورة لولد صغير واقف قدام بوابة دار أيتام.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“لو عايز ابنك يرجع… متجيبش الشرطة.”
رفعت عيني.
والبيت كله سكت.
لأننا فهمنا إن جلال ما كانش آخر الخيط.
كان فيه حد تاني…
لسه برا.
فضلت ماسك الموبايل وأنا باصص للصورة.
الولد كان واقف قدام بوابة دار الأيتام، لابس جاكت أزرق، وحاطط إيده في جيبه، وباصص للكاميرا كأنه عارف إننا هنشوفه.
مراتي قربت مني.
“أحمد… كبّر الصورة.”
كبرتها.
مريم أخدت الموبايل من إيدي.
“استنى…”
فضلت تبص للصورة شوية.
وبعدين قالت:
“الولد ده مش واقف لوحده.”
بصيت للصورة.
ورا الولد، عند شباك الدور التاني، كان فيه ظل شخص واقف.
مريم قالت:
“حد بيراقبه.”
والدي قال:
“يبقى لسه هناك.”
الدكتور سامح هز راسه.
“لو عايزين نعرف الحقيقة، لازم نروح قبل ما ينقلوه.”
مراتي مسكت إيدي.
“بس الرسالة قالت منجيبش الشرطة.”
بصيت لها.
“مش هنجيب شرطة.”
والدي قال:
“وأنا هاجي معاكم.”
مريم ردت بسرعة:
“وأنا كمان.”
بصيت لها.
“لأ.”
“أنا مش هسيب أختي.”
ليان مسكت إيد مريم.
“وأنا كمان عايزة أروح.”
قلت بحزم:
“إنتوا الاتنين هتفضلوا في البيت.”
ليان زعلت.
“بس ده أخويا.”
قربت منها.
“وعشان كده أنا هجيبهولك.”
خرجنا أنا ومراتي والدكتور سامح ووالدي.
طول الطريق محدش اتكلم.
لحد ما وصلنا لدار الرحمة.
المكان كان قديم جدًا.
بوابة حديد صدية، ومبنى كبير لونه باهت.
دخلنا من الباب الخلفي.
الدكتور سامح أشار لممر ضيق.
“الأوضة اللي فيها الملفات في آخر الممر.”
دخلنا.
الجو كان ساكت بشكل يخوف.
فتحنا أول درج.
ملفات.
تاني درج.
ملفات.
لحد ما لقيت درج مكتوب عليه أرقام.
مديت إيدي.
رقم ٦.
فتحته.
كان فيه ملف صغير.
على الغلاف:
“الطفل رقم ٦.”
فتحت الملف.
اسم الطفل:
“آدم.”
تاريخ الميلاد…
نفس يوم ميلاد ليان.
مراتي حطت إيدها على بوقها.
“آدم…”
قلبت الصفحة.
اسم الأم كان مكتوب:
“نادية…”
مراتي انهارت على الكرسي.
“ابني.”
لكن في آخر الصفحة كان فيه اسم الشخص المسؤول عن تسليم الطفل.
قريته.
واتجمدت.
“ماما…”
مراتي بصتلي.
“إيه؟”
شورت على الاسم.
كان اسم والدتها.
والدي قال:
“يبقى جلال كان بيقول الحقيقة.”




