منوعات

ليه بتاكل لوحدك حكايات شروق خالد

“كدابة.”

“أنا حاولت.”

“ما حاولتيش كفاية.”

صرخ كريم، وضرب الطاولة.

نور بدأت تبكي.

ياسين اقترب خطوة.

“بصلي يا كريم.”

الرجل رفع عينيه.

“أنا مش هسيبك.”

ضحك كريم.

“بعد إيه؟ بعد تلاتين سنة؟”

“أنا ما كنتش أعرف بوجودك.”

“بس دلوقتي عرفت.”

“أيوه.”

“وهتعمل إيه؟”

ياسين نظر إلى نور.

ثم إليه.

وقال:

“هربيكم الاتنين.”

كريم سكت.

“مش هخلي حد ياخدكم مني تاني.”

في اللحظة دي، سُمع صوت سيارات خارج المخزن.

كريم ارتبك.

ياسين فهم فورًا.

“مين دول؟”

لم يرد.

ثم انفتح باب المخزن بعنف.

دخل رجال مسلحون.

لكنهم لم يكونوا رجال كريم.

كانوا رجال عم حسان.

ظهر الرجل العجوز وهو ينزف، لكنه كان واقفًا.

قال:

“كفاية.”

كريم رفع سلاحه.

لكن عم حسان قال:

“لو قتلتني، مش هتعرف الحقيقة الأخيرة.”

تردد كريم.

قال حسان:

“أنا اللي أخفيتك.”

كريم تجمد.

“إنت؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

“عشان أبو ياسين كان هيقتلك.”

ثم نظر إلى ياسين.

“وأنا وعدت أمك إني أحمي أولادها.”

كريم أنزل سلاحه ببطء.

عم حسان أكمل:

“أنا فشلت معاك.”

ثم بص إلى نور.

“لكن مش هفشل معاها.”

بدأ كريم يبكي.

لأول مرة، ظهر الطفل الموجود خلف الرجل القاسي.

قال:

“أنا كنت عايز حد يقولي إني ابنه.”

ياسين اقترب منه.

“وأنا أبوك.”

كريم رفع عينيه.

“بجد؟”

مد ياسين يده.

“بجد.”

بعد لحظات طويلة، ترك كريم سلاحه.

ثم اقترب من ياسين.

ولم يقل أي شيء.

فقط انهار في حضنه.

ياسين ضمه بقوة.

وكانت تلك أول مرة يحتضن فيها ابنه.

أما نور، فقد ركضت ناحية ليلى.

“ماما!”

احتضنتها ليلى وهي تبكي.

وبعدها اقتربت نور من ياسين.

“إنت مش هتاكل لوحدك تاني، صح؟”

ضحك ياسين رغم دموعه.

“أبدًا.”

بعد شهور، تغير قصر المنصوري بالكامل.

الثريات التي ظلت مطفأة لسنوات عادت تضيء.

غرفة الطعام لم تعد مجهزة لشخص واحد.

صارت فيها أربع كراسي أساسية.

كرسي لياسين.

كرسي ليلى.

كرسي نور.

وكرسي كريم.

أما هناء، فلم تعد عاملة في القصر.

ياسين أعطاها بيتًا خاصًا ومبلغًا يكفيها لتبدأ حياة جديدة، لكنها رفضت أن تتركهم.

وقالت:

“نور بنتي برضه.”

فضحك ياسين وقال:

“يبقى البيت بيتك.”

أما عم حسان، فقد تعافى من إصابته.

وفي ليلة هادئة، جلس الجميع حول السفرة.

كانت نور تحكي قصة طويلة لا تنتهي.

وكريم يضحك عليها.

وليلى تنظر إلى ياسين من الطرف الآخر للطاولة.

مد ياسين يده تحت الطاولة وأمسك يدها.

قالت:

“كنت فاكرة إنك عمرك ما هتسامحني.”

نظر إليها.

“أنا ضيعت تلات سنين وأنا زعلان منك.”

ثم ابتسم.

“مش هضيع دقيقة كمان.”

وضعت رأسها على كتفه.

وفي تلك اللحظة، رفعت نور صوتها:

“بابا!”

توقف ياسين.

كان يعلم أن نور قالتها عشرات المرات في الأيام الأخيرة.

لكن في كل مرة كانت الكلمة تصيبه بنفس القوة.

نظر إليها.

“نعم يا قلب بابا؟”

قالت:

“الأكل حلو عشان كلنا قاعدين مع بعض.”

ابتسم.

“أيوه.”

ثم نظر إلى السفرة.

إلى زوجته.

إلى ابنته.

إلى ابنه.

وفهم أخيرًا أن السنوات الثلاث التي قضاها يأكل وحده لم تكن عقابًا.

كانت انتظارًا.

انتظارًا لهذه اللحظة.

انتظارًا للعائلة التي ظن أنه فقدها إلى الأبد.

وفي نهاية الليلة، عندما نامت نور وكريم، وقف ياسين أمام صورة ليلى القديمة.

ثم أخذ إطار الصورة الذي ظل بجوار طبقه ثلاث سنوات.

نظر إلى المرأة التي أحبها.

وقبّل الصورة.

وقال:

“خلاص يا ليلى.”

ثم وضع الصورة داخل درج، بدلًا من أن يضعها بجوار طبق فارغ.

لأن المكان الذي كانت تشغله لم يعد فارغًا.

وعندما عاد إلى غرفة الطعام، وجد ليلى تنتظره.

ابتسمت له.

وقالت:

“هتاكل؟”

ضحك.

“لوحدي؟”

هزت رأسها.

“أبدًا.”

جلسا معًا.

وفي الصالة المجاورة، كان صوت ضحكة نور يختلط بصوت كريم.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات…

لم يكن قصر المنصوري قصرًا لرجل يعيش مع أشباح الماضي.

كان بيتًا.

بيتًا حقيقيًا.

وكان ياسين يعرف أن بعض العائلات لا تُمنح لنا منذ البداية…

بعضها تضيع منا، ثم تعود في اللحظة التي نظن فيها أن كل شيء انتهى.

وأحيانًا…

كل ما تحتاجه الحياة كي تنقذ قلب رجل مكسور…

طفلة صغيرة تسأله ببساطة:

“ليه بتاكل لوحدك؟”

«ليه بتاكل لوحدك

حكايات شروق خالد

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى