عام

حين طرقت التوأم باب كوخه في العاصفة… حكايات شروق خالد

ثم بدأ يمشي نحو الظلام.

«أنا مش جاي أنقذكم.»

توقفت ملك.

التفت إليها.

«أنا جاي أعرف مين اللي سرق سبع سنين من حياتي.»

وفي نهاية النفق…

انفتح باب من تلقاء نفسه.

وكان خلفه ضوء أبيض قوي.

وصوت امرأة عجوز يقول:

«أخيرًا رجعت يا آدم.»

حكايات شروق خالد

توقف آدم عند عتبة الباب.

لم يتحرك.

حتى ملك لم تستطع أن تتنفس.

الصوت الذي خرج من الغرفة لم يكن صوت شخص يفترض أن يعرفه.

كان صوتًا هادئًا، متعبًا، لكنه واثق.

«أخيرًا رجعت يا آدم.»

رفع آدم مسدسه.

قال:

«مين؟»

جاء الرد:

«ادخل وشوف بنفسك.»

نظر آدم إلى ملك.

كانت شاحبة.

همس:

«إنتِ تعرفي الصوت ده؟»

هزت رأسها ببطء.

«أيوه.»

«مين؟»

قالت:

«ست اسمها زينب.»

«مين زينب؟»

«كانت المسؤولة عن البيت.»

تقدم آدم خطوة.

ثم أخرى.

دخل الغرفة.

كانت واسعة، وفي منتصفها مكتب خشبي قديم.

جلست خلفه امرأة تجاوزت الستين، ترتدي عباءة سوداء، وشعرها الأبيض مربوط خلف رأسها.

لكن الشيء الذي جعل آدم يتجمد لم يكن وجهها.

بل الصورة الموضوعة أمامها.

صورة قديمة.

كان فيها آدم.

أصغر بعشرين عامًا تقريبًا.

وكان يقف بجوار رجل يرتدي زي سلاح الفرسان.

والرجل الآخر…

كان والد ملك ومريم.

قال آدم:

«إيه ده؟»

قالت زينب:

«بداية كل حاجة.»

اقتربت ملك من الصورة.

«إزاي؟»

قالت زينب:

«أبوك ما كانش شريك جابر.»

نظرت إليها ملك بصدمة.

«أمال كان إيه؟»

«كان بيحاول يوقعه.»

وضعت زينب يدها فوق الصورة.

«وكان آدم واحد من الرجال اللي وثق فيهم.»

التفت آدم إليها.

«أنا؟»

«أيوه.»

«أنا عمري ما قابلت الراجل ده.»

قالت زينب:

«قابلته.»

ثم فتحت درجًا وأخرجت ورقة قديمة.

«في الليلة اللي اتهموك فيها إنك رفضت الأمر العسكري، ما كانش الأمر الحقيقي هو اللي وصل لك.»

حدق آدم في الورقة.

كان ختم الوحدة موجودًا.

لكن التوقيع…

لم يكن توقيع قائده.

قال:

«مزور.»

«بالضبط.»

قالت زينب:

«أنت تلقيت أمرًا مزورًا بإخلاء ممر السدر.»

تغير وجه آدم.

«والرجالة اللي ماتوا؟»

«ما كانش لازم يموتوا.»

ساد الصمت.

قالت زينب:

«كان الهدف إنك تتحمل المسؤولية.»

شد آدم الورقة حتى تجعدت بين أصابعه.

«مين عمل كده؟»

نظرت زينب إلى ملك.

ثم إلى مريم.

ثم قالت:

«جابر لوحده ما كانش يقدر.»

قال آدم:

«مين؟»

«الرجل اللي كان بيصدر الأوامر من فوق.»

قبل أن تسأله، دوى صوت انفجار في الخارج.

اهتز المنزل.

تساقط الغبار من السقف.

صرخت مريم.

ركض آدم إلى النافذة.

رأى رجالًا يقتحمون البوابة.

قال:

«جابر.»

هزت زينب رأسها.

«مش جابر.»

ثم قالت:

«اللي جاي دلوقتي أخطر.»

دخل رجل مسرعًا إلى الغرفة.

قال:

«يا حاجة زينب، البوابة التانية وقعت.»

سأل آدم:

«كام واحد؟»

«كتير.»

قالت ملك:

«لازم نهرب.»

لكن زينب لم تتحرك.

قالت:

«مفيش هروب.»

ثم فتحت درجًا آخر.

أخرجت منه دفترًا أسود سميكًا.

ووضعته أمام آدم.

«ده فيه كل الأسماء.»

فتح آدم الدفتر.

كانت الصفحات مليئة بأسماء وتواريخ ومبالغ.

قرأ اسمًا.

ثم اسمًا آخر.

ثم توقف.

كان هناك اسم يعرفه جيدًا.

اسم رجل كان يظنه لسنوات واحدًا من أشرف القادة الذين خدم تحتهم.

قال بصوت منخفض:

«اللواء فؤاد المرسي.»

قالت زينب:

«أيوه.»

رفعت ملك يدها إلى فمها.

«ده كان قائد آدم.»

قال آدم:

«هو اللي زور الأمر.»

«وهو اللي كان بيحمي جابر.»

ثم قالت زينب:

«وهو اللي قتل أبوكم.»

تراجعت مريم.

«ليه؟»

قالت زينب:

«لأن أبوكم كان عنده نسخة من الدفتر.»

ثم نظرت إلى آدم.

«وكان عايز يسلمهالك.»

صمت آدم.

«إمتى؟»

«في الليلة اللي اتقتل فيها.»

قالت ملك:

«إنتِ كنتِ هناك؟»

«أيوه.»

«وشوفتيه؟»

أومأت.

«وشفت مين قتله.»

تقدمت ملك.

«مين؟»

فتحت زينب فمها.

لكن قبل أن تتكلم…

انطلقت رصاصة من النافذة.

سقطت زينب إلى الخلف.

صرخت مريم.

اندفع آدم إليها.

كان الدم ينتشر على عباءتها.

قال:

«زينب!»

فتحت عينيها بصعوبة.

أمسكت يده.

همست:

«ما تثقش في…»

توقفت.

ثم نظرت خلفه.

اتسعت عيناها.

«هو دخل.»

استدار آدم.

لم يكن هناك أحد.

ثم سمع صوت تصفيق بطيء من خلف الباب.

تصفيق.

خطوة.

ثم أخرى.

وظهر رجل في مدخل الغرفة.

لم يكن جابر.

كان يرتدي معطفًا عسكريًا قديمًا.

وشعره أصبح أبيض عند الصدغين.

لكن آدم عرفه فورًا.

تراجع نصف خطوة.

«فؤاد.»

ابتسم الرجل.

«كنت مستني اللحظة دي من سبع سنين.»

رفع آدم مسدسه.

قال فؤاد:

«لو قتلتني، مش هتعرف مين كان أبو ملك ومريم بيحاول ينقذك منه.»

قالت ملك:

«إنت كذاب.»

ضحك فؤاد.

«اسألي آدم.»

نظر آدم إليه.

«من مين؟»

اقترب فؤاد.

«من نفسك.»

ساد الصمت.

ثم قال:

«لأن والدك الحقيقي… ما ماتش.»

تجمد آدم.

سقط الدفتر من يده.

«إيه؟»

ابتسم فؤاد.

«وأنا عارف هو فين.»

ثم أضاف:

«بس لو عايز تشوفه، لازم تسيب البنات هنا.»

رفع آدم مسدسه أكثر.

«يبقى مش هعرفه.»

ابتسم فؤاد.

«كنت عارف إنك هتقول كده.»

ثم رفع يده.

وفي اللحظة نفسها…

انطفأت كل أنوار البيت.

وترددت أصوات عشرات الرجال وهم يقتحمون المكان.

أما ملك، فأمسكت يد آدم.

وقالت:

«إحنا مش هنسيبك.»

نظر إليها.

ثم إلى مريم.

ثم إلى الدفتر.

وأدرك أن الليلة لم تعد مجرد هروب.

لقد أصبحت حربًا.

وحرب آدم الحقيقية…

كانت قد بدأت للتو.

حكايات شروق خالد

انطفأت الأنوار بالكامل.

وفي الظلام، سمع آدم صوت فؤاد يضحك.

ثم دوى أول إطلاق نار من الطابق السفلي.

صرخت مريم:

«إحنا محاصرين!»

رد آدم:

«لأ.»

أمسك الدفتر الأسود.

«إحنا اللي هنحاصرهم.»

سألته ملك:

«إزاي؟»

لم يجب.

كان ينظر إلى الجدار خلف مكتب زينب.

لاحظ شقًا صغيرًا في الخشب.

اقترب منه وضغط عليه.

انفتح جزء من الجدار.

ظهر ممر ضيق.

قالت زينب بصوت ضعيف:

«الممر ده… يوصل للإسطبل القديم.»

نظر آدم إليها.

«إنتِ تقدري تمشي؟»

ابتسمت.

«مش هتسيبني بعد كل اللي عملته عشانه.»

«مين؟»

«أبوك.»

توقف آدم.

لكن الوقت لم يسمح له بالسؤال.

حمل زينب على كتفه، بينما أخذت ملك يد مريم.

دخلوا الممر.

وخلفهم، انفتح باب الغرفة بعنف.

دخل فؤاد.

نظر إلى المكان الفارغ.

ثم لمح الدم على الأرض.

ابتسامته اختفت.

«دوروا عليهم!»

ركض آدم داخل الممر.

كان ضيقًا لدرجة أنه اضطر إلى الانحناء.

قالت ملك:

«المخرج قريب.»

«إنتِ متأكدة؟»

«أيوه.»

«إزاي؟»

«أبونا كان بيهرب منه ناس قبل ما يموت.»

توقف آدم لحظة.

«كان بينقذهم؟»

«أيوه.»

ثم أضافت:

«وعشان كده قتلوه.»

وصلوا إلى نهاية النفق.

فتح آدم الباب.

خرجوا خلف الإسطبل.

كان المطر قد توقف.

لكن السماء بقيت سوداء.

قال آدم:

«فين الخيول؟»

أشارت مريم.

«هناك.»

ركضوا.

لكن قبل أن يصلوا إليها، ظهرت ثلاثة ظلال أمامهم.

رجال فؤاد.

رفع أحدهم بندقيته.

اندفع آدم أمام التوأم.

لكن قبل أن يطلق الرجل النار…

دوى صوت طلقة من بعيد.

سقط الرجل.

ثم طلقة ثانية.

وسقط الثاني.

أما الثالث فهرب.

نظر آدم إلى التلة.

كان هناك رجل يقف بجوار شجرة.

رجل طويل.

يرتدي معطفًا بنيًا.

تقدم ببطء.

رفع آدم مسدسه.

قال:

«مين إنت؟»

لم يجب الرجل.

اقترب أكثر.

ثم قال:

«لسه بتصوب سلاحك عليّ يا ابني؟»

تجمد آدم.

كانت نبرة الصوت مألوفة.

مستحيلة.

قال آدم:

«ابني؟»

اقترب الرجل حتى ظهر وجهه تحت ضوء القمر.

لم يكن شابًا.

كان في أواخر الستينيات.

وجهه يحمل ندبة طويلة فوق حاجبه.

لكن عينيه…

عرفهما آدم.

عينيه.

مثل عينيه تمامًا.

تراجع آدم خطوة.

«إنت…»

قال الرجل:

«أنا محمود الشناوي.»

سقط المسدس من يد آدم.

لم تستطع ملك الكلام.

أما مريم فشهقت.

«أبوك؟»

نظر آدم إلى الرجل.

سبع سنوات.

كل تلك السنوات كان يظن أن والده مات.

كل ذكرى.

كل قبر.

كل ليلة قضاها وهو يتساءل لماذا لم يستطع حتى أن يودعه.

قال آدم:

«إنت عايش؟»

أجاب محمود:

«كنت لازم أموت.»

«ليه؟»

«عشان أخليك عايش.»

اقترب آدم منه.

ثم توقف.

«ليه سبتني أصدق إنك مت؟»

خفض محمود عينيه.

«لأنهم كانوا بيراقبوك.»

«مين؟»

«فؤاد.»

ثم نظر إلى ملك ومريم.

«وجابر.»

قالت ملك:

«إنت كنت تعرف أبونا؟»

أومأ محمود.

«أبوك كان أخويا.»

تجمدت ملك.

«أخويا؟»

«وأنا كنت مسؤول عن إخراج أول مجموعة من النساء.»

ثم نظر إلى آدم.

«أبوك الحقيقي مش أنا.»

لم يفهم آدم.

«إيه؟»

أخرج محمود ورقة قديمة.

ناولها له.

قرأ آدم الاسم.

ثم رفع عينيه.

«مستحيل.»

قال محمود:

«أيوه.»

كانت الورقة تحمل اسم والدته.

وتحت اسمها اسم رجل آخر.

رجل لم يسمع آدم اسمه من قبل.

قال:

«مين ده؟»

أجاب محمود:

«الرجل اللي كان فؤاد بيخاف منه طول عمره.»

«مين؟»

اقترب محمود.

وقال:

«صاحب الشبكة كلها.»

ثم أضاف:

«والرجل اللي أنت قضيت حياتك فاكره ميت.»

شهقت ملك.

لكن قبل أن يسأل آدم…

دوى صوت رصاص من جهة البيت.

التفت محمود.

«فؤاد لحقنا.»

قال آدم:

«نروح فين؟»

أشار محمود إلى الجبال.

«في كهف على بعد ميلين.»

ثم نظر إلى الدفتر.

«لو الدفتر وقع في إيد فؤاد، كلنا هنموت.»

أمسك آدم بالدفتر.

«مش هياخده.»

لكن صوتًا جاء من خلفهم:

«مش محتاج آخده.»

استداروا.

كان فؤاد واقفًا على بعد أمتار.

وبجانبه جابر.

كان وجه جابر مليئًا بالكدمات، لكنه كان يبتسم.

قال فؤاد:

«أنا بس محتاج أعرف مين فيكم هيموت الأول.»

رفع آدم سلاحه.

رفع فؤاد سلاحه.

وفي اللحظة نفسها، تحركت ملك أمام آدم.

صرخ:

«ملك! ابعدي!»

لكنها لم تتحرك.

كانت تنظر إلى فؤاد.

ثم قالت:

«أنت غلطت في حاجة واحدة.»

سألها:

«إيه؟»

ابتسمت.

«إنت افتكرت إننا هربنا منك.»

وأخرجت من جيبها ورقة صغيرة.

«لكن إحنا من أول يوم كنا بنقودك للمكان اللي عايزينه.»

تغير وجه فؤاد.

قال آدم:

«ملك… إيه الورقة دي؟»

أجابته دون أن تنظر إليه:

«دليل على إن جابر وفؤاد مش أكبر رؤوس الشبكة.»

ثم رفعت الورقة.

«في اسم ثالث.»

تقدم فؤاد خطوة.

«مين؟»

نظرت ملك إلى آدم.

«اسم الشخص اللي دفع فلوس علشان يقتل أبوك.»

ثم قالت:

«والشخص ده…»

توقفت.

«موجود هنا.»

ساد الصمت.

ثم خرج صوت من خلف الأشجار:

«كفاية لعب.»

استدار الجميع.

وكان هناك رجل ثالث يخرج من الظلام.

رجل لم يكن آدم يعرفه.

لكن محمود عرفه.

وتغير وجهه بالكامل.

قال بصوت مبحوح:

«إنت…»

ابتسم الرجل.

«وحشتني يا محمود.»

ثم نظر إلى آدم.

وقال:

«وأنت أكيد ابني.»

تجمد العالم حول آدم.

لم يسمع المطر.

ولا الخيول.

ولا حتى صوت أنفاسه.

فقط كلمة واحدة ظلت تتردد في رأسه:

«ابني.»

ملك نظرت إليه.

ثم إلى الرجل.

أما جابر، فتراجع خطوة.

لأول مرة منذ بداية الليلة…

بدا جابر خائفًا.

وفؤاد أنزل سلاحه.

ثم قال الرجل:

«آدم… أنا أبوك.»

حكايات شروق خالد

لم يتحرك آدم.

ظل ينظر إلى الرجل الواقف أمامه، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.

قال بصوت مبحوح:

«أنت مين؟»

ابتسم الرجل.

«اسمي مراد.»

تدخل محمود:

«ما تصدقوش.»

التفت مراد إليه.

«لسه بتحاول تحميه؟ بعد كل السنين دي؟»

رفع آدم سلاحه.

«عايز الحقيقة.»

قال مراد:

«الحقيقة إن أمك كانت بتحاول تهرب بيك من الشبكة. أبوك الحقيقي مات قبل ما تولد.»

ثم أشار إلى محمود.

«وده كان أقرب صاحب ليه. هو اللي أخدك ورباك.»

نظر آدم إلى محمود.

«ليه ما قلتليش؟»

خفض محمود رأسه.

«لأن الحقيقة كانت هتقتلك.»

قال آدم:

«وإخفاؤها أنقذني؟»

«أيوه.»

ضحك مراد.

«كفاية كذب.»

وفجأة رفعت ملك الورقة التي كانت في يدها.

قالت:

«إحنا عندنا دليل.»

نظر إليها مراد.

«دليل على إيه؟»

«إنك أنت اللي أصدرت أمر قتل أبويا.»

تغير وجهه.

تابعت:

«وإن فؤاد كان مجرد أداة.»

ثم رفعت الدفتر الأسود.

«وإن كل اللي عملته مكتوب هنا.»

نظر مراد إلى فؤاد.

«اقتلوهم.»

لكن فؤاد لم يتحرك.

قال:

«خلصت.»

«إيه؟»

«أنا تعبت.»

نظر إليه مراد بصدمة.

«إنت بتعمل إيه؟»

خفض فؤاد سلاحه.

«سبع سنين وأنا شايل ذنب رجالة ماتوا بسبب أوامرك.»

ثم نظر إلى آدم.

«أنت ما كنتش خاين يا شناوي.»

رفع آدم عينيه إليه.

«كنت بريء.»

أومأ فؤاد.

«وأنا كنت جبان.»

انطلقت رصاصة.

لكنها لم تأتِ من فؤاد.

كان جابر.

أصاب فؤاد في كتفه.

صرخت ملك.

واندفع آدم نحوها.

أطلق محمود النار على جابر، فسقط سلاحه.

ثم دوّت أصوات خيول قادمة من الطريق.

لم تكن خيول رجال مراد.

كانت قوات الشرطة.

تجمد الجميع.

قالت ملك:

«إنت اتصلت بيهم؟»

نظر آدم إلى مريم.

«هي.»

ابتسمت مريم لأول مرة.

«قبل ما نركب الخيل.»

دخل رجال الشرطة إلى المكان.

وفي غضون دقائق، انتهى كل شيء.

جابر اعتُقل.

فؤاد، مصابًا، سلّم نفسه واعترف.

أما مراد…

فحاول الهرب.

لكن آدم أوقفه.

لم يقتله.

فقط أمسكه من كتفه وقال:

«أنت ضيعت ناس كتير.»

ثم أضاف:

«أنا مش هكون زيك.»

بعد أسابيع، تحولت قضية جابر إلى واحدة من أكبر قضايا الاتجار بالبشر التي عرفتها المنطقة.

الدفتر الأسود كشف أسماء كثيرة.

رجال نفوذ.

تجار.

موظفين.

وحتى أشخاصًا ظن الجميع أنهم فوق القانون.

أما زينب، فنجت من الرصاصة.

وكان أول شيء فعلته بعد خروجها من المستشفى أن طلبت رؤية آدم.

قالت له:

«أبوك كان فخور بيك.»

سألها:

«أنهي أب؟»

ابتسمت.

«الاتنين.»

وبعد أشهر، أُعيد فتح ملف طرد آدم من سلاح الفرسان.

ثبتت براءته رسميًا.

لكن آدم لم يعد.

لم يكن يريد الزي القديم.

كان يريد شيئًا آخر.

بيتًا هادئًا.

وحياة لا يطارده فيها الماضي.

أما ملك ومريم، فقد بدأتا حياة جديدة بعيدًا عن البيت الذي احتجزهما سنوات.

وفي صباح ربيعي هادئ، وقف آدم أمام كوخه القديم.

كانت ملك بجواره.

قالت:

«فاكر أول ليلة؟»

ابتسم.

«لما حاولتي تخلعي المعطف؟»

ضحكت.

«كنت فاكرني جاية أبيع نفسي.»

«وأنا كنت فاكر إنك بتخبّي حاجة.»

نظرت إليه.

«كنت بخبي الخوف.»

«ودلوقتي؟»

اقتربت منه.

«دلوقتي مش خايفة.»

سألها:

«ليه؟»

وضعت يدها في يده.

«لأني عرفت إن فيه راجل ممكن يساعد من غير ما يطلب تمن.»

نظر آدم إليها طويلًا.

ثم قال:

«وأنا عرفت إن فيه ست ممكن تدخل عاصفة وتغير حياة راجل للأبد.»

ابتسمت.

«يعني نعتبرها ليلة حلوة؟»

ضحك آدم.

«كانت أسوأ ليلة في حياتي.»

سألته:

«وبعدين؟»

شد يدها.

«وبعدين بقت أحسن حاجة حصلتلي.»

ومن بعيد، كانت مريم تضحك وهي تلاحق حصانًا صغيرًا في الحقل.

رفع آدم عينيه إلى السماء.

لم يعد هناك رجال يطاردونه.

ولا أبواب سرية.

ولا أسماء مدفونة.

فقط أرض واسعة…

وبيت صغير…

وامرأة اختارت أن تثق به رغم أنها تعلمت طوال حياتها ألا تثق بأحد.

وفي تلك الليلة، عندما طرقت ملك باب كوخه للمرة الأولى، كانت تظن أنها تبحث عن رجل ينقذها.

لكنها لم تكن تعرف أن آدم الشناوي كان يبحث عنها هو الآخر.

كان يبحث عن سبب يجعله يؤمن أن العالم لم يفسد بالكامل.

وقد وجده.

في امرأة جاءت تحت المطر…

وقالت له إنها لا تريد رحمته.

فأعطاها شيئًا أكبر بكثير.

الأمان.

والحب.

وحياة جديدة لا يملكها أحد سواها.

حين طرقت التوأم باب كوخه في العاصفة…

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى