كنت واقفة في الشارع في البرد والمطر، مسبّلة عينيّ على فستان سعره يعدّي تلت شهور من مرتبي. كنت فاكرة إن أكسف حاجة ممكن تحصلّي هي إن راجل غني يشوفني وأنا مش معايَا غير اثنى عشر جنيه في جيبي. بس تاني يوم الصبح، ظهر ظرف أسود غامض مكتوب عليه اسمي—وفجأة بقيت أتمنى لو الراجل ده ما شافنيش أصلاً.
اسمي كلارا. وعندي سبعة وعشرين سنة، اتعلمت فيهم إن الحياة مش لازم عشان تاخد منك كل حاجة.
أنا وأخويا الصغير سليم، اللي عنده ستتاشر سنة، كنا عايشين في شقة ضيقة فوق مخبز قديم في وسط البلد. ريحة العيش الطازج كانت بتطلع في الأرضيات كل الصبح، بس في أغلب الأيام مكنش معانا تمن رغيف واحد.
سليم كان عنده مرض وحش في القلب، وعلاجه وأدويته ومواعيد المستشفيات كانت فواتير ما بتخلصش وأنا عاجزة عن دفعها. أمنا ماتت من تلت سنين، وأبونا طاشد من زمان، وبقيت أنا الوحيدة اللي سليم يقدر يعتمد عليها.
كل يوم الصبح، كنت بصحى قبل الفجر عشان أعمله الفطور، وأرتّب له دواه، وأطمن إنه بيتنفَس كويس. وبعدين أطير على الشغل في ريسبشن فندق صغير، وساعات بليل كنت بنضف مكاتب عشان أطلع قرشين زيادة.
إيدي كانت خشنة ومشطوبة من الكيماويات ومواد التنظيف، والهالات السوداء كانت لازقة تحت عيني. بس كل ما سليم يحس بتعبي ويسألني بصوت واطي: “كلارا، إنتِ كويسة؟”
كنت أبتسم وأقوله: “طبعاً، زي الفل.”
ودي كانت الكذبة اللي بكررها طول الوقت.
في الليلة دي، وبعد ما خلصت شفتين ورا بعض، رجعت البيت ماشي في مطر نوفمبر القارس عشان مكنش معايَا فلوس أركب مواصلات. جزمتي اتبلت، صوابعي اتخدرت، والاتنا عشر جنيه اللي في محفظتي كان لازم يكفّوني لحد قبض الشهر.
وفجأة، في حاجة وقفتني.
وراء واجهة محل فخم منّور، كان فيه أحلى فستان شوفته في حياتي. أزرق غامق، ومتطرز بتطريز فضي رقيق بينوّر تحت النور زي النجوم في سماء الشتاء.
لثواني معدودة، نسيت فواتير المستشفى، والإيجار المتأخر، والرعب من إن سليم يتعب ويدخل في حالة طارئة. تخيلت نفسي لابسة الفستان ده في مكان شيك، وحسيت إني بنت عادية عندها سبعة وعشرين سنة، مش واحدة كل همها تحسبها بالعقل بين الأكل والنور والدوا.
وبعدين بصيت على التمن.
أكتر من تلت شهور من مرتبي.
ضحكة مرة طلعت من بقي وهمست لنفسي: “طبعاً”، وأنا حاسة بالغباه إني حتى فكرت أحلم.
وفجأة، باب المحل اتفتح.
لفتّ ولقيت قدامي راجل طويل واقف تحت نور البخلة الدهبي، ولابس معطّف شيك. شعره الغامق متظبط، وعيناه الهادية الثابتة باصّتلي دايركت.
وشي احمر من الكسوف وبدأت أبص بعيد، ومتأكدة إنه شافني وأنا بطمع في حاجة مستحيل أطولها.
بس نظرة عيونه كانت غريبة.
ماكانش بيضحك عليّا ولا بيسخر. كان بيبصلي بسكوته المخيف، وكأنه بيحاول يقرأ فكري أو يفهمني.
مَكنش عارِف إن اسمه يونس. ومَكنش عارِف إنه صاحب شركات استثمارية كبيرة، أو إن الراجل المحترم اللي صوره بتملا الجرائد هو نفسه واحد من أخطر وأقوى رجالة البلد.
وطبعاً مَكنش عارِف إن الكبار والمسؤولين بينفذوا أمره—أو إن اللي بيخونه مبيعيش كتير عشان يندم.
كل اللي عرفته إن فيه راجل غريب وخطير راقبني في المطر، ومقدرتش أتخلص من إحساسي إن الحكاية دي لسه مخلصتش.
جريت بسرعة، ولمّيت معطفي الخفيف على جسمي اللي كان بيرتجف. ولما وصلت الشقة، كنت أقنعت نفسي إنه أكيد هينساني للصبح.
بس أول ما فتحت باب الشقة تاني يوم، كان في ظرف أسود مستنيني ورا الباب.
واسمي كاملاً كان مكتوب عليه بخط فضي أنيق.
وتحته كان فيه تلات كلمات جمدت الدم في عروقي:
“من أجل سليم.”
حكايات شروق خالد
بلعت ريقي بصعوبة، وصوابعي بترجف وأنا بفتح الظرف الأسود. ايداي كانت لسه ساقعة من مطر أمبارح، بس قلبي كان بيدق بعنف كأنه هيطلع من ضلوعي.
سحبت الورقة اللي جوه، وكان مكتوب عليها بخط اليد وبنفس الحبر الفضي:
> “الساعة تمانية بالليل، هتكوني قدام كافيه (…) في وسط البلد. العربية هتكّون مستنياكي. لو اتاخرتي دقيقة واحدة.. سليم مش هياخد جرعة الدواء الجاية في معادها.”
>
عقلي وقف. الفزع ضرب في كل عروقي. إزاي عرف هو مين؟ وإزاي عرف مكان شقتنا بالسرعة دي؟ وفوق كل ده.. إزاي تجرأ يلمس خط أحمر زي سليم؟
بصيت ناحية الأوضة الثانية، لقيت سليم نايم على السرير، ووشه باهت وصدره بيطلع وينزل بصعوبة مع كل نفس. فكرة إنه ممكن يجراله حاجة بسبب تورطي مع راجل خطير زي يونس جابتلي جنان حقيقي. ماكنش عندي أي خيار تاني. الفلوس اللي معايَا مش هتكفي تمن أدوية الأسبوع الجي، ويونس كان بيلعب بكرت روحي وروحه.
الساعة جات سبعة ونص، وكنت واقفة قدام المرايا بصلح بلوزتي القديمة اللي حاولت أخلي شكلها أطهر ما يكون. مكنش عندي غيرها. نزلت وجسمي كمله بيلتجف، لحد ما لقيت عربية سوداء فخمة فاميه واقفة في الشارع الظلمة. الباب اتفتح لوحده من جوه، وسواق لابس بدلة سوداء بصلي بصمت وقال بنبرة حاسمة: “اتفضلي يا مدام كلارا، باشمهندس يونس مستني.”
ركبت العربية وأنا حاسة كأنها بتخدني لقبر مش لمقابلة. الطريق كان طويل وصامت، لحد ما وقفنا قدام مطعم فخم وهادئ في الزمالك، مطعم واجهته على النيل ومحجوز بالكامل عشان مافيش حد يزعجهم.
دخلت بخطوات مترددة، لحد ما لمحته قاعد على ترابيزة في الركن المطل على المية. لابس بدلة سوداء غالية، وماسك في إيده كاس عصير، وملامحه الهادية الحادة كانت منورة على ضوء الشموع الخافت.
لما حس بوجودي، رفع عيناه الباردة وبصلي. أشار لي بإيده بهدوء وقال بصوت هادئ وعميق خلّى صوابعي تتجمد:
“أهلاً يا كلارا.. كنت متأكد إنك هتيجي. اقعدي، وخليني أقولك إيه السعر اللي هتدفعيه عشان حياة أخوكِ تفضل في أممان.”
قعدت وأنا باصة له بتحدي خوف مزيف، وقلت بصوت بيترعش بس بحاول أثبته: “أنت عاوز مني إيه؟ وعرفت عني وعن أخويا كل ده إزاي؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة مرعبة أكتر من غضبه، وقال: “أنا مابيسفش حاجة تفوتني يا كلارا.. وخصوصاً لما تكون حاجة باينة قدامي في الشطرنج من أول نظرة. العرض بتاعي بسيط جداً.. ولصالحك إنتِ وبس.”



