روايات وقصص

أمي أخفت حملها عني حكايات شروق خالد

“أمي جت تساعدني في رعاية بنتي الصغيرة، وبعد ست شهور، بطنها بدأت تكبر أسبوع ورا التاني. ولما شوفتها وهي بتستفرغ، سألتها بضيق: «إنتِ مخبية عني إيه؟» لكنها ما ردتش. وفي الليلة دي، فتحت تسجيلات كاميرات المراقبة، ولما شفت اللي كانت مخبياه تحت بلوزتها، الموبايل وقع من إيدي.

«مين الراجل ده يا ماما؟ قوليلي مرة واحدة وخلاص! إنتِ جيتي بيتي علشان تساعديني أربي بنتي، ولا علشان تخبي حمل؟»
لسه لحد النهارده بتوجعني الكلمات دي كل ما أفتكرها.
أمي، أمينة عبد الرحيم، كان عندها تلاتة وخمسين سنة. كانت أرملة بقالها تقريبًا عشر سنين، وكانت عايشة لوحدها في بلدة صغيرة في المنوفية. جت القاهرة علشان أنا تقريبًا ترجيتها تساعدني مع هدى، بنتي اللي لسه مولودة.
أنا وجوزي محمود كنا منهكين تمامًا.
كنت شغالة منسقة مشروعات في شركة كبيرة في القاهرة. وبعد ما خلصت إجازة الولادة، رجعت لشغلي في نفس الوقت تقريبًا اللي أهم مشروع في حياتي المهنية كان بيبدأ. ومحمود كمان كان بيشتغل ساعات طويلة، ولا أنا ولا هو كنا مرتاحين لفكرة إننا نسيب هدى مع واحدة غريبة.
أمي ما فكرتش مرتين.
«إنتِ روحي شغلك يا منى، وأنا هاهتم بحفيدتي.»
وفعلًا، أمي اهتمت بأكتر بكتير من مجرد حفيدتها.
لما كنت برجع البيت بالليل، كنت ألاقي هدى متحممة، والهدوم متنية، والأكل سخن، والبيت كله مترتب. وكنت بحاول أعوضها عن كل ده إني أشتريلها هدوم، وفيتامينات، وكريمات غالية، وأحوّل لها فلوس.
لكنها تقريبًا كانت دايمًا ترفض.
«خلي الفلوس للبنت يا حبيبتي.»
أنا وقتها افتكرت إن ده امتنان منها.
دلوقتي فهمت إن شراء الحاجات ليها كان أسهل بكتير من إني أسألها هي عاملة إيه فعلًا.
في الشهر الخامس، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
أمي كانت بتاكل أقل وأقل، لكن بطنها كانت بتكبر.
وفي يوم بعد الظهر، حتى هزارِت معاها.
«بالشكل ده يا ماما، هترجعي المنوفية ببطن مدلع كده.»
ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
«يمكن انتفاخ يا بنتي. وضهري بيوجعني أوي.»
اشتريت لها لصقات للآلام.
ورجعت لشغلي.
بعد كام أسبوع، وشها بقى أنحف، ودراعاتها بانت هزيلة، لكن بطنها على العكس كانت مستديرة ومشدودة.
كان شكلها كأنها حامل.
وأنا كنت لسه خارجة من تجربة حمل بنفسي، فكنت عارفة شكل بطن الحامل كويس.
الفكرة وقتها بدت لي مستحيلة.
وبعدين بدأت تتحول لحاجة مريبة.
كنت عايزة آخدها للدكتور، لكنها رفضت.
«ما تضيعيش فلوسك يا منى، الموضوع هيعدي.»
محمود قال إن غالبًا الإرهاق هو السبب، وإنها تعبانة من الاهتمام بهدى.
وأنا صدقت التفسير ده لأنه كان أسهل بالنسبة لي.
لحد اليوم ده.
رجعت البيت بدري، ولقيت أمي منحنيّة فوق الحمام، بتستفرغ بعنف لدرجة إنها كانت بالكاد قادرة تسند نفسها.
كان محمود واقف في الطرقة.
«منى، أنا شايف إن لازم ناخدها الطوارئ.»
لكن أول ما شفت بطنها الكبيرة، كل الخوف اللي اتراكم جوايا طول الأسابيع اللي فاتت خرج في صورة قسوة.
«ماما، إنتِ مخبية عننا إيه؟»
رفعت وشها وبصتلي.
«إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»
«عن دي!» وأشرت على بطنها. «مين هو؟»
محمود مسك دراعي.
«منى، كفاية.»
شدّيت دراعي منه.
«هي عندها تلاتة وخمسين سنة يا محمود! وهي مخبية حاجة عننا بقالها شهور! ماما، لو إنتِ حامل، قولي وخلاص. بس ما تجيش بيتي وتخلينا نفتكر إنك مريضة، وفي نفس الوقت تفضلي تهتمي ببنتي.»
وشها اتغير.
ما صرختش.
ما دافعتش عن نفسها.
وده كان أسوأ.
بصتلي كأن واحدة غريبة تمامًا واقفة قدامها.
وبعدين مسحت بوقها، وعدّت من جنبي وهي بتسند على الحيطة، ودخلت أوضتها.
ما أكلتش العشا.
وما كلمتنيش تاني.
في الليلة دي، وأنا لسه مقتنعة إني على وشك أكتشف كذبة، فتحت تسجيلات كاميرات المراقبة بتاعت البيت على الكمبيوتر.
رجعت التسجيلات كذا يوم لورا.
شوفت أمي وهي بتجهز زجاجات اللبن الساعة أربعة الفجر.
شوفتها شايلة هدى وهي حاطة إيدها على بطنها.
شوفتها وهي بتستفرغ في المطبخ من غير ما حد يشوفها.
وشوفتها وهي قاعدة على الأرض لما افتكرت إن مفيش حد بيراقبها.
وبعدين لقيت تسجيل اليوم نفسه.
هدى شرقت وهي بتاكل.
أمي جريت عليها، وشالتها، وفضلت تربت على ضهرها بهدوء لحد ما بنتي قدرت تاخد نفسها.
بعد ما أنقذتها، أمي وقعت ضهرها على الحيطة.
البلوزة اترفعت شوية.
وساعتها شفت حاجة متثبتة في بطنها.
كيس طبي.
وتحته كان باين جرح ضخم.
ما كانش فيه حمل.
زوّدت صوت التسجيل.
كانت أمي لوحدها، بتتنفس بصعوبة، وبتهمس لنفسها:
«استحملي شوية كمان يا أمينة… بس لحد ما منى تخلص المشروع. ما ينفعش تعمليلها مشاكل دلوقتي.»
حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
أنا اتهمت الست اللي كانت بتتألم في صمت علشان ما تحملنيش همها، إنها مخبية عني راجل وحمل.
ومع ذلك، لسه ما كنتش قادرة أستوعب الحقيقة اللي هعرفها بعدها.
الموبايل وقع من إيدي المرتعشة وخبط في الأرض الخشب بصوت عالي.
الصوت خوّف محمود، اللي جري عليا وهو بيفرك عينيه من التعب.
«منى؟ مالك؟»
وقف مكانه أول ما شافني بعيط على الأرض.
ما قدرتش أتكلم.
بس أشرت بإصبع مرتعش ناحية الشاشة.
اتفرج على التسجيل، وملامح وشه اتغيرت من الاستغراب للرعب الكامل.
همس:
«يا نهار أبيض…»
ما استنيتش ثانية.
قمت بالعافية وجريت في الطرقة ناحية أوضة أمي.
ما خبطتش حتى.
فتحت الباب ودخلت.
أمي كانت قاعدة على طرف السرير.
ما كانتش نايمة.
كانت بتطوي هدومها بهدوء، وتحطها جوه شنطة صغيرة.
كانت بتجهز نفسها وتمشي.
مجرد ما شفتها بتحزم حاجتها، كل اللي كان باقي من تماسك أعصابي انهار.
وقعت على ركبتي قدامها، ودفنت وشي في حجرها، وفضلت أعيط بعنف لدرجة إني ما كنتش عارفة آخد نفسي.
«أنا آسفة…»
خرج صوتي متقطع.
«ماما، أنا آسفة أوي. أنا شوفت الكاميرات. شوفت الكيس. ليه ما قولتيليش؟ ليه؟»
وقفت عن طي الهدوم.
وببطء، إيديها الضعيفة المرتعشة استقرت فوق راسي، وبدأت تمسح على شعري، بنفس الطريقة اللي كانت بتعملها معايا وأنا طفلة.
قالت بهدوء:
«علشان كنتِ غرقانة في المشاكل يا منى. إنتِ ومحمود كنتوا تايهين ومش عارفين تعملوا إيه. كنتوا محتاجيني.»
«بس إيه اللي عندك؟ إنتِ مالك؟»
سألتها وأنا برفع وشي وببص في عينيها المرهقتين والغائرين.
أخدت نفس طويل ومتقطع.
«سرطان المبيض… مرحلة رابعة.»
الكلمات نزلت عليا كأن حد ضربني في صدري.
«الدكاترة اكتشفوه قبل ما تتصلي بيا من القاهرة بكام أسبوع. عملوا لي عملية طارئة… وده الجرح اللي شوفتيه. وكيس القولون اللي شوفتيه كان بسبب العملية. بس المرض كان انتشر بشكل كبير.»
فضلت باصة لها ومش قادرة أتكلم.
«والانتفاخ…»
الكلمة خرجت مني بصعوبة وأنا بفتكر هزارتي القاسية عن بطنها.
قالت بهدوء:
«سوائل متجمعة في البطن يا بنتي. والكبد بتاعي بدأ يفشل.»
وبعدين كملت:
«الدكاترة في المنوفية قالولي إن قدامي حوالي ست شهور. ولما إنتِ اتصلتي بيا وإنتِ بتعيطي من التعب، وخايفة على شغلك، وبتقولي إنك مش عارفة تعملي إيه مع هدى… أنا أخدت قرار.»
«لأ…»
هزيت راسي بعنف.
«لأ يا ماما. كان لازم تتعالجي! كان لازم ترتاحي!»
ابتسمت ابتسامة حزينة.
«العلاج ما كانش هينقذني يا منى.»
وبصتلي بحنان.
«لو فضلت في المنوفية، كنت هقضي آخر أيامي لوحدي في أوضة مستشفى باردة، موصلة بأجهزة. لكن بدل ده، قدرت أشيل حفيدتي بين إيديا. قدرت أشوفها وهي بتكبر. وقدرت أتأكد إن بنتي بخير وإن حياتها مستقرة قبل ما أمشي. كان أعظم هدية ممكن أطلبها.»
محمود كان دخل الأوضة ووقف عند الباب.
والدموع كانت بتنزل من عينيه في صمت.
«أنا اتهمتك بحاجات بشعة أوي.»
كنت بعيط، والذنب بياكلني من جوا.
«اشتريتلك كريمات غالية بدل ما أسألك إنتِ فعلًا كويسة ولا لأ. خليتك تنظفي بيتي وإنتِ بتموتي.»
أمي سحبتني لحضنها الضعيف.
«إنتِ ما كنتيش تعرفي.»
وبعدين قالت بحنان:
«وأنا ما كنتش عايزاكي تعرفي. كنت عايزة أفضل أمك، مش مريضتك. بس لحد ما تخلصي مشروعك.»
صرخت وأنا أخيرًا فهمت إيه اللي كان مهم فعلًا:
«مش مهم المشروع! ولا مهم الشغل! ولا الفلوس! ولا حاجة من دي لها قيمة!»
تاني يوم، اتصلت بمديري وأخدت إجازة مفتوحة من غير تحديد مدة.
ما اهتمتش بالعواقب.
المشروع اللي كان واخد كل حياتي بقى بالنسبة لي ولا حاجة قدام الست اللي ضحت بآخر أيام عمرها علشان تخلي حياتي أسهل.
ما سبناش أمي ترجع المنوفية.
أنا ومحمود حولنا الصالون لمساحة مريحة ومضيئة علشان تعيش فيها آخر أيامها، وجبنا ممرضة تزورها في البيت وتساعدنا في السيطرة على آلامها.
والشهرين اللي بعدهم كانوا أصعب وأجمل وقت في حياتي.
كنت بطبخ لها، رغم إنها كانت بالكاد قادرة تاكل.
كنت بحممها.
كنت أقعد جنب سريرها مع هدى، وأخلي أمي تمسك إيد حفيدتها الصغيرة لما جسمها بقى أضعف من إنها تشيلها بنفسها.
وأخيرًا، بدأت أديها نفس الحب والاهتمام اللي كانت طول عمرها بتديهولي من غير ما تطلب أي حاجة في المقابل.
بعد تمانية أسابيع، وفي صباح يوم أحد هادي، والنور الذهبي الناعم مالي البيت، أمي أخدت آخر نفس ليها وهي ماسكة إيدي.
كانت هدى نامت على صدرها قبلها بساعة واحدة بس، وصوابعها الصغيرة متعلقة في إبهام أمي الضعيف.
ما كانش فيه أجهزة إنذار.
ما كانش فيه جري على الطوارئ.
وما كانش فيه ممرات مستشفى باردة.
مشت من الدنيا وهي وسط عيلتها، العيلة اللي قضت آخر نفس من عمرها بتحاول تحميها.
بعد العزاء في المنوفية، أنا ومحمود كنا بنرتب البيت الصغير الهادي بتاع أمي.
وأنا بنضف أوضتها، لقيت صندوق خشب قديم صغير مستخبي فوق الرف الأخير في دولابها.
فتحته.
لقيت جواه ظرف مكتوب عليه اسمي بخط إيدها الرقيق.
إيدي بدأت تترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه كانت فيه رسالة واحدة، ملفوفة حوالين صورة قديمة ليا وأنا لسه مولودة، وأنا نايمة بين إيدي أمي.
بدأت أقرأ:
«منى حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى رحلتي خلصت.
أرجوكي سامحي نفسك على الغضب اللي حسيتِ بيه في اليوم ده.
الأم عمرها ما بتفتكر اللحظات اللي بنتها كانت فيها خايفة أو تعبانة.
هي بتفتكر الحب بس.
لما اتصلتي بيا من القاهرة، حسيت إن ربنا اداني هدف أخير في حياتي.
أنا ما جيتش بيتك علشان أموت يا حبيبتي…
أنا جيت علشان أعيش.
في الست شهور دول، وأنا بشوفك وإنتِ بتتحولي لأم، وبسمع ضحكة هدى، عشت حياة كاملة أكتر مما عشت في عشر سنين من الوحدة.
ما تسمحيش للشغل إنه يسرق أيامك من بنتك.
اديها وقتك، مش حاجاتك.
دي كانت آخر رسالة حبيت أعلّمها لك.
وكانت أعظم فرحة في حياتي.»
حطيت الرسالة على صدري، وسيبت دموعي تنزل.
لكن المرة دي، ما كانتش دموع ندم مرير.
كانت دموع امتنان عميق.
أنا ما رجعتش أبدًا للشغل في الشركة.
أنا ومحمود غيرنا حياتنا كلها.
سبنا الجري المستمر ورا الترقيات والمناصب، واخترنا حياة أبسط، وشغل من البيت، وأمسيات هادية من غير استعجال.
ودلوقتي، كل ليلة لما بدخل هدى سريرها، بقعد جنبها وأمسح على شعرها، بنفس الطريقة اللي أمي كانت بتمسح بيها على شعري وأنا صغيرة.
ولما هدى تسألني عن الست الطيبة صاحبة الابتسامة الحنينة اللي صورتها معلقة فوق المكتبة، بقول لها الحقيقة.
بقول لها إن ملاك عاش يومًا في بيتنا…
لكن كان متخفي في صورة جدة، قضت آخر أيام عمرها وهي بتحاول تتأكد إننا كلنا بخير.”
حكايات شروق خالد
عدت سنين بعد وفاة أمي، لكن عمرها ما غابت عن بيتنا.
بالعكس، كل ما الوقت كان بيعدي، كنت بحس إن وجودها حوالينا بيزيد، حتى وهي مش موجودة.
هدى كبرت.
بقت بنت صغيرة مشاغبة، شعرها طويل، وضحكتها عالية، وعندها عادة غريبة إنها كل ما تشوف صورة جدتها، تجري عليها وتبوسها.
كنت بحكيلها عنها كل يوم تقريبًا.
«تيتا أمينة كانت بتحبك أوي.»
فترد عليا وهي بتبص للصورة:
«وأنا كمان كنت بحبها؟»
كنت أبتسم رغم إن قلبي بيتوجع.
«إنتِ كنتِ بتحبيها قبل حتى ما تعرفي يعني إيه حب.»
وفي يوم، وإحنا بنرتب أوضة التخزين، هدى لقت صندوق خشب صغير.
جريت عليا وهي شايله بإيديها.
«ماما! ماما! لقيت صندوق تيتا!»
أول ما شوفته، قلبي دق بسرعة.
كان نفس الصندوق اللي لقيت فيه رسالة أمي.
“لكن المرة دي كان فيه حاجة ما شفتهاش قبل كده.
مفتاح صغير.
ومغلف أبيض مكتوب عليه:
«لمنى… لو في يوم احتجتي تعرفي الحقيقة كاملة.»
إيدي اتجمدت.
محمود كان واقف جنبي.
بصلي وقال:
«افتحيه.»
هزيت راسي.
«مش عارفة ليه خايفة.»
«يمكن علشان كل حاجة تخص أمك لسه بتوجعك.»
فتحت الظرف.
جواه ورقة صغيرة، مكتوب فيها عنوان مستشفى في القاهرة، ورقم ملف طبي.
وتحتهم جملة واحدة:
«ما تخافيش… الحقيقة دي مش عن مرضي.»
بصيت لمحمود.
«يعني إيه؟»
ما عرفش يرد.
في اليوم التالي، سيبت هدى مع خالتها، وروحت أنا ومحمود للمستشفى.
كنت طول الطريق ساكتة.
لحد ما وصلنا.
دخلنا قسم السجلات الطبية، وطلعت الورقة.
الموظفة بصت للرقم، وبعدين رفعت عينيها ليا.
«حضرتك قريبة المريضة؟»
قلت:
«دي أمي.»
اتغيرت ملامحها.
«الملف قديم جدًا، بس موجود.»
بعد دقائق، رجعت بملف بني سميك.
حطيته قدامي.
فتحته.
وفي أول صفحة كان اسم أمي.
لكن الصفحة اللي بعدها خلت الدم يهرب من وشي.
كان فيه تقرير طبي من سنين طويلة، قبل ما أمي تتجوز بابا حتى.
قرأت أول سطر.
وتجمدت.
«فقدان حمل في الشهر الرابع…»
بصيت لمحمود.
«ماما كانت حامل قبل ما تتجوز بابا؟»
قلبنا الصفحات.
كان فيه تقرير تاني.
وبعدين تالت.
وفي النهاية لقيت ورقة مكتوب فيها اسم طفل.
طفل ذكر.
اتولد حي.
لكن الورقة كانت بتقول إنه اتسلم لعائلة تانية بعد الولادة.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا.
«محمود…»
قرب مني.
«إيه؟»
ناولته الورقة.
قرأها.
رفع عينه ليا.
«منى… إنتِ كان ليكي أخ.»
جملة بسيطة.
لكنها قلبت حياتي كلها.
رجعت البيت وأنا مش عارفة أتكلم.
طول الليل فضلت قاعدة قدام صورة أمي.
كنت ببص لوشها وأسألها في سري:
ليه؟
ليه ما قولتيليش؟
مين هو؟
فين هو؟
وليه خبتي عني سر بالحجم ده؟
في الصبح، بدأت أدور في الأوراق اللي كانت في صندوقها.
لقيت إيصال قديم.
وعنوان.
وصورة بالأبيض والأسود لست غريبة شايلة طفل صغير.
وعلى ظهر الصورة، بخط أمي:
«سامحيني يا ابني.»
إيدي ارتعشت.
كان واضح إن أمي كانت عارفة فين هو.
لكن ليه ما حاولتش ترجعه؟
وليه قالت في رسالتها إن أهم درس ليا هو إني أدي بنتي وقتي؟
هل كانت بتحاول تصلح حاجة عملتها زمان؟
فضلت أدور.
لحد ما لقيت جواب تاني.
والجواب كان باسم رجل.
«الحاج سيد.»
بدأت أسأل وأدور، لحد ما وصلت لرجل كبير في السن في منطقة شعبية في القاهرة.
لما قلت له اسم أمي، وشه اتغير.
قال:
«أمينة عبد الرحيم؟»
قلت بسرعة:
«أيوه! حضرتك تعرفها؟»
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
«كنت أعرفها من زمان.»
قلبي دق بسرعة.
«هي كان عندها ابن؟»
الرجل بص للأرض.
«كان عندها ولد.»
«فينه؟»
رفع عينه ليا وقال:
«كبر وبقى راجل.»
«اسمه إيه؟»
هنا حصلت المفاجأة.
الرجل قال اسمًا أنا عمري ما سمعته في حياتي.
لكن بعد ثواني، فتح درج مكتبه وطلع صورة.
مدها لي.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن نفسي اتقطع.
كان شاب في أواخر الثلاثينات.
ملامحه مألوفة بشكل مرعب.
نفس العينين.
نفس شكل الحاجب.
نفس الابتسامة اللي كانت أمي بتبتسمها.
قلت بصوت مرتعش:
«ده… ابنها؟»
الرجل هز راسه.
«أيوه.»
«هو فين؟»
سكت.
وبعدين قال:
«في القاهرة.»
سألته:
«طب ليه أمي سابته؟»
الرجل تنهد.
«هي ما سابتوش علشان كانت مش بتحبه.»
«أمال ليه؟»
قال:
«أمك كانت صغيرة وقتها. أبو الولد مات قبل ما يتولد. وأهلها رفضوا إنها تربيه لوحدها. قالوا لها يا تتجوز الراجل اللي اختاروه لها، يا الولد يتاخد منها.»
شهقت.
«وبعدين؟»
«هي اختارت ابنها.»
بصيت له باستغراب.
«بس التقرير بيقول إنها سلمته لعيلة تانية.»
هز راسه.
«أيوه. علشان تنقذه.»
«تنقذه من إيه؟»
هنا قرب الرجل مني وقال:
«من أبوه الحقيقي.»
اتجمدت.
«أبوه الحقيقي؟»
«الراجل اللي أمك قالت إنه مات… ما ماتش.»
محمود بصلي.
وأنا حسيت إن كل حاجة بدأت تدخل في بعضها.
أمي ما كانتش بس مخبية مرضها.
أمي كانت طول حياتها شايلة سر أكبر.
سر عن طفل.
وأب.
وعيلة.
وحقيقة يمكن تكون أخطر مما تخيلت.
خرجت من عند الرجل وأنا ماسكة الصورة.
طول الطريق كنت ببص لملامح الشاب.
كان اسمه «حسن».
أخويا.
أخويا اللي عشت تلاتين سنة من عمري وأنا ما أعرفش إنه موجود.
لكن قبل ما نوصل البيت، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
«ألو؟»
جالي صوت رجل هادي.
«إنتِ منى؟»
قلت:
«أيوه.»
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
«أنا حسن.»
إيدي بدأت ترتعش.
ما قدرتش أتكلم.
قال:
«أنا عرفت إنك بتدوري عليا.»
بلعت ريقي.
«إنت عارف أنا مين؟»
ضحك ضحكة حزينة.
«عارف.»
سكت شوية.
وبعدين قال:
«وعارف إن أمينة ماتت.»
دموعي نزلت.
«إنت كنت تعرفها؟»
قال:
«كانت أمي.»
قلبي اتكسر.
قبل ما ألحق أقول حاجة، سمعته بيقول:
«بس في حاجة لازم تعرفيها عن آخر مرة شوفت فيها أمنا.»
«إيه؟»
صوته اتغير.
«هي ما كانتش لوحدها.»
سكت.
«كان معاها راجل.»
«مين؟»
قال:
«أبويا.»
وانقطع الخط.
حكايات شروق خالد

فضلت ماسكة الموبايل بعد ما الخط اتقفل، ومش قادرة أستوعب اللي سمعته.
أبويا؟
أنا طول عمري فاكرة إن أبويا هو الراجل اللي اتجوز أمي ورباني معاها، وإنه مات من سنين.
لكن حسن كان بيتكلم عن راجل تاني.
راجل أمي قالت إنه مات قبل ما حسن يتولد.
محمود حط إيده على كتفي.
«منى، لازم نعرف الحقيقة.»
هزيت راسي وأنا بمسح دموعي.
«أنا مش عايزة أسرار تاني. كفاية اللي حصل.»
في اليوم اللي بعده، قابلت حسن.
أول ما شوفته، قلبي اتقبض.
كان شبه أمي بشكل يخوف.
نفس النظرة، نفس طريقة تحريك إيده وهو بيتكلم، وحتى نفس الابتسامة الهادية.
وقف قدامي شوية من غير كلام.
وبعدين قال:
«إنتِ شبهها.»
دموعي نزلت.
«وإنت كمان.»
ابتسم بحزن.
«كنت مستني اليوم ده من سنين.»
قعدنا.
وحسن بدأ يحكي.
أمي كانت عندها حوالي تمنتاشر سنة لما حملت بيه. أبوه الحقيقي، إسماعيل، كان شاب من عيلة غنية ومشهورة، لكن أهله رفضوا جوازه من أمي لأنها كانت من عيلة بسيطة.
لما عرفوا بالحمل، حاولوا ياخدوا الطفل منها.
أمي رفضت.
هربت.
ولما ولدت حسن، كانت عارفة إنها مش هتقدر تحميه لو فضلت معاه.
فوافقت إنه يعيش مع عيلة تانية، بشرط إنها تفضل تعرف أخباره من بعيد.
لكن إسماعيل ما اختفاش.
كان بيراقبها.
ولما أمي اتجوزت بعد كده، ظن إنها دفنت الماضي.
لكنها ما دفنتوش.
كانت بتتابع حسن طول السنين.
وكان حسن عارف إنها أمه من وهو صغير.
بس ما كانش مسموح له يقرب منها.
«طب ليه؟»
سألته وأنا مش فاهمة.
قال:
«لأن أبويا كان مهدده. قال لها لو حاولت تاخدني منه، هيحرمني من كل حاجة، وهيخلي حياتك إنتِ كمان جحيم.»
بصيت له.
«أنا؟»
هز راسه.
«أيوه. بعد ما اتجوزت، بقيتي جزء من التهديد.»
حسيت بوجع في صدري.
أمي قضت عمرها كله وهي بتحمينا من أسرار ما عرفناش عنها حاجة.
حتى وهي بتموت.
طلعت من شنطتي الرسالة اللي كتبتها لي.
حسن قرأها، ولما وصل لآخر سطر، بدأ يعيط.
«كانت بتقول دايمًا إنها عايزة تشوفك سعيدة.»
قلت:
«كانت بتحبك؟»
بصلي باستغراب.
«ده سؤال؟ دي كانت أمي.»
ابتسمت وسط دموعي.
«أنا كنت فاكرة إني بنتها الوحيدة.»
قال:
«وأنا كنت فاكر إني ابنها الوحيد.»
ضحكنا وسط البكاء.
ومن اليوم ده، بدأنا نعرف بعض.
حسن دخل حياتنا.
بقى ييجي البيت، ويقعد مع هدى، ويحكيلها عن جدتها.
وفي أول مرة هدى شافته، جريت عليه وقالت:
«إنت شبه تيتا!»
ضحك حسن.
«وأنا أخو مامتك.»
بصتلي باستغراب.
«يعني خالي؟»
هزيت راسي.
«أيوه يا حبيبتي.»
جريت حضنته.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أمي كانت بتحاول تجمعنا حتى بعد ما مشيت.
مرت سنة.
أنا ومحمود فضلنا عايشين حياتنا بهدوء.
اشتغلنا من البيت، وكبرنا هدى بعيد عن ضغط الحياة اللي كان بيخلينا ننسى بعض.
أما حسن، فبقى جزء أساسي من عيلتنا.
وفي يوم، كنا كلنا قاعدين في الصالون.
هدى كانت بتضحك.
محمود بيحاول يصلح لعبة اتكسرت.
وحسن ماسك صورة أمي.
بصلي وقال:
«تعرفي؟»
«إيه؟»
«أمنا ما كانتش بتخاف من الموت.»
بصيت له.
«كانت بتخاف من حاجة واحدة بس.»
«إيه؟»
قال:
«إننا نعيش حياتنا وننسى نقول لبعض إننا بنحب بعض.»
سكت.
وبصيت ناحية صورة أمي.
وأخيرًا فهمت كل حاجة.
في يوم أنا اتهمتها ظلم.
كنت شايفة بطنها وافتكرت إنها بتخبي حمل.
لكن الحقيقة إنها كانت شايلة وجع سنين.
وفي الوقت اللي أنا كنت مشغولة بشغلي وفلوسي ومشاكلي، كانت أمي بتخوض آخر معركة في حياتها وهي مبتسمة علشان ما تخوفنيش.
ومن يومها، كل ما أشوف هدى وهي بتجري عليا وتقول:
«ماما، اقعدي معايا.»
بسيب كل حاجة.
بقفل اللابتوب.
وبقعد جنبها.
لأن أمي علمتني آخر درس في حياتها.
إن الأطفال مش محتاجين أغلى الألعاب.
ولا أغلى الهدوم.
ولا أم مشغولة طول الوقت علشان توفر لهم كل حاجة.
هم محتاجين حضن.
ووقت.
وحد يسمعهم.
وذكريات حلوة يفضلوا شايلينها معاهم لما يكبروا.
وفي كل ليلة قبل ما أنام، ببص لصورة أمي وبقول:
«سامحيني يا ماما.»
وبعدها أبتسم.
«ووعد مني… مش هضيع وقتي تاني.»
لأن أمي ما سابتليش فلوس.
ولا بيت كبير.
ولا ثروة.
هي سابتلي حاجة أغلى من كل ده.
علمتني إن العمر مهما كان طويل، ممكن يخلص فجأة.
وإن كلمة «بعدين» أحيانًا بتكون أخطر كلمة في الدنيا.
وإن الإنسان ممكن يملك كل حاجة، لكنه يخسر أهم حاجة لو نسي يقضي وقته مع اللي بيحبهم.
وأمي أمينة…
الست اللي قضت آخر ست شهور من عمرها وهي بتخبي مرضها علشان تحميني…
فضلت عايشة في حياتي بعد موتها.
في ضحكة هدى.
في حضن حسن.
في إيد محمود وهي ماسكة إيدي.
وفي كل مرة باختار فيها عيلتي بدل الشغل.
وعرفت أخيرًا إن اللي افتكرته يومًا سرًا تحت بلوزة أمي…
كان في الحقيقة الدليل الأخير على حبها.
حب أم قررت تموت وهي بتخلي بنتها تعيش.
ومن ساعتها، كل ما هدى تسألني:
«ماما، تيتا أمينة كانت ملاك بجد؟»
ببصلها وبقول:
«أيوه يا حبيبتي… كانت ملاك نزل الدنيا فترة صغيرة، ولما خلصت مهمتها، رجعت مكانها.»
وأبوس جبينها.
«بس سابت قلبها هنا… معانا.»
وبكده، لأول مرة من سنين، حسيت إن قلبي هدي.
لأن أمي ما راحتش فعلًا.
هي بس سابتني أكمل الحكاية اللي بدأت يوم ما قالتلي:
«إنتِ روحي شغلك يا منى… وأنا هاهتم بحفيدتي.»
وأنا أخيرًا فهمت إنها ما كانتش بتهتم بهدى بس.
كانت بتعلمني إزاي أحب بنتي قبل ما الوقت يخلص.
وكان ده…
آخر وأجمل درس من أمي.

حكايات شروق خالد”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى