عام

الـ12 مليون دولار وسرّ عيلة المنصوري» حكايات شروق خالد

في الليلة اللي رحّبت فيها بوالد أصغر زعيم  في القاهرة بلهجة صعيدية قديمة، اتجمّد حوالي 12 مليون دولار قاعدين على الترابيزة، والكل بطل ياكل.

كان المدير بتاعي أمرني أفضل مستخبية في المطبخ، لأنه شايف إني مش “شيك كفاية” لعيلة المنصوري.

لكن 6 كلمات بس كانوا كفاية إن محمود المنصوري، اللي عنده 29 سنة، يلف ناحيتي كأني لسه كاشفة سر محدش في القاهرة كلها المفروض يعرفه.

قبلها بنص ساعة، كان ممدوح جلال حاصرني جنب ترابيزة تحضير الأكل المصنوعة من الاستانلس.

قال:

“الطرقة الخلفية الليلة يا نادين.”

بصيت له باستغراب.

“نعم؟”

“سمعتي اللي قولته.”

مطعم “البيلفورتي” كان متجهز لأهم عشا خاص استضفناه طول السنة.

المطعم كله، اللي عادة بيستقبل حوالي 80 زبون، كان محجوز الليلة دي لـ12 فرد بس من عيلة المنصوري.

قلت:

“أنا مسؤولة عن القسم التالت.”

“مش بعد النهارده.”

“ليه؟”

بص لي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي كان بيستخدمها كل مرة حد مايبقاش على مقاس الصورة اللي هو عايزها.

أنا ماكنتش تخينة ولا مهملة.

كنت عندي 29 سنة، رفيعة، شعري غامق، وبعرف أعمل شغلي كويس جدًا.

لكن واضح إن الزي البسيط اللي بلبسه، والمكياج الخفيف، وشكلي العادي، ماكانوش مناسبين لفكرته عن الفخامة.

قال:

“الليلة محتاجة مستوى معين من الشكل.”

سألته:

“مستوى إيه؟”

قال ببرود:

“أناقة.”

الكلمة نزلت في مكان هو كان قاصد يوجعني فيه بالضبط.

أنا كان عندي أعلى تقييمات رضا من الزباين بين كل الجرسونات.

كنت عارفة كل مكونات قائمة الشيف لوران، وتفضيلات كل ترابيزة، وعندي معلومات عن مخزن المشروبات في المطعم أكتر من ممدوح نفسه.

لكن إيجار البيت كان مستحق يوم الاتنين.

فبلعت كرامتي.

“عايزني أعمل إيه؟”

قال:

“هتديري الخدمة من الخلف. كلوي وماديسون هيمسكوا صالة الطعام.”

بصيت له.

“دول بقالهم 6 أسابيع بس.”

رد ببساطة:

“شكلهم مناسب.”

وهنا فهمت كل حاجة.

لفيت وشي قبل ما أقول كلمة تخليني أخسر شغلي.

وفجأة، صوت من طفولتي رجع في دماغي.

كانت جدتي حياة روماني دايمًا بتقول لي:

“ماتترجيش الأغبياء يشوفوا قيمتك… خليهُم يندموا إنهم ما شافوهاش.”

كانت حياة عايشة جنب أمي وأنا في شبرا، وكانت تقريبًا هي اللي ربتني وقت ما أمي كانت بتشتغل ورديتين عشان تصرف علينا.

كانت من أصول صعيدية قديمة، وعلمتني لهجة أهل بلدها اللي اتربت عليها، مش اللغة الرسمية اللي الناس بتتعلمها في المدارس، لكن اللهجة الشعبية القديمة، اللي فيها كلمات موسيقية ونبرة قوية، وبتسمعيها في البيوت القديمة، والمطابخ المزدحمة، وعلى لسان الستات الكبيرات اللي يقدروا يزعقوا في 3 أجيال من عيلتك وهما بيصبوا الشاي.

ولما وصلت 17 سنة، كنت بتكلم اللهجة دي بطلاقة.

أما دلوقتي، وأنا عندي 29 سنة، كنت تقريبًا نسيتها.

لحد ما عيلة المنصوري وصلت.

وقفت من بعيد عند محطة الخدمة، وبصيت لمحمود المنصوري وهو داخل الأول.

كان أصغر مما توقعت.

29 سنة بس.

محمود مد إيده للظرف.

الحاج سالم منعه.

“دي ليها.”

بص لي محمود.

وبعدين قال:

“افتحيها.”

فتحت الظرف بأصابع مرتعشة.

جواه ورقة واحدة.

وكان أول سطر فيها:

“لو الورقة دي وصلت لنادين، يبقى أنا مت.”

شهقت.

محمود قرب من غير ما يحس.

كملت القراءة:

“يا بنتي، لو قابلتي يومًا عيلة المنصوري، ما تثقيش في كبيرهم ولا صغيرهم.”

وقفت.

الحاج سالم أغمض عينيه.

محمود قال:

“كمّلي.”

بصيت له.

وبعدين رجعت للورقة.

السطر اللي بعده كان أقصر.

وأخطر.

“لأن اللي … واحد منهم.”

وقعت الورقة من إيدي.

وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت تكسير زجاج جاي من الصالة.

وبعده مباشرة صوت طلقة.

محمود قام.

الحاج سالم وقف بصعوبة.

أما أنا، فقبل ما أتحرك، محمود مسك إيدي وشدني وراه.

وقال:

“من اللحظة دي… ما تبعديش عني.”

بصيت له.

“ليه؟”

ثبت عينه في عيني وقال:

“لأن اللي قتل أبوكي عرف إنك هنا.”

ثم أضاف بصوت أخفض:

“وعرف إنك قريتي الرسالة.”
حكايات شروق خالد

ما لحقتش أسأله يعني إيه.

صوت طلقة تانية دوّى في المطعم.

الحاج سالم وقع على الكرسي، ومحمود سحبني بسرعة ناحية الحائط.

صرخ:

“اطفوا النور!”

ثواني، والمطعم كله غرق في الضلمة.

سمعت كراسي بتتزحلق، وزجاج بيتكسر، وصوت رجالة بتجري.

كنت واقفة ورا محمود، وإيدي متعلقة في قميصه من غير ما أحس.

قال لي بصوت واطي:

“ما تتحركيش.”

همست:

“مين دول؟”

“ناس جاية .”

“مين؟”

سكت.

وبعدين قال:

“الناس اللي أبوكي كان خايف منهم.”

قلبي كان بيخبط

.

وفجأة نور صغير ظهر ناحية باب المطبخ.

رجل مسلح دخل وهو بيبص حوالين المكان.

محمود شدني لتحت.

الرجل قرب.

خطوة.

خطوتين.

وبعدين وقف.

رفع سلاحه ناحية الحاج سالم.

محمود خرج من مكانه بسرعة.

صوت خناقة قصيرة اتسمع، وبعدها وقع الرجل على الأرض.

محمود أخد  ورماه بعيد.

رجع لي.

“إنتِ كويسة؟”

هزيت راسي.

“آه.”

بص ناحية الورقة اللي وقعت على الأرض.

“فين الرسالة؟”

دورت عليها.

لقيتها تحت الكرسي.

مسكتها.

لكن قبل ما أرجع له، شفت حاجة مكتوبة في ظهر الورقة.

جملة صغيرة.

“مفتاح الخزنة عند حياة.”

اتجمدت.

محمود لاحظ وشي.

“في إيه؟”

ناولته الورقة.

قرأها.

ملامحه اتغيرت.

“جدتك.”

قلت:

“جدتي ماتت من خمس سنين.”

الحاج سالم قال من ورا ضهرنا:

“مش كل حاجة كانت عندها معاها.”

بصيت له.

“يعني إيه؟”

سكت شوية، وبعدين قال:

“حياة كانت بتخبي حاجة.”

“إيه؟”

“حاجة لو ظهرت النهارده، هتوقع ناس كتير.”

محمود قرب منه.

“ناس من عيلتنا؟”

الحاج سالم قال:

“أكتر مما تتخيل.”

قبل ما حد يتكلم، باب المطعم اتفتح بعنف.

دخل ثلاثة رجال من رجال محمود.

واحد منهم قال:

“الطريق اتأمن.”

محمود رد:

“كام واحد؟”

“خمسة هربوا، واتمسك اتنين.”

“واللي ضرب؟”

“لسه بندور عليه.”

محمود لف ناحيتي.

“هنمشي.”

قلت:

“أنا؟”

“أيوه.”

“بس أنا شغالة هنا.”

 

بص لي بنظرة غريبة.

“من النهارده مش شغالة هنا.”.

“يعني إيه؟”

قال:

“يعني ممدوح مش هيقدر يقرب منك تاني.”

“أنا مش محتاجة حماية.”

قرب مني خطوة.

“إنتِ مش فاهمة.”

“فاهمة كويس.”

“لأ، مش فاهمة.”

صوته بقى أكثر حدة.

“الناس اللي دخلت هنا ماجتش عشان أبويا.”

سكت.

“جايين عشانك.”

ضحكت بعصبية.

“أنا؟ أنا جرسونة.”

محمود بص لي طويلًا.

“وده بالضبط اللي مخليهم يفتكروا إنك سهلة.”

الحاج سالم قال:

“محمود.”

لف له.

“خدها على البيت القديم.”

محمود اتجمد.

“بيت الجيزة؟”

“أيوه.”

“إنت متأكد؟”

“ده المكان الوحيد اللي محدش يعرفه.”

قلت:

“أنا مش رايحة أي حتة.”

الحاج سالم بص لي.

“لو عايزة تعرفي مين قتل أبوكي، هتروحي.”

سكت.

الجملة أصابتني في أضعف نقطة عندي.

مين قتل أبويا؟

ليه مات؟

وليه جدتي كانت بتخبي السر كل السنين دي؟

بصيت لمحمود.

“ولو روحت معاك، هعرف الحقيقة؟”

قال:

“لو الحقيقة لسه موجودة، هنلاقيها.”

“وإنت ليه مهتم؟”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“لأن أبويا بيخبي عني حاجة من سنين.”

بص للحاج سالم.

“وأنا مش بحب حد يخبّي عني حاجة.”

الحاج سالم ابتسم بحزن.

“عشان كده بقيت أخطر مني.”

خرجنا من المطعم من الباب الخلفي.

المطر كان بدأ ينزل.

ركبت العربية وأنا ساكتة.

محمود قعد جنبي.

العربية اتحركت.

بعد حوالي عشر دقايق، سألته:

“إنت كنت تعرف أبويا؟”

“لا.”

“عمرك شفته؟”

“من الصور.”

“طب ليه حاسس إنك مصدق كل اللي قاله أبوك؟”

بص من الشباك.

“أنا ما صدقتش.”

“أمال؟”

“أنا شفت الخوف في عينه.”

سكت.

وبعد لحظة قال:

“وأبويا عمره ما بيخاف.”

بصيت قدامي.

“محمود.”

“نعم؟”

“الرسالة قالت إن المفتاح عند جدتي.”

“أيوه.”

“أنا فاكرة حاجة.”

لف ناحيتي.

“إيه؟”

“قبل ما جدتي تموت بشهر، ادتني علبة صغيرة.”

“فينها؟”

“في البيت.”

“فيها إيه؟”

“ما فتحتهاش.”

محمود ابتسم لأول مرة.

لكن ابتسامته ما كانتش مريحة.

قال:

“يبقى أول مكان هنروحه مش البيت القديم.”

سألته:

“فين؟”

قال:

“بيتك.”

العربية زادت سرعتها.

وبعد دقائق، وصلنا شبرا.

نزلت قدام العمارة.

طلعت السلم بسرعة، ومحمود ورايا.

فتحت الباب.

البيت كان ضلمة.

شغلت النور.

كل حاجة كانت زي ما سبتها.

دخلت أوضتي.

فتحت الدولاب.

طلعت صندوق خشب صغير.

كان عليه اسم جدتي.

حطيته على السرير.

محمود وقف بعيد.

“افتحيه.”

فتحت القفل.

جواه صور قديمة، سلسلة فضة، ومفتاح نحاس صغير.

لكن تحت المفتاح كان فيه ظرف.

أول ما شفته، قلبي وقف.

لأن الاسم المكتوب عليه كان:

“إلى نادين… لو محمود المنصوري هو اللي واقف جنبك.”

بصيت لمحمود.

هو قرأ الاسم.

ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

قال:

“ما تفتحيش.”

سألته:

“ليه؟”

قال:

“لأن جدتك كانت عارفة إني هاجي.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“وعارفة إنك في يوم من الأيام هتكوني واقفة جنبي.”

فتحت الظرف.

وفي داخله صورة واحدة.

صورة قديمة جدًا.

أنا ما عرفتش الأشخاص الموجودين فيها.

لكن محمود عرفهم.

لأن أول ما شاف الصورة، رجع خطوة للخلف.

قلت:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى