
كان آدم المنصوري واقفًا في منتصف مدخل البيت الطيني المهجور، واضعًا إحدى يديه على إطار الباب، ويغلق عمدًا طريق الخروج الوحيد.
حدقت سلمى حمدي فيه.
كان والدها يرتجف في يدها السليمة.
وخارج البيت، في مكان ما خلف النوافذ السوداء، تحرك حصان في الظلام.
ضربة حافر واحدة بطيئة.
ثم أخرى.
أقرب.
قبل ساعات قليلة فقط، كانت سلمى على آدم دون أي تردد.
أما الآن، فقد كان هو السبب الوحيد في بقائها على قيد الحياة.
في ذلك الصباح، بدا صعيد مصر وكأنه مصمم على .
انكسر محور عربة سلمى على بُعد أميال قليلة من وادي النخيل، بقوة على الأرض وتسبب ذلك في كسر معصمها.
كادت إحدى البغال أن .
وانقلبت قربة الماء الخاصة بها، فانسكب الماء الثمين على الأرض الجافة، واختفى كله في الرمال.
كان والدها، محمود حمدي، قد قبل ستة أشهر في المنوفية.
وكل ما تركه لها كان يمكن وضعه داخل تلك العربة.
بضعة فساتين.
بعض المال.
ورسالة يخبرها فيها أن عمتها مريم ستستقبلها إذا تمكنت من الوصول إلى أسوان.
ثم رأت سلمى سحابة من الغبار ترتفع فوق الطريق الشرقي.
فارس.
سحبت من أسفل مقعد العربة.
وتدفقت إلى ذاكرتها كل القصص المرعبة التي سمعتها عن رجال القبائل في الصعيد.
كان الغريب يقترب على حصان ملون، ولم يكن يحمل بندقية بشكل ظاهر.
كان شعره الداكن مربوطًا إلى الخلف، وملابسه تحمل غبار رجل قضى أيامًا تحت الشمس.
توقف على بُعد عشرات الأمتار منها.
رفعت سلمى المسدس.
ترجل الرجل من حصانه.
قالت:
«خليك مكانك!»
لكنه لم يتوقف.
ضغطت سلمى على المطرقة.
واصل الغريب الاقتراب.
عشرة أمتار.
ثمانية.
خمسة.
ثم توقف.
قال بهدوء:
«لو ضربتي نار، البغال هتهرب.»
فاجأتها طريقته في الكلام.
قالت:
«لو قربت أكتر، هضرب عليك النار برضه.»
تحركت عيناه نحو قربة الماء المقلوبة.
«ما عندكيش ميه.»
كرهت سلمى أنه كان على حق.
وكرهت أكثر أنه عرف أنها تعرف ذلك.
سألته:
«إنت عايز إيه؟»
«ولا حاجة.»
«يبقى امشي.»
نظر إلى الأفق.
كان الليل سيحل قبل أن تتمكن عربة أخرى من الوصول إليها.
قال:
«هتموتي هنا.»
لم تكن كلماته تهديدًا.
وهذا بالذات هو ما أخافها أكثر.
خفضت سلمى المطرقة ببطء.
اقترب الغريب.
كان اسمه آدم المنصوري، رغم أن اسم المنصوري لم يكن اسمه الحقيقي، بل الاسم الذي اختاره لنفسه بعدما ترك جماعته القديمة وبدأ يتنقل بين قرى الصعيد.
منذ سنوات، ابتعد آدم عن أهله بعد أن رفض المشاركة في واحدة من عمليات التي كانت تشعل النار بين العائلات.
كانت والدته، زينب المنصوري، قد بالفعل.
أما شقيقه يوسف، فقد اختار طريقًا مختلفًا ومات بينما كان آدم بعيدًا.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح آدم رجلًا لا ينتمي لأي مكان.
وفي الوقت نفسه، لا يجد مكانًا ينتمي إليه.
فحص معصم سلمى.
قال:
«ده هيوجع.»
وقبل أن تتمكن من الاعتراض، ثبت ذراعها المكسورة.
انفجر الألم داخل جسدها.
صرخت سلمى.
وتشوش عليها منظر الصحراء.
وعندما استعادت رؤيتها، كان آدم يلف معصمها بين قطعتين خشبيتين صنعهما كجبيرة مؤقتة.
صرخت فيه:
«كان ممكن تحذرني!»
قال ببساطة:
«حذرتك.»
ورغمًا عنها، كادت سلمى تضحك.
كادت فقط.
أصلح آدم ما يكفي من أحزمة العربة لتحريك أغراضهما، ثم قاد سلمى نحو بيت مهجور مختبئ بين التلال.
وبحلول غروب الشمس، وصلا إليه.
كان المكان يبدو ميتًا.
سقف متهالك.
نوافذ فارغة.
وجدران طينية متشققة بسبب سنوات طويلة من الحرارة.
لكن في الداخل، وجد آدم موقدًا قديمًا وكمية كافية من الحطب الجاف لإشعال النار.
جلست سلمى أمامه.
وظل المسدس بجوارها.
لاحظ آدم ذلك.
لكنه لم يقل شيئًا.
وبمرور الوقت، أصبح هذا الصمت أكثر إزعاجًا من الكلام.
سألته سلمى أخيرًا:
«ساعدتني ليه؟»
ظل آدم يحدق في ألسنة النار.
قال:
«أمي ماتت وأنا عندي اتناشر سنة.»
انتظرت سلمى.
«رجالة جم وقتها.»
ظل صوته هادئًا بشكل غريب.
«أخويا كان عايز ينتقم. وأنا ما كنتش عايز أشوف قبور أكتر.»
خفضت سلمى عينيها.
كان والدها قد علمها أن تقسم الناس ببساطة إلى أشخاص طيبين وأشخاص خطرين.
لكن وهي تجلس داخل ذلك البيت ، بدت لها تلك التقسيمات طفولية فجأة.
نظر آدم إلى الجدار الشرقي.
هناك، وتحت طبقات من الغبار، كانت أربعة خطوط متقاطعة محفورة في الجدار الطيني.
تغيرت ملامحه.
لاحظت سلمى ذلك فورًا.
سألته:
«إنت عارف العلامة دي؟»
وقف آدم.
اقترب من العلامة، لكنه لم يلمسها.
قال:
«أمي ورّتني واحدة زيها.»
«معناها إيه؟»
ظل آدم صامتًا.
ثم جاء الصوت.
حصان خارج البيت.
أمسكت سلمى المسدس.
وأطفأ آدم النار بحركة عنيفة من التراب.
ابتلع الظلام الغرفة بالكامل.
سألته:
«إنت بتعمل إيه؟»
تحرك آدم ناحية النافذة.
ضربة حافر أخرى.
ثم أخرى.
كان شخص ما يدور حول البيت.
حاولت سلمى الوقوف.
«لازم نمشي.»
لكن آدم وقف في طريق الباب.
وقال:
«حطي المسدس يا سلمى. إنتِ مش هتخرجي من البيت ده الليلة.»
تحول خوفها فورًا إلى غضب.
«إنت مش اللي تقرر ده.»
«حد اتبعنا.»
«يبقى اتحرك.»
«لأ.»
رفعت سلمى المسدس.
لكن آدم لم يبدُ خائفًا.
ولعدة ثوانٍ، لم يتحرك أي منهما.
ثم همس آدم:
«بصي ورايا.»
فعلت.
وخلف كتفه، تحت ضوء القمر، ظهر شخص ثابت فوق التل.
يراقبهما.
كان ملفوفًا بعباءة داكنة.
عرف آدم معنى تلك الآثار.
شخص من الحياة التي هجرها منذ سنوات قد عثر عليه.
وسلمى، دون أن تعرف، أصبحت جزءًا من حساب قديم بدأ قبل أن يلتقيا بسنوات.
وفجأة…
اختفى الشخص.
استدار آدم نحو النافذة.
ظهر فارس ثانٍ أسفل التل.
ثم ثالث.
ثم رابع.
توقفت أنفاس سلمى.
مد آدم يده نحو سكينه.
وبدأ الحصان الأول في النزول باتجاه البيت.
ثم جاء صوت من الخارج ينادي آدم بالاسم الذي أقسم ألا يجيب عنه مرة أخرى.
حكايات شروق خالد
لم يتحرك آدم.
ظل واقفًا أمام الباب، وسكينه في يده، وعيناه مثبتتان على الظلام.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
«آدم المنصوري!»
هذه المرة كان أقرب.
ارتجف قلب سلمى.
همست:
«مين ده؟»
لم يجبها.
اقترب من النافذة، وانحنى قليلًا حتى لا يظهر ظله.
ثم قال بصوت منخفض:
«الاسم ده ما اتقالش قدامي من سنين.»
«يعني إيه؟»
«يعني إن اللي بره مش جاي يدور عليكي لوحدك.»
ابتلعت سلمى ريقها.
«جاي يدور عليك؟»
نظر إليها.
«جاي يدور على اللي معاكي.»
تجمدت.
نظرت إلى حقيبتها الصغيرة الموضوعة بجوار الجدار.
«أنا معايا إيه؟»
لم يجب.
في الخارج، صهل أحد الخيول.
ثم سمعا صوت رجل آخر:
«عارفين إنك جوه يا آدم.»
اقترب صوت حوافر الخيل.
أربعة فرسان.
أربعة رجال أحاطوا بالبيت.
وضعت سلمى إصبعها على الزناد.
«قول لي الحقيقة.»
قال آدم:
«دلوقتي مش وقتها.»
«لأ، دلوقتي بالذات وقتها.»
التفت إليها.
«أبوكي كان بيشتغل إيه قبل ما يموت؟»
تغير وجهها.
«إيه السؤال ده؟»
«جاوبيني.»
«كان موظف حكومي.»
«كذب.»
شهقت سلمى.
«إنت تعرف أبويا؟»
«مش شخصيًا.»
«أمال عرفت منين؟»
اقترب منها آدم، ثم أشار إلى حقيبتها.
«افتحيها.»
«ليه؟»
«افتحيها يا سلمى.»
هزت رأسها.
«مش هفتح حاجة.»
تقدم خطوة.
«أبوكي ما كانش هيسيب لك مسدسه ورسالة سفر وبس.»
صمتت.
«إنت كنت عارف؟»
«كنت شاكك.»
«في إيه؟»
«إن محمود حمدي ما ماتش وهو سايب وراه بنت فقيرة مسافرة لعمتها.»
توقفت أنفاسها.
اقترب آدم من الحقيبة بنفسه، لكنه توقف قبل أن يلمسها.
«افتحيها.»
ظلت تحدق فيه لثوانٍ.
ثم جلست على الأرض، ومدت يدها السليمة نحو الحقيبة.
فتحتها.
فساتين.
نقود.



