
الرجل الذي وعدني ذات يوم بأنه سيحبني إلى الأبد، نظر إليّ من الطرف الآخر لمائدة مليئة بالمليونيرات وورثة العائلات الثرية وأدوات المائدة الفضية اللامعة، وقال بكل هدوء إنني لست جيدة بما يكفي له.
وبعد عامين، سيعرف ثمن تلك الجملة عندما يحدق في عيني طفلتين صغيرتين تحملان نفس عينيه الزرقاوين، دون أن يعرف حتى بوجودهما.
كان قصر عائلة آسر القناوي في الزمالك أشبه بمتحف فاخر أكثر من كونه منزلًا.
ثريات ضخمة تتدلى من الأسقف، ونساء يرتدين المجوهرات يبتسمن دون دفء، وكل نفس كنت أتنفسه بجوار آسر كان يجعلني أشعر أن الجميع يحكم عليّ في صمت.
أنا ملك.
نشأت في الإسكندرية مع أم كانت تعمل سكرتيرة في مدرسة، وأب اختفى من حياتنا قبل أن أصبح كبيرة بما يكفي لأتذكره.
أما آسر، فقد نشأ وسط الفنادق وشركات الاستثمار والثروة القديمة، وكان والداه يتعاملان مع الحب وكأنه قرار تجاري يحتاج إلى حساب دقيق.
في تلك الليلة، كانت والدته نوال القناوي تراقبني من الطرف الآخر للطاولة بابتسامة رفيعة تحمل الكثير من المعاني.
وعندما سأل والده فؤاد القناوي عن مستقبل علاقتنا، توتر آسر بجواري، ورفض حتى أن ينظر في عيني.
“آسر؟” همست.
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
“إنتِ مش مكانك هنا يا ملك.”
شعرت أن معدتي انقبضت، لكنني انتظرت منه أن يشرح.
بدلًا من ذلك، تحولت عيناه إلى برود قاسٍ وهو يقول:
“إنتِ مش مناسبة لعيلتي.”
لثانية واحدة، ظننت أنني أسأت فهمه.
قبل ثلاثة أيام فقط، كان الرجل نفسه يحتضنني ويقسم لي أنه لا يهتم بما يفكر فيه والداه.
لكن الآن كان جالسًا بجوارهما كابن مطيع ينفذ أوامرهما.
“هو ده فعلًا رأيك فيا؟” سألته.
شد أصابعه حول كأسه.
“ده الكلام اللي لازم يتقال.”
هززت رأسي وأنا أتمتم:
“لأ… ده الكلام اللي إنت اخترت تقوله.”
وقفت رغم أن ركبتيّ كانتا ترتجفان.
“أتمنى اسم عيلتك يقدر يدفّيك.”
لكن آسر لم يلحق بي.
وفي صباح اليوم التالي، كنت قد حزمت حقيبة واحدة، وتركت مفتاح شقته فوق طاولة المطبخ، واستقلت قطارًا متجهًا إلى القاهرة.
لم تكن القاهرة جزءًا من خطة كبيرة.
كانت فقط بعيدة بما يكفي عن الرجل الذي أهانني.
استأجرت شقة صغيرة في مصر الجديدة، وحصلت على عمل في مكتبة صغيرة اسمها مكتبة النيل، تملكها امرأة أرملة تُدعى الحاجة سعاد، كانت تبلغ من العمر سبعين عامًا، وكانت بطريقة غريبة تفهم الأشخاص المكسورين دون أن تسألهم عن تفاصيل أوجاعهم.
وبعد ثلاثة أسابيع من وصولي، جلست وحدي في حمام إحدى العيادات، أحدق في خطين ورديين على اختبار الحمل.
حامل.
عادت كلمات آسر إلى رأسي فورًا.
“إنتِ مش مناسبة لعيلتي.”
وضعت يدي المرتجفة على بطني.
“إنتِ كفاية يا حبيبتي.”
همست:
“حتى لو أبوكي ما عرفش إنك موجودة… إنتِ كفاية.”
كان الحمل مرهقًا جسديًا وماديًا لدرجة كبيرة.
وفي أكثر من مرة، كنت أحدق في رقم آسر على هاتفي وأتساءل إن كنت مدينة له بالحقيقة.
لكن في كل مرة، كنت أتذكره جالسًا في مكانه بصمت بينما كنت أخرج من حياته.
ثم جاء موعد فحص الموجات فوق الصوتية في الأسبوع العشرين، وتغير كل شيء.
ابتسمت الطبيبة وهي تنظر إلى الشاشة.
“فيه نبضين.”
رمشت بعيني.
“نبضين؟”
أدارت الشاشة نحوي.
توأم.
ضحكت وبكيت في الوقت نفسه حتى شعرت أنني لا أستطيع التنفس.
وعندما أخبرت الحاجة سعاد، بكت هي أيضًا أكثر مني، ثم قالت وسط دموعها مازحة إن المكتبة ستحتاج إلى ركن أطفال أكبر.
مرت الأشهر.
ثم بدأ المخاض أثناء عاصفة قوية ضربت القاهرة.
الحاجة سعاد هي التي أخذتني إلى المستشفى، بينما كنت أقبض على مقبض السيارة بين الانقباضات.
وبعد ساعات طويلة من الألم، ملأت أول صرخة الغرفة أخيرًا.
طفلة.
وبعد دقائق قليلة، جاءت صرخة أخرى.
طفلة ثانية.
وعندما وضعت الممرضة الطفلتين الصغيرتين على صدري، ضربني الحب بعنف لدرجة أن كل الإهانة التي تسبب فيها آسر بدت فجأة بعيدة جدًا.
إحدى الطفلتين كانت تملك فمي.
لكن الاثنتين كانتا تحملان عيني آسر الزرقاوين اللتين لا يمكن الخلط بينهما وبين أي شخص آخر.
ابتسمت الممرضة بحنان وهي تنظر إلى الطفلتين النائمتين بين ذراعي.
“هنسميهم إيه؟”
فتحت فمي، وأنا أحدق في عيني الرجل الذي أخبرني يومًا أنني لست مناسبة لعائلته.
ولم أكن أتخيل أن هذا الرجل نفسه سيحدق يومًا في العينين ذاتهما.
حكايات شروق خالد
“نسميهم إيه؟”




