
“خديها وادخلي المكتب.”
هانا هزت رأسها.
“بس…”
“دلوقتي!”
دخلت هناء المكتب وهي تحمل نور.
ثم أغلق سليم الباب من الخارج.
ياسين أمسك سلاحه.
قال:
“عم حسان.”
“نعم؟”
“إنت عارف الممر السري.”
الرجل العجوز صمت.
قال ياسين:
“دلني عليه.”
“ليه؟”
“عشان أعرف مين دخل بيتي.”
سكت حسان لحظة.
ثم مشى ناحية لوحة قديمة معلقة على الحائط.
رفعها.
ضغط على جزء صغير خلفها.
فتح جزء من الحائط.
ظهر ممر مظلم.
ياسين نظر إليه.
“من إمتى الممر ده موجود؟”
قال حسان:
“من أيام جدك.”
دخل ياسين.
سليم خلفه.
وبعد دقائق وصلوا إلى غرفة تحت الأرض.
كانت الغرفة مضاءة بمصباح واحد.
وعلى الحائط…
كانت هناك صور.
صور لياسين.
صور لليلى.
صور لهانا.
صور لنور.
وصور لأحمد.
ياسين اقترب من الحائط.
ثم توقف.
لأنه وجد صورة لم تُلتقط منذ ثلاث سنوات.
صورة حديثة.
ليلى كانت واقفة فيها.
حية.
وبجوارها رجل.
رفع ياسين الصورة.
ثم تجمد.
الرجل الواقف بجوارها كان…
والاس، حارس العائلة القديم.
لكن المشكلة أن والاس كان ميتًا من ستة أشهر.
التفت ياسين إلى سليم.
“الصور دي مين بيصورها؟”
سليم قال:
“مش عارف.”
وفجأة…
اشتغل جهاز تسجيل قديم في الغرفة.
خرج صوت ليلى.
“ياسين…”
تجمد.
“لو بتسمع التسجيل ده، يبقى وصلت للمكان اللي حاولت أخبيه عنك.”
صمت التسجيل لحظة.
ثم قالت:
“أنا ما متش في الانفجار.”
ياسين أغلق عينيه.
“أنا كنت عارفة إن حد من أقرب الناس ليك هو اللي بيحاول يقتلك.”
ثم جاء صوتها أكثر خوفًا:
“لكن اكتشفت حاجة أسوأ.”
ياسين اقترب من الجهاز.
“نور مش بنت هناء.”
توقف قلبه تقريبًا.
ثم جاء صوت ليلى:
“نور بنتي.”
انفتح باب الغرفة خلفه فجأة.
التفت ياسين.
كانت هناء واقفة هناك.
وعينيها مليانة دموع.
قالت:
“كنت مستنية اليوم ده من سنتين.”
ياسين رفع سلاحه.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
هزت هناء رأسها.
“أيوه.”
“نور بنت ليلى؟”
“أيوه.”
“وأحمد؟”
هانا أغمضت عينيها.
“أحمد ما كانش جوزي.”
تجمد ياسين.
قالت:
“كان واحد من رجال ليلى.”
“وكان هو اللي أنقذ نور ليلة الانفجار.”
ياسين اقترب منها.
“فين ليلى؟”
هانا بكت.
ثم قالت:
“قريبة منك أكتر مما تتخيل.”
وفي نفس اللحظة، رن هاتف ياسين مرة أخرى.
نفس الرقم المجهول.
رد.
لكن المرة دي…
ما كانش صوت ليلى.
كان صوت رجل.
قال:
“خلصت اللعبة يا ياسين.”
ثم أضاف:
“بص وراك.”
التفت ياسين ببطء.
وعند مدخل الغرفة…
كانت واقفة امرأة ترتدي معطفًا أسود.
وشعرها بني طويل.
ووجهها نصفه في الظلام.
لكن عينيها…
كان يعرفهما جيدًا.
كانت عينا ليلى.
حكايات شروق خالد
وقفت المرأة عند باب الغرفة من غير ما تتحرك.
ياسين ما قدرش يتنفس.
ثلاث سنين كاملة كان بيحلم باللحظة دي.
ثلاث سنين كان بيتمنى يسمع صوتها، يشوف ضحكتها، حتى لو لدقيقة واحدة.
لكن دلوقتي، وهي واقفة قدامه فعلًا، عقله رفض يصدق.
قال بصوت مبحوح:
“ليلى؟”
المرأة لم تجب.
هانا كانت تبكي خلفه.
أما سليم فرفع سلاحه فورًا، لكنه لم يعرف هل يوجهه إليها أم إلى الممر.
اقترب ياسين خطوة.
“قولي إنك ليلى.”
رفعت المرأة وجهها ناحية الضوء.
وفي اللحظة دي، ظهر وجهها كاملًا.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الشامة الصغيرة أسفل أذنها.
حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبها الأيسر.
ياسين تراجع خطوة كأنه تلقى ضربة.
“مستحيل.”
قالتها بصوت خافت:
“أنا عارفة إنك مش هتصدق.”
اقترب منها.
“إنتِ مت.”
“عارفة.”
“أنا دفنتك.”
“عارفة.”
“أنا شفت العربية وهي بتنفجر.”
سكتت ليلى.
ثم قالت:
“أنت شفت العربية.”
توقفت لحظة.
“بس ما شفتنيش جواها.”
شعر ياسين أن الأرض تتحرك تحت قدميه.
قال:
“إزاي؟”
اقتربت منه ببطء.
“قبل الانفجار بسبع دقايق، حد خدني من العربية.”
“مين؟”
“أحمد.”
هانا أغمضت عينيها.
ياسين التفت إليها.
“أحمد كان عايش؟”
قالت هناء:
“أيوه.”
ثم ابتلعت ريقها.
“كان شغال مع ليلى من سنين.”
سليم قال بصدمة:
“شغال معاها في إيه؟”
ليلى ردت بنفسها:
“في مراقبة الناس اللي حوالي ياسين.”
ياسين ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة.
“يعني مراتي كانت بتراقبني؟”
“كنت بحاول أحميك.”
“من مين؟”
اقتربت ليلى.
“من عيلتك.”
الصمت نزل على الغرفة.
ياسين ثبت عينيه فيها.
“عيلتي؟”
هزت رأسها.
“أبوك ما ماتش طبيعي.”
تجمد ياسين.
كان والده قد توفي قبل سبع سنوات بسبب أزمة قلبية.
هذا ما أخبروه به.
قال:
“أبويا مات بأزمة قلبية.”
“دي كانت الرواية اللي اتقالت لك.”
“مين قتله؟”
ليلى بصت ناحية عم حسان.
الرجل العجوز أنزل رأسه.
ياسين التفت إليه.
“إنت كنت عارف؟”
قال حسان بصوت مكسور:
“كنت عارف إن أبوك ما ماتش طبيعي.”
“وسكت؟”
“كنت بحميك.”
ياسين صرخ:
“تحميني من إيه؟!”
رد حسان:
“من نفس الناس اللي قتلوا أبوك.”
ليلى اقتربت.
“والناس دول لسه موجودين.”
“مين؟”
نظرت إليه مباشرة.
“أقرب شخص ليك.”
بدأ ياسين يستعيد كلام محمود.
“الراجل اللي وقف جنبي في الجنازة…”
رفع عينيه نحو عم حسان.
لكن ليلى هزت رأسها.
“مش هو.”
ثم أضافت:
“الليلة دي، الشخص اللي بيحاول يقتلك موجود في القصر.”
سليم أمسك سلاحه بقوة.
“مين؟”
ليلى نظرت إلى ياسين.
“أخوك.”
ياسين تجمد.
“أنا معنديش أخ.”
قالت:
“عندك.”
هز رأسه بعنف.
“أنا ابن وحيد.”
“ده اللي اتقال لك.”
ثم مدت يدها داخل معطفها وأخرجت صورة قديمة.
وضعتها أمامه.
كانت صورة لرجل وامرأة شابين.
وفي المنتصف طفلان.
ياسين عرف نفسه فورًا.
كان عمره وقتها حوالي خمس سنين.
أما الطفل الآخر…
فكان أكبر منه بسنتين.
ياسين أمسك الصورة.
“مين ده؟”
قالت ليلى:
“اسمه كريم.”
سليم اقترب.
“كريم مين؟”
ليلى قالت:
“كريم المنصوري.”
اتسعت عينا ياسين.
“الاسم ده…”
سكت.
كان قد سمعه من قبل.
من ملفات قديمة تخص العائلة.
رجل كان يُقال إنه اختفى في حادث وهو طفل.
لكن الملف اختفى بعدها.
قال ياسين:
“كريم مات.”
ردت ليلى:
“لا.”
ثم نظرت إلى سليم.
“كريم هو اللي دخل القصر الليلة.”
وفجأة…
انطلقت صفارات الإنذار.
ثم دوّى انفجار قوي في الطابق العلوي.
اهتزت الجدران.
سقطت بعض الصور من الحائط.
نور بدأت تصرخ من المكتب.
هانا جريت ناحية الباب.
لكن ياسين سبقها.
فتح الباب بعنف.
كانت نور واقفة في منتصف المكتب، تبكي.
“ماما!”
جريت ناحية هناء.
لكن قبل ما توصل لها، ظهر رجل عند النافذة.
كان طويلًا.
لابس بدلة سوداء.
وفي إيده مسدس.
صرخ سليم:
“انزلوا!”
أطلق الرجل رصاصة.
لكن ياسين اندفع وأمسك نور، وانخفض بها خلف المكتب.
الرصاصة ضربت الحائط.
سليم أطلق النار.
الرجل هرب من النافذة.
اندفع سليم وراءه.
أما ياسين فظل يحتضن نور.
الطفلة كانت ترتعش.
قالت:
“مستر ياسين…”
“أنا هنا.”
“الراجل ده كان عايز ياخدني.”
شد ياسين عليها أكثر.
“مش هياخدك.”
ثم نظر إلى ليلى.
“إنتِ عرفتي من البداية إن نور بنتك؟”
ليلى سكتت.
“أيوه.”
“وليه خبيتيها عني؟”
دموعها نزلت.
“لأن لو عرفوا إن نور بنتك، كانوا هيقتلوك.”
“مين كانوا؟”
قالت:
“كل اللي بيحصل من أول يوم كان علشان حاجة واحدة.”
ياسين اقترب.
“إيه؟”
نظرت إلى نور.
ثم قالت:
“علشان نور.”
“ليه؟”
“لأن أبوك قبل ما يموت، كتب كل ممتلكاته باسم وريثه الحقيقي.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“والوريث الحقيقي مش أنت.”
ياسين نظر إليها بذهول.
ليلى قالت:
“نور.”
الصمت كان أقسى من أي طلقة.
هانا ضمت نور إلى صدرها.
أما ياسين فظل ينظر إلى الطفلة.
“يعني…”
لم يكمل.
ليلى قالت:
“أبوك كان عارف إنك هتبقى هدف.”
ثم اقتربت منه.
“فحط شرط.”
“إيه الشرط؟”
“إن كل ثروته ونفوذه ينتقلوا لأول طفل شرعي ليك.”
ياسين نظر إلى نور.
ثم قال:
“بس أنا ما عنديش أطفال.”
ليلى ابتسمت وسط دموعها.
“عندك.”
أمسكت يده.
“نور بنتك.”
تجمد ياسين.
“إيه؟”
قالت:
“أنا كنت حامل منك وقت الانفجار.”
لم يسمع ياسين بقية الكلام.
كأن كل أصوات العالم اختفت.
نظر إلى نور.
نفس عينيه.
نفس شكل يده الصغيرة.
نفس الغمازة التي تظهر عندما تبتسم.
ثلاث سنين كان فاكر إنه فقد كل شيء.
لكن الحقيقة…
كان عنده بنت طوال الوقت.
بنت كانت بتعيش في نفس القصر.
وكانت بتدخل حياته كل يوم من غير ما يعرف إنها ابنته.
اقتربت نور منه.
وقالت بصوت طفولي:
“مستر ياسين…”
نزل على ركبته أمامها.
“نعم يا نور؟”
“إنت زعلان؟”
ياسين حاول يتكلم.
لكن صوته خانَه.
ضمها إلى صدره.
وبكى.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
بكى قدام الناس.
قدام سليم.
قدام هناء.
قدام عم حسان.
وقدام ليلى.
ثم همس في أذن ابنته:
“أنا آسف.”
نور سألت:
“على إيه؟”
أغمض عينيه.
“عشان اتأخرت عليكي.”
رفعت الطفلة ذراعيها الصغيرتين حول رقبته.
وقالت:
“مش مهم.”
ثم ابتسمت.
“بس متاكلش لوحدك تاني.”
ضحك ياسين وسط دموعه.
وقال:
“وعد.”
لكن في اللحظة نفسها، رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
“ياسين…”
رفع ياسين عينيه.
“إيه؟”
سليم قال:
“وصلتني رسالة من رقم مجهول.”
“مكتوب فيها إيه؟”
بلع سليم ريقه.
ثم قرأ:
“لو ياسين عرف إن نور بنته، يبقى لازم يعرف الحقيقة التانية.”
توقفت أنفاس الجميع.
قلب ياسين انقبض.
“إيه الحقيقة التانية؟”
سليم قلب الهاتف.
وكانت هناك صورة جديدة.
صورة التقطت منذ دقائق فقط.
نور واقفة بجوار ياسين.
لكن خلفهما، على شاشة المراقبة، كان يظهر رجل يقف في نهاية الممر.
الرجل نفسه الموجود في الصورة القديمة.
كريم.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“أنا مش أخوك يا ياسين.”
ثم وصلت رسالة أخرى.
“أنا ابنك.”
حكايات شروق خالد
ياسين فضل باصص للموبايل كأنه مش فاهم اللي شايفه.
“أنا ابنك.”
الكلمتين كانوا كفاية يهدوا كل حاجة جواه.
بص لنور، وبعدين لليلى، وبعدها لهانا.
“حد يشرحلي.”
ليلى كانت واقفة قدامه، وشها شاحب.
قالت:
“الرسالة دي كذب.”
ياسين رفع عينيه لها.
“إنتِ متأكدة؟”
“أيوه.”
“يبقى مين كريم؟”
قبل ما تجاوب، اتسمع صوت خطوات في الممر.
كل الموجودين التفتوا.
سليم رفع سلاحه.
لكن الخطوات ما كانتش خطوات حد بيهرب.
كانت خطوات هادية.
ثابتة.
وبعدين ظهر رجل في نهاية الممر.
كان في أوائل الأربعينات.
طويل، شعره أسود، وملامحه فيها شيء غريب.
شيء مألوف.
ياسين بص له للحظات.
ثم شعر بقشعريرة تسري في جسمه.
الرجل كان يشبهه.
مش شبه عادي.
كان فيه نفس شكل العينين.
نفس الحاجب.
نفس طريقة الوقوف.
لكن ملامحه كانت أكبر سنًا.
قال الرجل:
“مساء الخير يا ياسين.”
سليم وجه سلاحه نحوه.
“ارفع إيدك.”
الرجل ابتسم.




