
«إحنا جايين نديك اللي الرجالة دايمًا عايزاه… مش جايين نترجاك ترحمنا» — التوأم بدأت تفتح معاطفها المبتلة، بينما سمع راعي المزرعة خيولًا تحاصر كوخه
«القبو.»
وفجأة…
كانت رائحتها لا تزال عالقة بها.
وفجأة تذكر الهمسة:
«لما يبعدوا عنك…»
لم تكن تطلب منه الرجل.
كانت تطلب منه أن يفعل شيئًا .
أن يلحق بهم.
خرج آدم إلى العاصفة.
كانت الخيول قد بدأت تتحرك بعيدًا، وأصوات حوافرها الطين.
ركض إلى حصانه الأسود، قفز فوق ظهره، وانطلق خلفهم.
لم يكن يعرف أين تقع هضبة الحجر الرمادي.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
ملك لم تكذب.
ليس بالكامل.
كانت هناك نساء أخريات.
وربما كانت قد اختلقت موقع المعسكر فقط لتكسب وقتًا.
ومع كل خطوة للحصان، كان آدم يشعر بأن الماضي الذي حاول دفنه منذ سنوات يعود إليه.
نساء خائفات.
رجال مسلحون.
وأوامر لا يستطيع تنفيذها.
وصل إلى التلال بعد ساعة تقريبًا.
كان المطر قد خف قليلًا.
ومن بعيد، رأى ضوء نار.
أوقف حصانه خلف صخرة.
رفع منظاره.
جابر.
وثلاثة رجال.
وملك ومريم.
لكن لم يكن هناك معسكر.
لم تكن هناك خمس عشرة امرأة.
كانت ملك واقفة أمام جابر، ويداها مقيدتان.
قال جابر:
«فينهم؟»
«قلت لك… كملنا الطريق بعد المعسكر.»
صفعها.
ترنحت ملك، لكنها لم تسقط.
«ما تلعبيش معايا.»
«أنا مش بلعب.»
اقترب منها جابر.
«إنتِ خدعتيني.»
ابتسمت ملك رغم الدم عند طرف فمها.
«أيوه.»
رفع يده مرة أخرى.
لكن مريم صرخت:
«استنى!»
التفت إليها.
«هي قالت الحقيقة. النساء موجودين.»
نظر جابر إليها بشك.
أشارت مريم إلى الجهة الأخرى من الوادي.
«ورا النهر القديم.»
سألها:
«كام واحدة؟»
«أكتر من اللي تقدر تعدهم.»
ضحك جابر.
«دلوقتي صدقتك.»
ومن خلف الصخرة، أدرك آدم ما يحدث.
التوأم لم تكونا تحاولان إنقاذ نفسيهما فقط.
كانتا تحاولان كسب الوقت.
لكن الوقت كان ينفد.
أخرج آدم المسدس.
كان معه خمس رصاصات.
وأمامهم أربعة رجال.
ومريم مصابة.
وملك مقيدة.
والعاصفة تعود.
لم يكن أمامه سوى فرصة واحدة.
أطلق النار في الهواء.
التفت الجميع.
صاح جابر:
«شناوي!»
ظهر آدم فوق التلة.
«سيبهم.»
ضحك جابر بصوت مرتفع.
«جيت لوحدك؟»
«أيوه.»
«عشان تموت؟»
«عشان أديك فرصة تمشي.»
سخر جابر.
«إنت مش فاهم مين اللي واقف قدامك.»
أجاب آدم:
«فاهم كويس.»
ثم رفع المسدس.
«وعشان كده أنا مش هكرر غلطتي القديمة.»
تغير وجه جابر.
«أي غلطة؟»
قال آدم:
«المرة اللي سبت فيها رجالة زيك يخرجوا من المكان وهم فاكرين إن محدش هيوقفهم.»
سحب أحد الرجال سلاحه.
لكن قبل أن يطلق، انطفأت النار فجأة.
لم يكن آدم هو من أطفأها.
كانت ملك.
لقد أسقطت فانوسًا صغيرًا بقدمها.
غرق المكان في الظلام.
انطلقت رصاصة.
ثم ثانية.
صرخ أحد الرجال.
استغل آدم الفوضى واندفع إلى أسفل التلة.
سمع مريم تصرخ:
«ملك!»
وصل إليها في ثوانٍ.
قطع الحبل حول يديها.
«تقدري تجري؟»
قالت:
«أنا أقدر.»
«خدي أختك.»
ركضت مريم نحو ملك.
لكن جابر ظهر من الظلام وأمسك بها من الخلف.
وضع مسدسه عند رأسها.
«ارمي سلاحك يا شناوي.»
تجمد آدم.
كان على بعد أمتار قليلة.
«سيبها.»
«ارميه.»
أسقط آدم المسدس.
ابتسم جابر.
«أهو كده بقى الكلام.»
اقترب ببطء.
لكن ملك كانت تنظر إلى آدم.
ولم تكن خائفة.
كانت تنتظر.
شيئًا.
إشارة.
أي شيء.
فهم آدم.
نظر إلى الأرض.
كان المطر قد حوّل التربة إلى وحل عميق.
وبجوار قدم جابر كان هناك حبل قديم مثبت في الأرض.
حبل يستخدم لربط الخيول.
رفع آدم عينيه إلى ملك.
ثم قال:
«جابر.»
«نعم؟»
«إنت عمرك سألت نفسك ليه التوأم هربوا تلات ليالي من غير ما تموت واحدة منهم؟»
قطب جابر حاجبيه.
«يعني إيه؟»
ابتسم آدم.
«لأنهم كانوا مستنيين حد زيك.»
في اللحظة نفسها، انطلقت ملك للأمام.
لم تكن تهرب.
كانت تضرب ساق جابر.
اختل توازنه.
شد آدم الحبل بكل قوته.
سقط جابر في الوحل.
انطلقت رصاصة إلى السماء.
وانقض آدم عليه.
بعد ثوانٍ قليلة، كان جابر على الأرض، وذراعه مثبتة خلف ظهره.
حاول المقاومة.
لكن آدم همس في أذنه:
«المرة دي… مش هسيبك تهرب.»
قال جابر بصوت مكتوم:
«إنت فاكر إن الموضوع خلص؟»
«لأ.»
شد آدم الحبل حول معصميه.
«لسه بيبدأ.»
ثم نظر إلى ملك.
كانت واقفة تحت المطر، وشعرها الأسود يلتصق بوجهها.
قالت بصوت منخفض:
«في ناس تانية يا آدم.»
نظر إليها.
«فين؟»
أجابت:
«مش في معسكر.»
ترددت لحظة.
ثم قالت:
«في المكان اللي جابر عمره ما يسمح لحد يقرب منه.»
سأل آدم:
«فين؟»
رفعت ملك عينيها إليه.
«في بيته.»
ساد الصمت.
ثم أضافت:
«واللي جواه… أخطر من أي حاجة شفتها الليلة دي.»
نظر آدم إلى جابر.
ولأول مرة، لم يرَ الخوف في عيني الرجل.
رأى شيئًا أسوأ.
الابتسامة.
ابتسامة رجل يعرف أن سقوطه لن يكون النهاية…
بل بداية الحرب.
حكايات شروق خالد
لم يتحرك آدم.
ظل ينظر إلى جابر، بينما كانت كلمات ملك تدور في رأسه.
«في بيته.»
رفع جابر رأسه من الوحل، وضحك.
ضحكة قصيرة باردة.
قال:
«سيبها تحكيلك يا شناوي. خليها تقول لك كل اللي نفسها فيه.»
اقترب آدم منه.
«إنت هتفضل ساكت.»
«وليه؟»
«عشان أول ما نوصل للبلدة، هتتكلم غصب عنك.»
ابتسم جابر.
«إنت لسه مش فاهم.»
ثم نظر إلى ملك.
«هي مش بتخاف على أختها بس.»
تجمدت ملك.
لاحظ آدم التغير في وجهها.
سألها:
«هو بيتكلم عن مين؟»
لم تجب.
«ملك.»
قالت بصوت خافت:
«مفيش وقت.»
«في وقت كفاية.»
هزت رأسها.
«لأ. لو فضلنا هنا، رجاله هيوصلوا.»
سأل آدم:
«رجاله؟»
أشارت إلى الطريق المظلم.
«جابر ما جاش بأربعة بس.»
رفع آدم رأسه.
كان يسمع شيئًا.
خيول.
هذه المرة لم تكن ثلاثة أو أربعة.
كانت مجموعة كبيرة تقترب من بعيد.
قال جابر:
«شايف؟»
ابتسامته اتسعت.
«قلت لك إنك مش هتخرج من هنا.»
أمسك آدم بذراع مريم.
«نطلع فوق التلة.»
لكن ملك لم تتحرك.
قالت:
«لأ.»
نظر إليها.
«إيه؟»
«الطريق ده هيودينا للبيت.»
«وده المطلوب.»
«البيت محاصر.»
صمت آدم.
ثم قال:
«إنتِ كنتِ عايزة تاخديني هناك من البداية.»
«أيوه.»
«ليه؟»
نظرت إلى جابر.
«عشان أنت الوحيد اللي ممكن يدخل ويطلع منه حي.»
ضحك جابر.
«هي لسه بتصدقك؟»
صرخ آدم:
«اسكت!»
ثم نظر إلى ملك.
«إنتِ عارفة إيه عن البيت؟»
ابتلعت ريقها.
«أنا ومريم كنا عايشين هناك.»
اتسعت عينا آدم.
«إيه؟»
«مش كخدم.»
توقفت لحظة.
«كبنات صاحب البيت.»
لم يفهم.
قالت:
«أبونا كان شريك جابر.»
نظر آدم إلى جابر.
اختفت الابتسامة من وجهه.
تابعت ملك:
«قبل سبع سنين، أبونا اكتشف إن جابر بيستخدم المخازن في تهريب البشر. حاول يبلغ عنه.»
قالت مريم:
«فقتله.»
ساد الصمت.
«وأخدنا إحنا.»
أضافت ملك:
«كان عندنا سبع سنين عشان نحفظ كل حاجة.»
اقترب آدم منها.
«إيه الحاجة؟»
قالت:
«أسماء.»
«أسماء مين؟»
«كل الناس اللي اشتروا النساء.»
شعر آدم بأن الدم تجمد في عروقه.
قالت:
«قضاة. تجار. ضباط. رجال أعمال.»
ثم نظرت إلى جابر.
«حتى ناس من الحكومة.»
اندفع جابر فجأة نحو آدم.
لكن آدم كان مستعدًا.
أسقطه مرة أخرى.
قال جابر من بين أسنانه:
«لو دخلت البيت… مش هتخرج.»
رد آدم:
«يبقى مش هادخل لوحدي.»
نظر إلى ملك.
«هندخل كلنا.»
هزت ملك رأسها.
«مريم مصابة.»
«هنلاقي دكتور.»
«مفيش وقت.»
قال آدم:
«يبقى هتصبر.»
صهلت الخيول من بعيد.
اقتربت الأصوات.
قال آدم:
«نختفي دلوقتي.»
أمسك جابر من ياقة قميصه.
«هتقوم.»
ضحك جابر.
«مش هتقدر.»
ضربه آدم بمقبض المسدس.
فقد جابر وعيه.
ثم حمل مريم على ظهر حصانه، وركبت ملك خلفه.
قالت:
«والحصان التاني؟»
«مش محتاجينه.»
«إنت هتركب إزاي؟»
«هركض.»
نظرت إليه بدهشة.
«إنت مجنون.»
«سمعت الكلام ده قبل كده.»
انطلقوا بين الأشجار.
خلفهم مباشرة ظهرت مجموعة من الرجال.
لكنهم لم يروا إلا جابر ملقى في الوحل.
أحدهم صاح:
«دوروا عليهم!»
استمر آدم في الجري.
بعد عشر دقائق، وصلوا إلى طريق ضيق يقود إلى البلدة.
كانت السماء قد بدأت تفتح قليلًا.
قالت ملك:
«هناك.»
أشارت إلى منزل كبير يختبئ خلف أشجار كثيفة.
«ده بيت جابر.»
توقف آدم.
كان المنزل مختلفًا عن كل ما توقعه.
ضخم.
قديم.
محاط بسور حجري مرتفع.
وفي كل زاوية يقف رجل مسلح.
قال آدم:
«إزاي هندخل؟»
أجابت ملك:
«من تحت.»
«نفق؟»
هزت رأسها.
«أبونا بناه قبل ما يموت.»
أمسك آدم بيدها.
«وريني.»
قادته إلى شجرة ضخمة خلف السور.
حركت حجرًا صغيرًا عند جذعها.
صدر صوت طقطقة.
ثم تحركت الأرض.
ظهر باب حديدي ضيق.
نظر آدم إليها.
«إنتِ متأكدة؟»
قالت:
«أنا دخلته آخر مرة وأنا عندي خمسة عشر سنة.»
ثم نظرت إلى مريم.
«خرجت منه وأنا عندي اتنين وعشرين.»
صمت آدم.
«سبع سنين؟»
«سبع سنين.»
فتحت الباب.
خرج منه هواء بارد يحمل رائحة رطوبة وصدأ.
نزل آدم أولًا.
ثم ملك.
ثم مريم.
وأغلقوا الباب خلفهم.
كان النفق مظلمًا.
أشعل آدم عود ثقاب.
ظهرت على الجدران علامات قديمة.
أسماء.
تواريخ.
أرقام.
تقدم خطوة.
ثم توقف.
كان هناك شيء محفور على الجدار أمامه.
اسم.
اسم يعرفه جيدًا.
«آدم الشناوي.»
تجمد مكانه.
نظرت ملك إليه.
قالت:
«إحنا ما حفرناش الاسم ده.»
رفع آدم يده ولمس الحروف.
كان الاسم قديمًا.
قديمًا جدًا.
قالت مريم:
«آدم…»
لكن آدم لم يسمعها.
كان هناك تاريخ أسفل اسمه.
رفع عينيه ببطء.
وقال:
«جابر ما كانش بيراقبني من النهارده.»
ثم نظر إلى ملك.
«كان بيراقبني من سبع سنين.»
ومن أعلى النفق…
جاء صوت خطوات.
ثم صوت رجل يقول:
«سيبوهم يدخلوا.»
«خلي شناوي يوصل للغرفة بنفسه.»
ابتسم صوت آخر.
«لأن الحقيقة اللي مستنياه هناك… هي السبب الحقيقي اللي خلّاه من الجيش.»
وضعت ملك يدها على فمها.
أما آدم…
فأطفأ عود الثقاب.
وقال:
«دلوقتي فهمت.»




