عام

رقصة مع الخوف حكايات شروق خالد

“امشي من هنا.”

خرج صوت داغر أقسى مما كان يقصد.

بس البنت الحافية ما بصتلوش أصلاً.

كانت واقفة بثبات قدام الكرسي المتحرك بتاع ابنه في وسط الجنينة، كأن المكان مكانها، وكأنها ما خرجتش فجأة من المجهول برجليها المتوسخة وشعرها المنكوش وقميصها الخفيف اللي ما بيحميش من هواء المغربية الساقع.

كانت بصة لعمر بس.

قالت بصوت واطي: “سيبني أرقص مع ابنك، وأنا هخليه يمشي.”

جسم داغر كله اتشنج.

ناس كتير قربوا منه قبل كده؛ في منهم اللي عارف وشّه من صفحات المجلات والأعمال، وفي اللي عارف الفيلا الكبيرة اللي في الشروق، وفي اللي شاف راجل غني معاه ولد عاجز فشم ريحة المصلحة.

كان متعود على ده.

بس اللي ما كانش متعود عليه هو رد فعل عمر.

ابنه اللي قعد ساكت قدام أكبر الدكاترة في القاهرة، والمعالجين في الإسكندرية، والعيادات الخاصة اللي برة مصر، لف راسه ببطء.

ما كانتش حركة عشوائية.

ولا التفاتة من غير قصد.

دي كانت التفاتة بجد.

بص للبنت مباشرة.

داغر أخد نفسه بالعافية.

بقالو أسابيع، عمر تقريباً ما بيردش على أي حد. لا دكاترة، ولا مدرسين، ولا حتى أبوه في أيام كتير. من ساعة ما شاهيناز — أم عمر — سابت البيت ومشت من غير إنذار، والولد انطوى على نفسه زي بيت أكلته النار.

في الأول بطل يضحك.

بعدها بطل يتكلم.

وبعدها بطل يمشي.

ما كانش في أي مشكلة عضوية في رجليه؛ كل الأشعة كانت بتقول نفس الكلام، وكل التحاليل طالعة سليمة. جسمه كان زي الفل.

بس رغم كده، عمر انتهى بيه المطاف على كرسي متحرك.

وداغر — الراجل اللي بيعرف يحل أزمات الشركات، ويتفاوض على صفقات بملايين، ويعيد بناء مصانع بتبوظ في يومين — ما كانش عارف يوصل لابنه.

البنت وِطت لحد ما بقى وشها في وش عمر.

قالت: “أنا عارفة النظرة دي كويس.”

داغر قرب خطوة: “قلت لك ابعدي عنه.”

بس عمر هنس، بصوت خافت أوي لدرجة إن داغر افتكر نفسه بيتخيل:

“إزاي؟”

داغر تنّح مكانو.

الكلمة دي نزلِت عليه زي الصدمة في صدره.

دي كانت أول كلمة ينطقها عمر من يجي شهر.

البنت ابتسمت ابتسامة صغيرة.

قالت: “أختي عملت كده برضه… بعد ما أمنا مشت وسابتنا.”

غضب داغر بدأ يتفكك.

الحديقة حواليهم كانت شغالة عادي؛ أطفال بيجروا بالبلونات، صوته مزيكا طالع من تسجيل قريب، وصوت عربية غزل البنات. السماء بدأت تقلب أورانج مع غروب الشمس.

بس بالنسبة لداغر، العالم كله انحصر في بنت حافية وصوت ضعيف طالع من ابنه.

سألها: “اسمك إيه؟”

قالت: “شروق… شروق خالد.”

مدت إيديها لعمر كأنها بتعزمه على حاجة كبيرة.

قالتله: “جسمك مش مكسور… جسمك خايف بس.”

عمر بربش بعينيه.

شروق بدأت تدندن.

ما كانش صوت عالي، ولا لحن مظبوط بمسطرة، مجرد نغمة خفيفة ودافية، منتظمة زي دقات القلب.

بعدها أخدت إيدين عمر وحركتهم بالراحة في الهواء.

شمال.

يمين.

ورا.

قدام.

كأنهم بيميلوا على مزيكا محدش سامعها غيرهم.

لفت الكرسي المتحرك سنة صغيرة.

وبعدها سنة كمان.

وفجأة، ومن غير ما حد يصدق، عمر طلع ضحكة.

ضحكة بجد.

ما كانتش مجاملة، ولا طيف من الولد اللي كان زمان.

دي كانت ضحكة طفل… طالعة من قلبه وصافية وفيها حياة.

داغر لف وشه الناحية الثانية لثانية لأن عينيه اتملت دموع بسرعة وشعر بالكسوف.

شروق بصتله.

قالت: “شفت؟ انت ما بتبدأش من الرجلين… انت بتبدأ من المكان اللي ساكن فيه الخوف.”

داغر بلع غصته بالعافية.

قال: “تعالي بكرة الفيلا عندي، وهديكي كل اللي تطلبيه.”

شروق هزت رأسها بالرفض على طول.

“أنا مش عايزة فلوس.”

“أمال عايزة إيه؟”

بصت لعمر، وبعدين رجعت بصت لداغر:

“عايزة أساعد… بس بكرة، محتاجة أوريك أنا ليه متأكدة إنه هيقدر يمشي تاني.”

 

حكايات شروق خالد

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى