منوعات

اتصل بيا جوزي من المستشفى وقال: «في طفلة هنا»… حكايات شروق خالد

.الساعة كانت حوالي 4 العصر يوم التلات، لما جوزي اتصل بيا من مستشفى في القاهرة.

صوته كان غريب، متوتر، كأنه بيحاول يخبّي حاجة.

قال لي: «لازم تيجي المستشفى. في طفلة هنا.»

اتخضيت وقلت: «حسن… طفلة مين؟»

سكت شوية، وبعدين قال: «أرجوكي يا نادية… تعالي بس.»

قفلت معاه وأنا مش فاهمة حاجة، وسُقت عربيتي وأنا لسه لابسة نفس هدوم البيت اللي كنت بنضف بيها المطبخ.

بس إنتوا لازم تفهموا الأول يعني إيه كلمة «طفلة» بالنسبالنا.

إحنا عندنا 3 ولاد.

عمرهم 9 سنين، و7 سنين، و4 سنين.

تلاتة أولاد عاملين دوشة طول اليوم، هدومهم تراب، ألعابهم في كل حتة، وكل واحد فيهم محتاجني في حاجة مختلفة.

كانوا متعبين… بس كانوا أجمل حاجة حصلت في حياتي.

وبعد ما خلفت ابني التالت، الدكتور قعد قدامنا، فتح ملفي، وبص لجوزي وقال له يقعد معايا.

الدكتور كان عايز حسن يسمع الكلام منه بنفسه، مش يعتمد على اللي هقوله له بعدين.

قال لي:

«الحمل الرابع غالبًا هيكون خطر جدًا على حياتك.»

كلمة «غالبًا» دي فضلت ترن في ودني.

مش قال «ممكن».

ومش قال «فيه احتمال».

قال إن الحمل الرابع ممكن يقتلني، وإن حتى لو عديت فترة الحمل، فغالبًا هقضي شهور طويلة في المستشفى، بعيدة عن ولادي التلاتة.

بصيت له وقلت:

«يعني مفيش أي طريقة يكون الحمل فيها آمن؟»

هز راسه.

«للأسف لأ.»

سألته تاني.

وبعدها بسنة سألته مرة كمان.

وكل مرة كانت الإجابة واحدة.

مفيش حمل رابع.

مفيش بنت.

وإحنا كنا نفسنا في بنت.

يا رب… كنا نفسنا فيها قد إيه.

من وأنا عندي 19 سنة، كان عندي اسم معين نفسي أسميه لبنتي.

اسم كنت محتفظة بيه جوا قلبي سنين.

حسن عمره ما كان بيتكلم كتير عن الموضوع، بس كان بيعمل حاجة غريبة.

كان محتفظ بصندوق صغير في المخزن، جواه هدوم أطفال بنات وحاجات صغيرة كنت شاريها زمان.

كل مرة كنت أقول له:

«يا حسن، خلاص… ندي الحاجات دي لحد محتاجها.»

كان يرد بهدوء:

«الشهر الجاي.»

الشهر الجاي جه كتير.

وكل مرة كان بيأجل.

لحد ما أنا بطلت أتكلم عن الموضوع.

وهو كمان بطل يتكلم.

وده كان شكل إننا قفلنا الموضوع.

بس الحقيقة إن الموضوع عمره ما اتقفل.

إحنا بس بطلنا ننطقه بصوت عالي.

آخر مرة اتكلمنا فيها عن بنت، كنت قاعدة جنبه بالليل، ومش قادرة أمنع دموعي.

حسن مسك إيدي وقال:

«ولادنا محتاجين أمهم أكتر ما إحنا محتاجين بنت.»

بصيت له وقتها، وصدقت كلامه.

لأنه كان صح.

وكان بيحبني.

افتكرت إن دي نهاية الحلم.

وإننا هنعيش باقي عمرنا وإحنا عندنا 3 ولاد، وإن فكرة البنت هتفضل مجرد أمنية قديمة.

لكن بعد 11 سنة من جوازنا، وقف حسن في آخر ممر قسم الولادة في المستشفى.

كان لسه لابس هدومه، وعينيه حمرا بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده.

أنا عمري ما شفت جوزي بيعيط.

ولا مرة.

لكن يومها كان واضح إن فيه حاجة كسرت جواه حاجة.

بصيت من خلال إزاز باب إحدى الغرف، وشفت سرير أطفال صغير.

وكان جواه… طفلة.

طفلة صغيرة جدًا.

متغطية ببطانية وردية.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

بصيت لحسن وقلت:

«حسن… إيه اللي بيحصل؟»

قرب مني، ومسك دراعي.

وقال:

«لازم تقعدي.»

قلت له بعصبية:

«أنا مش هقعد قبل ما تفهمني أنا هنا ليه.»

فضل ساكت.

بص للأرض وقت طويل.

وبعدين رفع عينه وبص لي.

وقال بصوت مكسور:

«عشان فيه حاجة لازم أطلبها منك.»

سكت لحظة.

وبعدين قال:

«بس قبل ما تجاوبيني… لازم تسمعي كل الحقيقة.»

وقتها حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.

وبصيت تاني ناحية الطفلة اللي جوه الغرفة.

وقلت:

«حسن… البنت دي مين؟»

وشه اتغير.

وهمس:

«دي… بنتي.»

اتجمدت مكاني.

لكن قبل ما أقدر أتكلم، هز راسه بسرعة وقال:

«نادية… استني. اسمعيني للآخر.»

وساعتها قال الجملة اللي خلتني أنهار في ممر المستشفى كله.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى