عام

رقصة مع زعيم المافيا تحت تهديد رصاصة حكايات شروق خالد

ابتسم.

«أنا أعرف عيلتك أكتر مما تتخيلي.»

اندفع آسر نحوه وأمسكه من ياقة بدلته.

«اتكلم.»

ضحك الرجل رغم قبضة آسر.

«أبوك كان واحد من أقرب رجال القناوي زمان.»

اتسعت عيناي.

نظرت إلى آسر.

«إيه؟»

لم يجب.

«آسر… هو بيقول إيه؟»

ظل صامتًا.

«آسر!»

قال أخيرًا:

«الراجل ده مش بيكدب.»

شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي.

«إنت تعرف؟»

«كنت شاكك.»

«من إمتى؟»

«من أول ما أختي اتصلت.»

«ليه؟»

اقترب مني.

«لأن أختي قالت إن والدتك كانت ممرضة عند والدي.»

تذكرت أمي.

وجهها.

صمتها كلما سألتها عن أبي.

الصور القليلة التي كانت تخبئها داخل صندوق خشبي.

والجملة التي كانت تكررها دائمًا:

«أبوكي مات قبل ما تعرفيه.»

لكنها لم تقل لي يومًا أين مات.

ولا كيف.

ولا لماذا لم يكن لدينا حتى صورة واضحة له.

«أمي كذبت عليّ.»

خرجت الكلمات من فمي كأنها اعتراف.

قال آسر بهدوء:

«يمكن كانت بتحميكي.»

«من مين؟»

لم يجب.

لأن صوت هاتف الرجل المقبوض عليه رن فجأة.

توقف الجميع.

نظر ياسين إلى الشاشة.

ثم تغير وجهه.

«آسر…»

«إيه؟»

«الرسالة جاية من رقم مجهول.»

«اقراها.»

فتح ياسين الرسالة.

ثم نظر إليّ.

«بيقولوا… لو عايز مريم تعيش، آسر لازم يروح لوحده للميناء.»

ضحكت من شدة التوتر.

«طبعًا.»

نظر إليّ آسر.

«إيه؟»

«دي مش مصادفة.»

«إيه اللي مش مصادفة؟»

«أنا.»

اقتربت منه.

«هم مش عايزين يقتلوك بس. هم عايزين يوصلوا ليّ.»

ظل صامتًا.

«والراجل ده قال اسألها عن والدها.»

ثم فهمت شيئًا.

«هم عارفين حاجة أنا مش عارفاها.»

آسر نظر إلى الرجل المقبوض عليه.

«إنت عارف والدها؟»

أجاب:

«أعرف الحقيقة كلها.»

«قولها.»

«مش هنا.»

أمسكه آسر من كتفه.

«هتقولها دلوقتي.»

ابتسم الرجل.

«الحقيقة مش هتعجبك يا آسر.»

«جربني.»

نظر الرجل إليّ.

«والدك ما ماتش.»

لم أعد أسمع شيئًا.

ولا حتى صوت أنفاسي.

«إيه؟»

«والدك عايش.»

هززت رأسي.

«لأ.»

«وعارف إنك في ميامي.»

تراجعت.

«مستحيل.»

ثم أضاف:

«وهو اللي طلب منك تيجي هنا من الأساس.»

شهقت.

«أنا؟»

«أيوه.»

«أنا جيت هنا عشان الشغل.»

«أنتِ فاكرة كده.»

نظر آسر إلى ياسين.

«هات ملف والدها.»

«دلوقتي؟»

«دلوقتي.»

خرج ياسين مسرعًا.

بقيت واقفة أمام آسر.

«إنت مصدقه؟»

«أنا ما بصدقش حد.»

«حتى أنا؟»

نظر في عيني.

«خصوصًا إنتِ.»

جرحتني كلمته أكثر مما توقعت.

«أنا أنقذتك.»

«وعشان كده لسه واقف قدامك.»

«يعني شايفني متورطة؟»

«مش عارف.»

«بس أنا عارفة حاجة.»

«إيه؟»

اقتربت منه.

«لو كان أبويا عايش فعلًا… فأنا عايزة أقابله.»

هز رأسه.

«مش هتروحي له.»

«مش قرارك.»

«دلوقتي بقى قراري.»

«ليه؟»

اقترب حتى أصبح صوته همسًا.

«لأن أي شخص قادر يخلي قاتل يطاردك، ويعرف تاريخ عيلتك، ويعرف إنك أنقذتيني الليلة… مش عايز يقابلك عشان يقول لكِ وحشتيني يا بنتي.»

توقفت.

ثم جاء صوت ياسين من آخر الممر.

«آسر!»

استدارنا.

كان يحمل ملفًا بنيًا قديمًا.

اقترب منا.

«لقيته.»

فتح الملف.

كانت هناك صورة بالأبيض والأسود.

رجل شاب يقف بجوار رجل أكبر سنًا.

رجل أعرفه.

رأيت صورته مئات المرات.

أبي.

لكن بجواره…

كان والد آسر القناوي.

شعرت بأن ركبتي لم تعودا تحملانني.

وتحت الصورة، كان هناك سطر واحد فقط:

عبد الرحمن حسن القناوي — مفقود منذ خمسة عشر عامًا.

رفعت عيني إلى آسر.

«ليه اسمه القناوي؟»

لم يجب.

لأن هاتفه رن مرة أخرى.

هذه المرة لم يكن رقمًا مجهولًا.

كان اسمًا ظهر على الشاشة.

أبي.

آسر نظر إلى الهاتف.

ثم إليّ.

وقال:

«مريم… أبوكي بيتصل بيا.»

حكايات شروق خالد

حدقت في شاشة هاتف آسر.

كان الاسم واضحًا.

عبد الرحمن حسن.

اسم أبي.

الاسم الذي حفظته منذ طفولتي.

الاسم الذي كانت أمي تنطقه بحزن كلما سألتها عنه.

والآن كان يظهر على هاتف رجل لم أعرفه إلا منذ ساعات.

«رد.»

خرجت الكلمة مني بالكاد.

آسر لم يتحرك.

«آسر، رد عليه.»

ظل الهاتف يرن.

ثم توقف.

حل الصمت.

«ليه ما رديتش؟»

«لأني عايز أعرف هو بيتصل ليه.»

«يمكن عشان أنا بنته.»

«يمكن.»

رن الهاتف مرة أخرى.

هذه المرة ضغط آسر على زر الرد، ووضعه على مكبر الصوت.

«اتكلم.»

جاء صوت رجل من الطرف الآخر.

صوت عميق، متعب، لكنه ثابت.

«آسر.»

تجمد آسر.

«عبد الرحمن.»

شهقت.

كان صوت أبي.

لم أسمعه منذ طفولتي، لكن شيئًا داخلي عرفه قبل عقلي.

اقتربت من الهاتف.

«بابا؟»

ساد الصمت.

ثم جاء صوته:

«مريم.»

وضعت يدي على فمي.

دموعي نزلت دون استئذان.

«إنت عايش؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

لم يجب.

«ليه سبتني؟»

«كنت بحميكي.»

ضحكت وسط دموعي.

«من إيه؟ من أبويا؟»

«من الناس اللي كنت شغال معاهم.»

نظرت إلى آسر.

«القناوية؟»

سكت أبي.

آسر قال:

«هي عرفت.»

«ما كانش المفروض تعرف.»

«هي بقت في النص.»

«عارف.»

ثم جاء صوت أبي أكثر حدة.

«آسر، اسمعني كويس. مريم ما ينفعش تفضل معاك.»

«ده مش قرارك.»

«بالعكس. دي أكتر حاجة أنا أقدر أقررها.»

«إنت اختفيت خمسة عشر سنة.»

«عشان أخليها تعيش.»

تدخلت.

«وأنا؟»

سكت أبي.

«كنت عايزني أعيش من غير أب؟ من غير إجابات؟ من غير حتى صورة ليك؟»

«كان لازم.»

«لأ!»

خرجت صرختي.

«كان لازم تقول لي الحقيقة!»

«لو قلت لك، كانوا هيقتلوك.»

«مين؟»

«الناس اللي حاولوا يقتلوا آسر الليلة.»

ساد الصمت.

نظرت إلى آسر.

«يعني إيه؟»

أبي قال:

«محاولة الاغتيال دي ما كانتش بسبب آسر.»

شعرت بقشعريرة.

«أمال بسبب مين؟»

«بسببك.»

توقفت أنفاسي.

آسر شد فكه.

«ليه؟»

«لأن مريم هي مفتاح الملف.»

«أي ملف؟»

«الملف اللي كنت فاكر إن أبوك أحرقه.»

تغير وجه آسر.

«ملف الحسابات؟»

«أيوه.»

نظر آسر إلى ياسين.

«إيه ملف الحسابات؟»

لكن ياسين لم يجب.

أبي تابع:

«الملف فيه أسماء رجال كبار، قضاة، ضباط، رجال أعمال، ناس كانوا بيديروا شبكة أكبر من القناوي نفسه.»

قلت:

«وليه أنا مفتاحه؟»

«لأن الملف اتخبى قبل ما أختفي.»

«فين؟»

سكت أبي.

«بابا!»

«مع أمك.»

تجمدت.

«أمي؟»

«أمك عارفة كل حاجة.»

«أمي ماتت من سنتين.»

جاء صمته هذه المرة طويلًا.

ثم قال:

«مريم… أمك ما ماتتش.»

شعرت أن قلبي توقف.

«إنت بتقول إيه؟»

«الجنازة كانت تمثيلية.»

«لأ.»

«كانت الطريقة الوحيدة عشان أقدر أخفيها.»

«فين هي؟»

«قريبة منك.»

«فين؟»

«في القاهرة.»

اتسعت عيناي.

«القاهرة؟»

«أيوه.»

«يعني أمي عايشة؟»

«أيوه.»

بكيت.

لم أعد أستطيع منع نفسي.

أمي.

المرأة التي قضيت عامين أزور قبرها.

المرأة التي كنت أضع الورود على اسمها.

المرأة التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد…

كانت حية.

«أنا راجعة مصر.»

قال أبي فورًا:

«ممنوع.»

«مش هتمنعني.»

«مريم، لو رجعتي مصر دلوقتي، هتقتلي.»

«وأنا هنا إيه؟»

«هنا عندك فرصة.»

نظر آسر إليّ.

قال أبي:

«خلي آسر يحميكي.»

رفعت رأسي.

«آسر؟»

«هو الوحيد اللي أقدر أثق فيه.»

ضحك آسر بسخرية.

«بعد كل اللي حصل بين عيلتنا؟»

«أنا عارف الحقيقة يا آسر.»

«إيه الحقيقة؟»

«أبوك ما خاننيش.»

سكت آسر.

«إنت بتقول إيه؟»

«اللي خاننا كان أقرب شخص لينا.»

ثم انقطع الاتصال.

«بابا!»

لم يرد.

نظرنا إلى الهاتف.

المكالمة انتهت.

ياسين قال:

«الرقم اتقفل.»

آسر كان واقفًا دون حركة.

«آسر.»

لم يجب.

«إنت كويس؟»

نظر إليّ.

«أبوك قال إن والدي ما خانوش.»

«أيوه.»

«أنا عشت خمسة عشر سنة وأنا فاكر إن أبوكي هو السبب في موت أبويا.»

«ومين السبب؟»

رفع عيني إليّ.

«الشخص اللي حاول يقتلني الليلة.»

ثم انحنى والتقط الملف.

فتحه من جديد.

تحت الصورة القديمة كانت هناك ورقة مطوية.

فتحها.

قرأ السطر الأول.

ثم تغير وجهه بالكامل.

«إيه؟»

لم يجب.

انتزعت الورقة من يده.

كان عليها اسم واحد.

داليا منصور.

رفعت عيني ببطء.

«داليا؟»

المرأة التي كانت تدير الحفل.

المرأة التي أمرتني ألا أتحدث مع الضيوف.

المرأة التي كانت تعرف أنني موجودة في القاعة.

المرأة التي أرسلتني إلى طاولة آسر.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

«هي اللي حطتني عند طاولتك.»

آسر رفع رأسه.

«إيه؟»

«داليا.»

تذكرت.

قبل بداية الحفل، كانت قد قالت لي بنفسها:

«مريم، إنتِ هتخدمي الطاولة سبعة.»

لم تكن الطاولة سبعة ضمن منطقتي أصلًا.

لقد اختارتني أنا.

وأرسلتني إليه.

قال آسر:

«إذن النقطة الحمراء ما كانتش صدفة.»

نظرت إليه.

«هي كانت عايزة أكون هناك.»

«عشان أشوفك.»

«أو عشان أشوف حاجة.»

«أو عشان حد تاني يشوفك.»

تبادلنا النظرات.

ثم جاء صوت ارتطام قوي من الممر.

رفع آسر سلاحه.

ياسين أطفأ الأنوار.

فتح باب المخزن ببطء.

لم يكن هناك أحد.

لكن على الأرض كانت توجد بطاقة صغيرة.

انحنى ياسين والتقطها.

قرأها.

ثم نظر إليّ.

«مريم… دي ليكي.»

أخذتها.

كانت بطاقة فندق.

وعلى ظهرها كُتب بخط يد واضح:

لو عايزة تعرفي مين أمك فعلًا… تعالي لوحدك إلى الغرفة 1707.

وفي الأسفل كان هناك توقيع واحد:

داليا منصور.

نظرت إلى آسر.

«أنا رايحة.»

أمسك معصمي فورًا.

«لأ.»

«هتفضل طول الوقت تمنعني؟»

«أيوه.»

«حتى لو كانت أمي؟»

سكت.

ثم قال:

«مش هخليكي تروحي لوحدك.»

«يعني هتيجي معايا؟»

اقترب مني.

«هروح معاكي.»

ثم نظر إلى ياسين.

«لكن قبل ما نطلع للغرفة 1707… اقفلوا الفندق كله.»

توقف لحظة.

«لأن الليلة دي بدأت بمحاولة اغتيال.»

ثم نظر إلى البطاقة في يدي.

«وأنا متأكد إنها هتنتهي بحرب.»

حكايات شروق خالد

لم تكن الغرفة 1707 موجودة في الطابق السابع عشر.

اكتشفنا ذلك عندما وصلنا إلى المصعد.

ياسين ضغط على زر الطابق السابع عشر، لكن الزر لم يضئ.

«الغرف 1700 لحد 1709 مقفولة من سنين»، قال.

نظرت إلى البطاقة.

«بس دي بطاقة الفندق.»

أخذها آسر من يدي.

قلبها.

ثم مرر إصبعه على الحافة.

«دي مش بطاقة غرفة.»

«أمال إيه؟»

ضغط على جزء صغير فيها.

انفتح غطاء رفيع، وظهرت شريحة إلكترونية صغيرة.

رفع آسر عينيه.

«دي بطاقة وصول.»

تجمدت.

«لوين؟»

«لمكان الفندق مخبيه.»

أدخل البطاقة في لوحة المصعد.

صدر صوت إلكتروني.

وفجأة أضاء زر لم يكن موجودًا قبل لحظات.

17.

تحرك المصعد إلى أعلى.

لم يتحدث أحد.

كلما ارتفعنا، شعرت بأن معدتي تنقبض أكثر.

عندما فتح الباب، لم نجد ممرًا فاخرًا مثل باقي الفندق.

كان المكان مظلمًا.

جدرانه مغطاة بطبقة قديمة من الغبار.

وفي نهايته باب أسود.

آسر رفع سلاحه.

«خليكي ورايا.»

دخلنا.

كانت الغرفة فارغة.

إلا من كرسي واحد.

وعليه امرأة.

تجمدت في مكاني.

شعرها كان قصيرًا بعض الشيء، ووجهها شاحبًا.

لكنني عرفتها.

حتى بعد كل هذه السنوات.

«ماما؟»

رفعت المرأة رأسها.

تلاقت عيناها بعيني.

ثم قالت بصوت مرتجف:

«مريم.»

لم أعد أشعر بقدمي.

ركضت نحوها.

احتضنتها.

كانت حية.

دافئة.

وتتنفس.

انفجرت في البكاء داخل صدرها.

«إنتِ عايشة…»

أغلقت ذراعيها حولي.

«سامحيني.»

«ليه؟»

«كنت خايفة.»

«من إيه؟»

أبعدتني عنها ونظرت خلفي إلى آسر.

تغير وجهها.

«إنت ابن حسن القناوي.»

قال آسر:

«وأنتِ زوجة عبد الرحمن.»

هزت رأسها.

«مش زوجته.»

تجمدت.

«إيه؟»

نظرت إليّ.

«أبوك مش أبوكي يا مريم.»

لم أفهم.

ضحكت ضحكة صغيرة من شدة الصدمة.

«إيه؟»

«عبد الرحمن ربّاكي.»

«بس هو أبويا.»

«لأ.»

اقتربت مني وأمسكت وجهي بين يديها.

«أبوك الحقيقي مات قبل ما تولدي.»

سقطت دموعي.

«مين؟»

لم تجب.

نظرت إلى آسر.

«قوليله.»

قال آسر:

«قولي.»

أغمضت عينيها.

«أبوك الحقيقي كان أخو حسن القناوي.»

ساد الصمت.

نظرت إلى آسر.

«يعني… أنا من عيلة القناوي؟»

أومأت أمي.

«إنتِ بنت عم آسر.»

شعرت أن العالم كله انقلب.

آسر نفسه تراجع خطوة.

«إنتِ متأكدة؟»

«أنا كنت ممرضة في مستشفى العيلة. عرفت الحقيقة يوم ولادتها.»

«وليه عبد الرحمن أخدها؟»

«لأن حسن كان عايز يقتلها.»

رفع آسر حاجبه.

«يقتل بنت أخوه؟»

«لأن والدك كان قد كتب كل أسرار العيلة قبل موته.»

أمي اقتربت من الخزانة.

فتحت درجًا سريًا.

وأخرجت دفترًا أسود.

«والدفتر ده… مريم هي المفتاح الوحيد لفتحه.»

نظر آسر إلى الدفتر.

«إزاي؟»

أعطته أمي.

«بص على الغلاف.»

كان هناك نقش صغير.

دائرة بداخلها نقطة حمراء.

شعرت بقشعريرة.

«نفس النقطة.»

أمي أومأت.

«النقطة دي مش علامة قتل.»

«أمال إيه؟»

«علامة عيلتك الحقيقية.»

وقبل أن أتمكن من السؤال، انطفأت الأنوار.

أطلقت أمي صرخة.

سمعنا صوت زجاج يتحطم.

ثم طلقات متتالية.

آسر دفعني أرضًا.

ياسين جذب أمي خلف الحائط.

بدأ الرصاص يخترق الباب.

«اقعدي تحت!»

صرخت:

«مين دول؟»

أجاب آسر:

«ناس مش عايزيننا نخرج بالدفتر.»

ثم التفت إلى أمي.

«في مخرج تاني؟»

أشارت إلى الأرض.

«تحت السجادة.»

رفع ياسين السجادة.

كان هناك باب معدني.

فتحه.

ظهر سلم ضيق مظلم.

«انزلوا!»

نزلت أولًا.

أمي خلفي.

آسر آخر واحد.

لكن قبل أن يغلق الباب، ظهر ظل رجل عند المدخل.

رفع سلاحه.

أطلق رصاصة.

ثم أغلق آسر الباب بقوة.

صرخت:

«آسر!»

«أنا كويس.»

صوته كان منخفضًا.

لكن عندما نزل خلفنا، رأيت الدم على كتفه.

«إنت مصاب!»

«جرح بسيط.»

«ده مش بسيط!»

«مريم، انزلي.»

«مش هسيبك.»

توقف.

نظر إليّ للحظة.

ثم قال:

«دي أول مرة حد يقول لي كده.»

لم أعرف ماذا أجيب.

أمي كانت تنظر إلينا بصمت.

ثم قالت:

«المشكلة إنكم لسه مش فاهمين مين العدو الحقيقي.»

آسر رفع عينيه إليها.

«مين؟»

أمي أخذت نفسًا عميقًا.

«داليا منصور مش اللي بتحرك اللعبة.»

«مين إذن؟»

قالت:

«عبد الرحمن.»

تجمدت.

«بابا؟»

أومأت.

«هو اللي رتّب كل حاجة.»

رفعت يدي إلى فمي.

«حتى محاولة قتل آسر؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

نظرت إليّ أمي بحزن.

«عشان يخلي آسر يثق فيكي.»

«يثق فيا ليه؟»

صمتت.

ثم قالت الجملة التي جعلتني أشعر أنني لا أعرف أي شخص في حياتي:

«لأن عبد الرحمن كان عايزك توصلي لآسر… وتقتليه.»

حكايات شروق خالد

ظللت أحدق في أمي وكأنني لم أفهم الكلمات.

«أقتله؟»

أومأت والدموع في عينيها.

«كان أبوكي عايزك تدخلي حياته، تخليه يثق فيكي، وبعدها تقتليه.»

نظرت إلى آسر.

كان واقفًا أمامي، والدم ينزف من كتفه، لكنه لم يرفع سلاحه.

لم يبتعد.

فقط قال:

«كنت شاكك.»

«في إيه؟»

«إن إنقاذك ليا الليلة ما كانش صدفة.»

شعرت بالألم في صدري.

«بس أنا ما كنتش أعرف حاجة.»

«دلوقتي عارف.»

اقترب خطوة.

«وعشان كده عندك اختيار.»

«إيه؟»

«تقتلي الشخص اللي أبوكي طلب منك تقتليه… أو تختاري بنفسك مين تكوني.»

سكتُّ طويلًا.

ثم تذكرت كل شيء.

النقطة الحمراء.

الرقصة.

يده وهي تحميني.

الرصاصة.

الخوف.

ثم أدركت أنني لم أرَ في آسر رجلًا يستحق الموت.

رأيت رجلًا عاش عمره كله داخل حرب لم يخترها.

أخذت نفسًا عميقًا.

«أنا مش هقتلك.»

خفض آسر سلاحه.

وفي اللحظة نفسها، دوى صوت خطوات من أعلى السلم.

أمي شهقت.

«عبد الرحمن.»

فتح الباب.

ظهر رجل في الظلام.

شعره أصبح أبيض، ووجهه يحمل السنوات التي سرقها مني.

عرفته فورًا.

أبي.

نظر إليّ.

«مريم.»

تقدمت نحوه.

«ليه؟»

لم يجب.

«ليه عملت كل ده؟»

قال بصوت مكسور:

«عشان قتلوهم.»

«مين؟»

«أبوك الحقيقي… وأخويا… وكل الناس اللي حاولت تحمي الحقيقة.»

نظر إلى آسر.

«وأنا فضلت عايش عشان أنتقم.»

رفع آسر سلاحه.

لكنني وقفت بينهما.

«لأ.»

نظر إليّ.

«إبعدي.»

«مش هبعد.»

«هو قتل أبويا.»

«وأنت كنت هتقتل ابنه.»

«كان لازم.»

«لا.»

رفعت صوتي.

«مش لازم.»

ساد الصمت.

ثم أخرج أبي مسدسه.

وجّه سلاحه إلى آسر.

لم أفكر.

وقفت أمام آسر.

«لو هتضربه… اضربني الأول.»

تجمد أبي.

نظر إليّ طويلًا.

ثم ارتخت يده.

«كنت عارف إنك هتختاريه.»

هززت رأسي.

«أنا ما اخترتوش.»

نظرت إليه.

«أنا اخترت نفسي.»

سمعنا أصوات الشرطة في الخارج.

كان ياسين قد اتصل بهم قبل دقائق.

دخلت القوات إلى الفندق.

تم القبض على عبد الرحمن.

ثم تم القبض على داليا، التي اعترفت بأنها عملت معه طوال السنوات الماضية.

أما الدفتر الأسود، فكشف شبكة كاملة من الفساد والابتزاز والقتل.

وانتهت إمبراطورية القناوي القديمة في أسابيع.

لكن بالنسبة لي، كانت هناك حرب أخرى.

حرب التصالح مع الحقيقة.

لم يكن اسمي مريم عبد الرحمن فقط.

كنت مريم بنت الرجل الذي مات قبل ولادتي، وابنة المرأة التي قضت نصف عمرها تحميني، والفتاة التي حملت اسم رجل لم يكن والدها الحقيقي لكنه أحبها أكثر من أي شخص.

بعد أشهر، وقفت أمام قبر عبد الرحمن.

لم أبكِ.

فقط قلت:

«كنت أبي… حتى لما خذلتني.»

ثم وضعت وردة وغادرت.

وجدت آسر ينتظرني عند السيارة.

كان كتفه قد تعافى.

فتح لي الباب.

«خلصتي؟»

«أيوه.»

«عايزة ترجعي القاهرة؟»

ابتسمت.

«لأ.»

«ميامي؟»

«يمكن.»

«وتشتغلي في المقهى؟»

ضحكت.

«أكيد.»

نظر إليّ.

«حتى بعد كل اللي حصل؟»

«أنا محتاجة أعيش حياة عادية.»

ابتسم.

«ومين قال إن حياتي هتخليها عادية؟»

نظرت إليه.

«أنا ما قلتش إني عايزة حياة عادية.»

فتح باب السيارة.

جلست.

وقبل أن يغلق الباب، قال:

«على فكرة… لسه فاكر أول حاجة قلتيها لي.»

«إيه؟»

ابتسم.

«ارقص معايا كأنك جوزي.»

ضحكت.

«كنت بحاول أنقذ حياتك.»

«وأنا من يومها بحاول أفهم إذا كنتِ أنقذتيني… ولا أنقذتك.»

أغلقت الباب وأنا أبتسم.

وبعد عام كامل، في نفس القاعة التي بدأت فيها الحكاية، كانت الموسيقى تعزف من جديد.

لكن هذه المرة لم أكن نادلة.

ولم أكن خائفة.

كنت أرتدي فستانًا بسيطًا، وآسر كان واقفًا أمامي.

مد يده.

«ترقصي؟»

نظرت إلى جبهته وضحكت.

«مفيش نقطة حمرا المرة دي؟»

هز رأسه.

«ولا واحدة.»

أمسكت يده.

«يبقى نرقص.»

ضم يده إلى يدي.

وبينما بدأنا نتحرك وسط الأضواء، أدركت أن بعض القصص تبدأ برصاصة…

وبعضها يبدأ بنقطة حمراء.

لكن أجمل القصص هي التي تنتهي عندما تختار المرأة، لأول مرة، ألا تكون ضحية لأحد.

لا لأبيها.

ولا لماضي عائلتها.

ولا حتى للرجل الذي أحبها.

اختارت نفسها.

ثم اختارت الحب.

وكانت تلك…

النهاية التي لم يخطط لها أحد.

تمت.

رقصة مع زعيم المافيا تحت تهديد رصاصة

حكايات شروق خالد

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى