الخدامة قالت كلمة واحدة فأسكتت طفلة زعيم المافيا فورًا… ج1 حكايات شروق خالد

“طول ست ساعات متواصلة، بنت محمود الشناوي الرضيعة كانت بتصرخ لحد ما صوتها الصغير بقى مبحوح. أربع مربيات محترفات كانوا سابوا الشغل في أقل من تلات أسابيع. دكتورة أطفال كشفت عليها مرتين. نوع اللبن اتغير. درجة حرارة أوضتها اتظبطت. ومحمود نفسه كان بيلف في أرضية قصره الكبير في التجمع لحد ما رجليه وجعته، وهو شايل بنته على صدره اللي كان بيخوف رجالة كتير في القاهرة، وبيهمس لها بوعود هو نفسه مش عارف إزاي يحققها.
ولا حاجة نفعت.
لحد الساعة سبعة وتمنتاشر دقيقة مساء يوم خميس والمطر كان نازل بغزارة، لما خدامة بيت مليانة شوية، ومن غير أي شهادات متخصصة في رعاية الأطفال، دخلت أوضة البيبي، شالت الطفلة على كتفها، وهمست بكلمة واحدة:
“لولو.”
البكا وقف.
مش واحدة واحدة.
ولا بعد ما هزتها.
وقف في اللحظة دي.
محمود اتجمد مكانه عند باب الأوضة.
البنت طلعت شهقة صغيرة وهي بتعيط، وبعدها حطت خدها تحت دقن الست، وسكتت تمامًا، لدرجة إن صوت ساعة الحيطة القديمة اللي في آخر الأوضة بقى مسموع بشكل مخيف.
الخدامة الجديدة بصت للطفلة باستغراب.
محمود ما اتحركش.
وقال بصوت هادي، لكنه كان مخيف:
“قوليها تاني.”
بصت له.
“نعم؟”
“الكلمة.”
صوته اتغير.
سارة عبد الرحمن كانت اشتغلت قبل كده في بيوت ناس أغنيا. وكانت عارفة النبرة المسيطرة اللي بيتكلم بيها الرجالة اللي متعودين إن كل اللي حواليهم ينفذوا أوامرهم من غير نقاش.
لكن ده كان مختلف.
محمود الشناوي كان واقف قدامها كأنه سمع حد بيناديه من قبر.
قال:
“إنتِ سميتي بنتي إيه؟”
سارة ضمت البيبي أكتر لصدرها.
“أنا… مش عارفة. الكلمة طلعت مني كده.”
“قوليها.”
“لولو.”
لون وش محمود اختفى.
الاسم ده كان خاص بمراته.
مش ليلى.
ومش لولو اللي كل الناس كانوا بينادوها بيها.
لولو.
شخص واحد بس في الدنيا كان بينادي ليلى بالاسم ده.
أمها.
وأم ليلى كانت ماتت من حوالي عشر سنين.
محمود دخل الأوضة وقفّل الباب وراه.
وبص لسارة مباشرة.
“إنتِ مين؟”
سارة بصت له باستغراب.
“أعتقد إن مكتب التوظيف قال لحضرتك أنا مين.”
“أنا بسألك إنتِ.”
“سارة عبد الرحمن. ساكنة في الجيزة. بشتغل في تنظيف البيوت. اشتغلت سبع سنين في دار رعاية كبار السن قبل ما أمي تتعب. ومن وأنا صغيرة وأنا برعى أولاد أختي. دي كل حاجة.”
محمود فضل يبصلها.
“إزاي عرفتي الاسم ده؟”
“معرفش.”
“الإجابة دي مستحيلة.”
“دي الإجابة الوحيدة اللي عندي.”
برق نور السما من ورا الشبابيك العالية.
سارة بصت للبيبي تاني، وهي بتحاول تفهم ليه الكلمة دي طلعت منها.
اسم الطفلة كان مليكة الشناوي.
محمود كان قال لها ده قبل ما تطلع للأوضة.
لكن أول ما سارة شالتها من السرير وشافت بوقها الصغير المرتعش، وجبهتها المتجعدة، والدموع اللي بتنزل على خدودها، اسم تاني طلع جواها بإحساس غريب، كأنها بتفتكره من زمان.
لولو.
حركت مليكة شوية بين دراعاتها.
وفجأة كم هدوم الطفلة اترفع.
سارة وقفت نفسها.
نَفَسها انحبس.
على الجزء الداخلي من رسغ مليكة الشمال، كان فيه أثر ولادة على شكل هلال صغير.
ركبها كادت تخونها.
“يا نهار أبيض…”
محمود قرب منها بسرعة.
“في إيه؟”
سارة قعدت فجأة على كرسي الهزاز.
“العلامة دي… جت لها منين؟”
“إيه؟”
“العلامة.”
بص على رسغ مليكة.
“اتولدت بيها.”
عيون سارة املت بالدموع قبل ما تقدر تمنعها.
محمود شكه زاد.
“إيه اللي بيحصل؟”
سارة بصت للهلال الصغير.
“أنا كنت أعرف حد عنده نفس العلامة.”
تعبير وش محمود اتغير.
سارة رفعت عينيها له.
“اسمها ليلى.”
ولأول مرة من سنين، محمود الشناوي نسي تمامًا إزاي يخبي صدمته.
كان عنده واحد وأربعين سنة، وقضى معظم حياته كرجل بالغ وهو بيبني لنفسه اسم يخلي أقوى الرجالة يفكروا مرتين قبل ما يعارضوه.
عيلته كانت مسيطرة على شركات شحن ومقاولات ونوادي خاصة، وكمان شوية أعمال مشبوهة محدش بيتكلم عنها في حفلات رجال الأعمال.
كان يقدر يدخل أوضة مليانة رجالة غاضبين، وبمجرد ما يتكلم، الجو كله يهدى من غير ما يرفع صوته.
لكن دلوقتي…
مش قادر يفهم الست اللي قاعدة قدامه في أوضة بنته.
قال بصوت مبحوح:
“مراتي؟”
سارة هزت راسها ببطء.
“كنتِ تعرفي ليلى؟”
“كانت أعز صاحبة ليا.”
وش محمود اتقفل في لحظة.
“لأ.”
سارة اتوترت.
“أنا بقول لحضرتك الحقيقة.”
“أنا عرفت ليلى تسع سنين. اتجوزتها. كنت عارف أصحابها.”
“إنت كنت عارف أصحابها اللي عرفتهم بعد ما اتجوزتك.”
الكلمة خرجت منها أقسى مما كانت تقصد.
محمود فضل يبصلها.
سارة بلعت ريقها.
“أنا كنت أعرفها قبل كل ده.”
عينيها اتحركت في أنحاء الأوضة، ناحية السقف المزخرف، والأثاث الغالي، والبطاطين المطرزة باسم الطفلة، وكل تفاصيل الثراء اللي مالية المكان.
“إحنا كنا بنكبر في نفس المنطقة في القاهرة. نفس المدرسة الابتدائية، ونفس المدرسة الإعدادية. أمها كانت بتشتغل بالليل في صيدلية، وأبويا كان صنايعي تصليح أجهزة.”
ابتسمت سارة ابتسامة حزينة.
“ليلى تقريبًا كانت عايشة عندنا من وهي عندها تمن سنين.”
محمود قعد على الكرسي اللي قدامها.
مليكة لسه نايمة.
سألها:
“كنتِ بتناديها بإيه؟”
“غالبًا لي لي.”
“طب ليه لولو؟”
سارة مسحت دمعة نزلت على خدها.
“أمها كانت بتناديها كده وهي صغيرة. سمعتها كتير لدرجة إني بقيت بناديها بيها أنا كمان. بس ليلى كانت بتكره الاسم ده لما كبرنا.”
ابتسامة حزينة ظهرت على وش سارة.
“كانت بتهددني إنها هترمي عليا مية نار لو ناديتها كده قدام أي ولد.”
محمود غمض عينيه.
الكلام ده كان شبه ليلى.
مش ليلى الأنيقة اللي كانت بتقف جنبه في حفلات رجال الأعمال.
ومش ليلى اللي كانت بتتصور معاه في المناسبات.
دي كانت ليلى بتاعته هو.
الست اللي مرة بدلت الويسكي اللي في مكتبه بعصير قصب لأنه نسي ذكرى جوازهم.
والست اللي طلعت حافية فوق سطح أول بيت عاشوا فيه، وقت ما السما كانت مليانة نجوم، وفضلت تتحداه يطلع وراها.
والست اللي جنازتها كانت من تمانية وتلاتين يوم.


