
“لسه زي ما إنت.”
ياسين تقدم خطوة.
“كريم؟”
الرجل هز رأسه.
“أخيرًا عرفت اسمي.”
ليلى وقفت بينهما.
“كريم، انتهى كل شيء.”
ضحك.
“لا يا ليلى.”
ثم بص لياسين.
“لسه البداية.”
ياسين قال:
“إنت ابني؟”
كريم سكت.
وبعدين قال:
“مش بالمعنى اللي في بالك.”
ياسين ضغط على أسنانه.
“اتكلم عدل.”
كريم أخرج ظرفًا من جيبه.
“اقرأ.”
رماه على الأرض.
سليم انحنى وأخذه.
فتحه.
كانت فيه أوراق قديمة.
تقارير مستشفى.
تحاليل.
وشهادة ميلاد.
ياسين خطف الورق من إيده.
قرأ الاسم.
ثم تجمد.
“كريم ياسين المنصوري.”
ليلى أغمضت عينيها.
ياسين رفع رأسه إليها.
“ده ابني؟”
ليلى لم تستطع الكلام.
كريم قال:
“أنا ابنك فعلًا.”
ياسين حس إن رجليه مش شايلينه.
“إزاي؟”
كريم اقترب.
“لأن ليلى كانت حامل قبل ما تتجوزك.”
الصمت ساد المكان.
هانا شهقت.
ياسين بص إلى ليلى.
“قبل ما تتجوزيني؟”
ليلى قالت بسرعة:
“اسمعني.”
لكنه رفع إيده.
“قبل ما تتجوزيني؟”
“أيوه.”
“مين الأب؟”
ليلى لم تجب.
كريم قال:
“أنت.”
ياسين نظر إليه.
“مستحيل.”
“كنت صغير.”
“أنا كنت عندي خمس وعشرين سنة.”
“وأنا كنت موجود.”
ياسين لم يفهم.
كريم مد له صورة أخرى.
كانت صورة لياسين في عمر خمسة وعشرين.
وبجواره ليلى.
وخلفهما شاب آخر.
لكن الشاب كان وجهه ممزقًا من الصورة.
قال كريم:
“دي أول مرة شفت فيها أبويا.”
ياسين قلب الصورة.
وجد تاريخًا.
كان قبل زواجه من ليلى بعام.
قال:
“أنا مش فاكر اليوم ده.”
ردت ليلى:
“لأنك كنت مصاب.”
“إيه؟”
“كنت في المستشفى بعد محاولة اغتيال.”
ثم اقتربت منه.
“وأنا كنت معاك.”
ياسين بدأ يفتكر.
رائحة مستشفى.
ضوء أبيض.
امرأة تمسك إيده.
لكن ذاكرته كانت مشوشة.
قال:
“إنتِ كنتِ حامل وقتها.”
هزت ليلى رأسها.
“أيوه.”
“وليه ما قلتيليش؟”
“لأن أبوك كان عايز الطفل.”
ياسين نظر إليها باستغراب.
“أبويا؟”
“كان عايز يستخدمك.”
ثم نظرت إلى كريم.
“ولما عرف إنك هتخلف، خطف الطفل.”
كريم ضحك بمرارة.
“ما اتخطفتش.”
سكت.
“أنا اتربيت عنده.”
ياسين سأله:
“يعني إيه؟”
“يعني أبوك خلاني أعيش طول عمري وأنا فاكر إنك ميت.”
اقترب كريم.
“قال لي إن أبوي الحقيقي مات قبل ما أشوفه.”
ياسين شعر بالغضب.
“وليه ظهرت دلوقتي؟”
كريم قال:
“لأن أبوك مات.”
ثم نظر إلى ليلى.
“ولأنها رجعت.”
سكت الجميع.
قال كريم:
“لكن في حاجة محدش قالهالك.”
ياسين قال:
“إيه؟”
كريم أخرج هاتفه.
فتح تسجيلًا صوتيًا.
صوت رجل عجوز خرج من الجهاز.
كان صوت والد ياسين.
“لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مت.”
ياسين تجمد.
“يا ابني، الحقيقة إن العيلة كلها مبنية على كذبة.”
ثم صمت التسجيل.
عاد الصوت:
“أنا ما كنتش أبوك الحقيقي.”
ياسين رفع رأسه ببطء.
كريم نفسه بدا مصدومًا.
ليلى أغمضت عينيها.
والتسجيل استمر:
“أبوك الحقيقي هو الراجل اللي قضى حياته يحميك.”
ثم توقف الصوت.
نظر ياسين إلى عم حسان.
الرجل العجوز كان يبكي.
قال ياسين:
“عم حسان؟”
حسان لم يرد.
اقترب ياسين منه.
“إنت أبويا؟”
رفع حسان عينيه.
وبصوت مكسور قال:
“أيوه.”
تراجع ياسين خطوة.
ثم خطوة أخرى.
“يعني كل حياتي…”
حسان قال:
“أنا كنت بحاول أحميك.”
“من مين؟”
حسان بكى.
“من عيلتك.”
ياسين صرخ:
“إنت اللي قتلت أبويا؟”
هز حسان رأسه.
“لا.”
ثم قال:
“أنا قتلت الراجل اللي قتل أمك.”
سكت ياسين.
“أمي؟”
حسان قال:
“أمك ما ماتتش في الحادث اللي اتقال لك عليه.”
ليلى اقتربت.
“ياسين…”
لكن ياسين رفع يده.
كان عاجزًا عن استيعاب أي شيء.
ثلاث سنين من الحزن.
ثلاث سنين من الانتقام.
ثلاث سنين وهو بيعتقد إن ليلى ماتت.
ثم اكتشف إنها حية.
اكتشف إن عنده بنت.
اكتشف إن عنده ابن.
والآن اكتشف إن الرجل الذي رباه لم يكن أباه.
وأن الرجل الذي ظنه مجرد خادم عجوز…
كان والده الحقيقي.
جلس ياسين على أقرب كرسي.
حط إيده على رأسه.
ثم قال:
“أنا عايز أعرف الحقيقة كلها.”
حسان مسح دموعه.
“هقولك.”
“من الأول.”
“من الأول.”
لكن قبل ما يبدأ، انطلقت رصاصة من خارج الغرفة.
ثم أخرى.
صرخ سليم:
“انزلوا!”
سقط عم حسان على الأرض.
ياسين اندفع ناحيته.
“عم حسان!”
كان هناك دم على قميصه.
ليلى صرخت:
“حسان!”
رفع الرجل عينيه بصعوبة.
همس:
“اهرب…”
“مين؟”
“كريم…”
ياسين التفت.
كريم لم يكن موجودًا.
باب الممر كان مفتوحًا.
اختفى.
ياسين قام بسرعة.
“سليم! اقفل كل أبواب القصر!”
لكن قبل أن يتحرك سليم، جاء صوت من مكبرات الصوت.
صوت كريم.
“متتعبش نفسك يا ياسين.”
ثم ضحكة قصيرة.
“أنا ما جيتش أقتلك.”
صمت لحظة.
“أنا جيت أخد نور.”
ياسين التفت ناحية المكتب.
كان الباب مفتوحًا.
هانا كانت على الأرض.
أما نور…
فلم تكن موجودة.
اتسعت عينا ياسين.
صرخ:
“نوووور!”
وفي نفس اللحظة، وصلته رسالة على هاتفه.
صورة لنور.
كانت قاعدة داخل سيارة سوداء.
وبجوارها رجل لم يظهر وجهه.
وتحت الصورة:
“لو عايز بنتك ترجع…”
“هات لي ليلى.”
ياسين رفع عينيه إلى زوجته.
ولأول مرة منذ ظهورها…
رأى الخوف الحقيقي في عينيها.
لأنها قالت بصوت مرتعش:
“هو مش عايزني أنا.”
سألها:
“أمال عايز إيه؟”
ليلى بصت للصورة.
ثم قالت:
“عايز السر اللي أخفيته عنك تلات سنين.”
“أي سر؟”
أخذت نفسًا عميقًا.
وقالت:
“نور مش هي الطفلة الوحيدة اللي اتولدت ليلة الانفجار.”
حكايات شروق خالد
ياسين حس إن قلبه وقف.
“يعني إيه؟”
ليلى كانت بتبص له بعينين مليانة خوف.
“نور كان ليها توأم.”
سكت الجميع.
“توأم؟”
هزت ليلى رأسها.
“أيوه. ولد.”
ياسين قرب منها.
“فينه؟”
قالت بصوت مكسور:
“اتاخد مني ليلة الانفجار.”
“مين أخده؟”
“أبوك.”
تجمد ياسين.
“بس إنتِ قلتي إن أبويا الحقيقي كان عم حسان.”
“أنا كنت أقصد الرجل اللي رباك.”
ثم أضافت:
“الرجل ده كان عارف إنك هتكتشف يومًا إن ليك طفلين. وكان عايز يسيطر على الاتنين.”
ياسين قبض إيده.
“والولد؟”
ليلى نظرت ناحية الهاتف.
“كريم.”
الصمت نزل على المكان.
ياسين فهم فجأة.
كريم لم يكن أخاه.
ولم يكن ابنه بالمعنى الذي ظنه.
كان توأم نور.
طفله هو وليلى.
قال ياسين:
“يعني الرسالة…”
“كريم هو اللي بعتها.”
“وهو عايز نور ليه؟”
قالت ليلى:
“عشان يثبت لنفسه إنه مش طفل ضاع من أبوه وأمه.”
ثم بكت.
“هو عايز يعرف ليه اتساب.”
ياسين أمسك يدها.
“هنرجع بنتنا.”
ثم التفت إلى سليم.
“هاتلي مكان العربية.”
بعد عشر دقائق، كان ياسين خارج القصر.
لم يأخذ معه إلا سليم وأربعة رجال.
كان هاتفه متصلًا بالرقم المجهول.
جاء صوت كريم:
“لو حاولت تجيب رجالتك، نور هتموت.”
قال ياسين:
“مش هجيب حد.”
“ومتكدبش.”
“أنا جاي لوحدي.”
“وعايز ليلى.”
“هتكون معايا.”
سكت كريم.
ثم قال:
“تعالَ للمخزن القديم عند الميناء.”
وأغلق الهاتف.
وصل ياسين بعد نصف ساعة.
المكان كان مهجورًا.
دخل وحده.
في الداخل، كانت نور جالسة على كرسي، ويديها مربوطتين، لكن لم يكن عليها أي أذى.
وبجوارها كان كريم.
وأمامهما وقفت ليلى.
قال كريم:
“أهو أخيرًا جمعت العيلة.”
ياسين قال:
“سيب نور.”
“هسيبها.”
ثم نظر إلى ليلى.
“بعد ما تقول الحقيقة.”
ليلى أغمضت عينيها.
“أنا اللي سلمتك لأبو ياسين.”
تجمد ياسين.
“إيه؟”
كريم ابتسم بمرارة.
“كنت عارف.”
قالت ليلى:
“أنا كنت فاكرة إنهم هيحموك.”
ثم نظرت إلى كريم.
“لكنهم أخدوك.”
نزلت دموعها.
“وأنا فضلت أدور عليك تلات سنين.”
قال كريم:


