
سألت بهدوء لو الكرسي الفاضي محجوز… لكن زعيم المافيا عمل حاجة محدش كان يتوقعها. كانت الأمطار الشتوية بتنزل بعنف على ضفاف النيل في القاهرة، والهواء البارد بيخبط في واجهات المحلات والمطاعم، وبيحوّل الأرصفة المبلولة لمرايات بتعكس نور العربيات والمراكب اللي بتتحرك ببطء فوق الميه السودة. رنا عبد الرحمن زقت باب المطعم بكتفها ودخلت، وصوت الجرس النحاسي الحاد رن فوق راسها.
كانت رنا عندها 24 سنة، بملامح ناعمة وجميلة بشكل لافت، وبشرة قمحية صافية، وشعر بني كثيف بلون الكستناء، اتبل من المطر اللي كان لسه بينقط منه. لكن سنين طويلة من النظرات القاسية علمتها إن الغرباء غالبًا بيلاحظوا جسمها الممتلئ قبل ما يلاحظوا أي حاجة تانية فيها. المعطف النبيتي الباهت كان ضيق شوية على منحنيات جسمها، وطرفه كان بيخبي معظم الرجل الصناعية اللي بتلبسها في رجلها الشمال، واللي كانت بتبدأ من فوق الركبة.
وتحت دراعها اليمين كانت ماسكة عكاز قديم مصنوع من الألومنيوم، وطرفه المطاطي اتهرى من كتر الاستخدام على مدار أربع سنين كاملة. وفي إيدها التانية، كانت شايلة شنطة سفر بنية، جواها تقريبًا كل حاجة لسه فاضلالها في الدنيا. المفروض إن الدفا اللي جوه المطعم يطمنها، لكن الصمت المفاجئ اللي حصل أول ما دخلت خلاها تحس كأنها وقفت تحت كشاف نور، وكل الناس بتبص عليها.
الأكثر قراءة الان
الممرضة اللي كسرت خوف زعيم المافيا ج1 .حكايات شروق خالد
منذ يومين
غنّت له فصحى من غيبوبته ج1 #حكايات_شروق_خالد
منذ 4 أيام
«مربية ولاد زعيم المافيا كشفت السر اللي أخفى مرضهم سنين» ج1 #حكايات_شروق_خالد
منذ 4 أيام
كام زبون بصوا لجسمها، وبعدها لرجلها الشمال اللي حركتها كانت مختلفة، وبعدين رجعوا يبصوا في أكلهم بسرعة. رنا شدت إيدها على العكاز، وفكّرت نفسها إنها عدّت بحاجات أصعب بكتير من أحكام الناس عليها. المطعم كان مكان ضيق وقديم، في شارع قريب من كورنيش النيل، محشور بين محل أدوات صيد مقفول ومخزن قديم بيطل على النهر.
لمبات صفرا كانت معلقة فوق ترابيزات خشب مليانة خدوش من سنين الأطباق والأيادي، والجو كله كان مليان بريحة القهوة والبصل المحمر والهدوم المبلولة من المطر. كل ترابيزة تقريبًا كانت مشغولة، رغم إن فيه كذا كرسي فاضي، لكن متغطي بمعاطف أو شنط حريمي أو جرائد أو أكياس مشتريات. رنا قربت الأول من زوجين كبار في السن، لكن الست اللي شعرها أبيض حطت شنطتها على الكرسي الفاضي قبل ما رنا تلحق تتكلم.
وعند ترابيزة تانية، راجل ضخم شغال في الميناء النهري، لابس جاكت قماش متبهدل ومليان بقع، بص بشكل مباشر للعكاز بتاع رنا، وبعدها حط جزمتـه على الكرسي الفاضي اللي قدامه. محدش قال كلمة جارحة بصوت واضح. وده بطريقة غريبة خلّى الإهانة أسوأ. تصرفاتهم كانت هادية كفاية إنهم يقدروا ينكروا أي قصد وحش، وواضحة كفاية إن رنا تفهم الرسالة. حست بحرارة بتطلع لخدودها، لكنها رفضت توطي عينيها.
كانت سابت بيت خالتها الصبح، ووعدت نفسها إنها عمرها ما هتفضل تاني في مكان هي فيه مجرد شخص بيتحملوه بالعافية. ومش هتسمح لمطعم زحمة إنه يكسر الوعد ده قبل ما الليل يخلص. في الآخر، قربت منها واحدة من العاملات، كانت جاية من ورا الكاونتر وهي شايلة تلات مجات قهوة متشققة في إيد واحدة. الاسم المكتوب على بطاقة صدرها كان «نورا».




