
لمدة أربع سنين، كنت ببعت تقريبًا 100 ألف دولار لأهلي وأنا بخدم خارج البلاد. لكني رجعت من غير ما أقول لحد، ولما وصلت لقيت مراتي صلعاء، جسمها هزيل من شدة المرض، وبتغسل المواعين ورا البيت.
قالتلي أمي: «هي اللي جابت ده لنفسها.»
لكن مراتي كانت مخبية سر، سر كان كفيل إنه كل حاجة كنت فاكر إني عارفها.
كنت قضيت أربع سنين في الخدمة العسكرية خارج البلاد، وطول كل ليلة صعبة بعيد عن بيتي، كان فيه شيء واحد بس بيديني القوة إني أكمل: فكرة إني في يوم هرجع أخيرًا لمراتي.
ولما وحدتي أخدت إجازة طارئة بشكل مفاجئ بعد آخر مهمة لينا، أخدت قرار.
مش هقول لحد إني راجع.
كنت عايز أفاجئ مراتي وأشوف تعبير وشها وهي تكتشف إني رجعت. كنت متخيل إنها هتجري عليا وترمي نفسها في حضني.
لكن بدل ما ألاقي المشهد اللي كنت بحلم بيه، لقيت بيت شكله مثالي بشكل يخليك تشك إنه حقيقي.
دورين.
بوابة جديدة وحلوة حوالين البيت.
عربية نقل جديدة تمامًا واقفة قدام الباب.
وأثاث غالي، شكله كأن محدش حتى لمسه قبل كده.
وقفت لحظة وأنا حاسس بالفخر.
أنا كنت بعت لأهلي تقريبًا 100 ألف دولار خلال الأربع سنين.
كنت فاكر إن عيلتي استخدمت الفلوس عشان تعيش حياة أحسن، وتبني مستقبل نكون كلنا فخورين بيه.
لكن لما لفيت ورا البيت…
شفت مراتي.
كانت راكعة جنب حوض غسيل قديم، وهدومها واسعة عليها بشكل واضح بسبب جسمها اللي بقى هزيل بصورة مؤلمة.
وكانت لابسة كاب صوف على رأسها رغم إن الجو كان دافي.
كانت ساكتة، وبتلم قطع طبق مكسور من التراب بإيديها.
وفجأة، سمعت صوت أختي من جوه البيت:
— الست الصلعاء دي المفروض أصلًا ما تظهرش قدام نفسها وإحنا عندنا ضيوف!
مراتي اتجمدت مكانها.
وبعدين رفعت عينيها وبصتلي.
ماجريتش عليا.
ما رمتش نفسها في حضني.
بالعكس…
رجعت خطوة لورا، وحطت إيديها الاتنين على رأسها.
المنظر ده خوّفني أكتر من أي حاجة تانية.
مشيت ناحيتها ببطء، ومديت إيدي بحذر وشلت الكاب من على رأسها.
ساعتها شفت الحقيقة.
فروة رأسها كانت محلوقة بالكامل.
وكان عليها جروح وخدوش صغيرة في أماكن متفرقة.
خرجت أمي من البيت وهي لابسة هدوم حرير ومجوهرات دهب.
ووراها أختي، ماسكة موبايل جديد تمامًا وشنطة غالية.
أمي بصت لمراتي بمنتهى البرود وقالت:
— هي اللي عملت في نفسها كده. بوظت شعرها بمواد رخيصة، وبعدها بقت مهووسة إنها تخس.
أختي ضحكت وقالت:
— بتصرف فلوسك، ولسه عايزة الناس تشفق عليها!
مراتي ما قالتش ولا كلمة.
لكن في اللحظة دي، كم هدومها اتحرك لفوق شوية.
وشفت ضمادة طبية حوالين كوعها.
وجنبها كان فيه أثر باهت لمكان إبرة المحلول.
كل غريزة جوايا كانت بتصرخ إني أنفجر فيهم.
لكن الأربع سنين اللي قضيتهم في الخدمة علموني حاجة مهمة جدًا.
لما تكون عارف إن الناس بتكدب عليك، ما تكشفش كل اللي عرفته قبل ما تكون مستعد.
فعشان كده، أجبرت نفسي على الابتسام وقلت:
— أنا رجعت ومعايا أخبار حلوة.
وقلتلهم إن تعويضات فترة خدمتي والمستحقات العسكرية أخيرًا تمت الموافقة عليها.
حوالي 400 ألف دولار.
في اللحظة دي، ملامحهم اتغيرت تمامًا.
أمي بدأت تتكلم عن تجديد البيت.
وأختي بدأت تخطط لعربية نقل تانية، وسفر، ومشتريات جديدة.
ولا واحدة فيهم سألت حتى…
إزاي مراتي بالكاد قادرة تقف على رجليها؟
في الليلة دي، اكتشفت إن مراتي بتنام في أوضة تخزين رطبة.
مش أوضة نوم.
أوضة تخزين.
قعدت جنبي، وببطء بدأت تفتح بلوزتها.
وساعتها شفت أثر عملية أخذ العينة.
بصتلي بعينين مليانين خوف وهمست:
— أنا عندي سرطان.
حسيت إن كل حاجة كنت فاكر إني فاهمها انهارت فوق دماغي.
قالتلي إنها كانت طلبت من أمي 300 دولار بس عشان تقدر تروح لدكتور متخصص.
أمي رفضت.
مش بس كده…
اتهمتها إنها بتدعي المرض عشان تسرق فلوس خدمتي.
وأختي كانت بتراقب مكالماتها وتتابع تليفونها.
الفلوس اللي كنت ببعتها لأهلي طول السنين دي كلها…
ما وصلتش لمراتي وقت ما كانت محتاجاها أكتر من أي وقت.
وعشان كده، مراتي عملت الحاجة الوحيدة اللي كانت شايفة إنها تقدر تعملها.
قصت شعرها بنفسها.
وبعدين باعته مقابل 150 دولار.
واستخدمت الفلوس عشان تدفع أجرة المواصلات وتقدر تعمل الفحوصات وأخذ عينة من الورم.
في الوقت اللي كانت أمي وأختي عايشين فوق، في بيت جميل مدفوع تمنه من الفلوس اللي أنا كنت بكسبها وأنا بعيد عنهم…
كانت مراتي مضطرة تبيع شعرها بنفسها…
بس عشان تعرف إذا كانت هتعيش ولا لأ.
حضنتها بقوة وهمست في ودنها:
— استحملي شوية كمان… أنا جنبك.
في وقت متأخر من الليل، فضلت صاحي جنب مراتي في أوضة التخزين البائسة دي، بينما كانت أمي وأختي نايمين فوق، وسط كل حاجة الفلوس اللي كسبتها كانت جايباها لهم.
وقبل ما الصبح يطلع…
كنت أخدت قرار واحد.
قرار كان هيغير حياتنا كلنا للأبد.
قبل ما الشمس تطلع، كنت قاعد جنب مراتي وأنا ماسك إيدها، وعقلي شغال في ألف اتجاه.
أربع سنين…
أربع سنين وأنا بعيد عنها، فاكر إني بحمي بيتي وبأمّن مستقبلنا.
كنت ببعت كل شهر فلوس لأمي، وكنت بطمن عليها في مكالمات قصيرة، وأسألها عن مراتي.
وفي كل مرة كانت بترد عليا بنفس الجملة:
— مراتك كويسة يا ابني، متقلقش عليها.
كنت غبي.
كنت واثق في أمي أكتر من أي حد.
لكن دلوقتي، وأنا شايف مراتي قدامي بجسم هزيل ورأسها خالي من الشعر، فهمت إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد إهمال.
بصيتلها وقلت:
— اسم الدكتور اللي تابع حالتك إيه؟
ردت بصوت ضعيف:
— دكتور سامح.
— وروحتي له كام مرة؟
سكتت.
— كام مرة يا حبيبتي؟
نزلت عينيها وقالت:
— مرة واحدة.
قلبي اتقبض.
— ليه؟
— عشان الفلوس.
— والعلاج؟
هزت رأسها.
— ما بدأتش.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
— يعني إيه ما بدأتيش؟
بصتلي ودموعها نزلت.
— الدكتور قال لازم أبدأ بسرعة… بس أنا ما كانش معايا فلوس.
قربت منها ومسحت دموعها.
— الفلوس اللي كنت ببعتها؟
ضحكت ضحكة مكسورة.
— عمرك سألتني عن الفلوس يا أحمد؟
اتجمدت.
أحمد.
ده اسمي.
ولأول مرة من أربع سنين، حسيت إن السؤال ده طعني أكتر من أي كلمة تانية.
قلت:
— أنا كنت بسأل أمي عنك.
— وأنا كنت مستنية منك تسألني أنا.
سكت.
لأني ما كانش عندي رد.
قمت من مكاني وخرجت من أوضة التخزين.
البيت كان هادي.
مشيت في الطرقة لحد ما وصلت لمكتب أمي.
الباب كان مقفول.
دخلت بالمفتاح اللي كنت عارف مكانه.
بدأت أدور في الأدراج.
كشوف حسابات.
إيصالات.
عقود.
أوراق شراء.
وبعدين لقيت ملف عليه اسمي.
فتحته.
أول ورقة كانت كشف تحويلات مالية.
المبالغ اللي كنت ببعتها خلال الأربع سنين.
كل شهر.
بمبالغ كبيرة.
لكن اللي صدمني إن فيه حساب تاني باسم أمي.
كل الفلوس كانت بتدخل عليه.
وبعدها مباشرة كانت بتتحول لحسابات تانية.
عربيات.
أثاث.
رحلات.
مجوهرات.
ومصاريف خاصة بأختي.
قعدت على الكرسي وأنا مش قادر أصدق.
لكن كان فيه شيء تاني.
ورقة من المستشفى.
فتحتها.
وكان اسم مراتي مكتوب عليها.
تاريخ التشخيص.
قبل خمسة شهور.
وتحتها ملاحظة بخط اليد:
«المريضة تحتاج لبدء العلاج فورًا.»
وفي أسفل الورقة كان فيه توقيع أمي.
اتصدمت.
ليه أمي عندها الورقة دي؟
وفجأة سمعت صوت خطوات في الممر.
قفلت الملف بسرعة.
وحطيته مكانه.
الباب اتفتح.
كانت أمي واقفة.
بصتلي، وبعدين بصت للملف.
وشها اتغير.
قلت بهدوء:
— كنت بدور على أوراقي.
قالت:
— أوراق إيه؟
ابتسمت.
— أوراق الفلوس اللي بعتها خلال الأربع سنين.
وشها اصفر.
— وإيه اللي فكرك بالفلوس دلوقتي؟
قربت منها.
— لأن مراتي كانت بتموت وأنا ببعتلك فلوس عشان تحافظي عليها.
قالت بسرعة:
— أنا صرفت على البيت!
— وعلى العربيات؟
سكتت.
— وعلى دهبك؟
ما ردتش.
— وعلى أختي؟
صرخت:
— أنا أمك! يعني إيه بتحاسبني؟
قلت بهدوء:
— أنا مش بحاسبك يا أمي… أنا بس بسألك: فلوس مراتي راحت فين؟
دخلت أختي فجأة.
— هو إيه اللي بيحصل؟
بصيتلها.
— إنتِ كنتِ عارفة إنها مريضة؟
اتغير لون وشها.
— عرفت إيه؟
— سرطان.
سكتت.
عرفت من سكوتها إنها كانت عارفة.
قلت:
— من إمتى؟
بصت لأمي.
وأمي قالت:
— ما تضغطش عليها.
ضحكت بسخرية.
— يعني كنتوا عارفين.
أختي بدأت تبكي.
— إحنا كنا خايفين.
— خايفين من إيه؟
— إنك لما تعرف، توقف الفلوس.
الكلمة دي نزلت عليا كأنها ضربة.
يعني كل ده…
مش جهل.
مش سوء تفاهم.
كان مقصود.
كانوا عارفين إن مراتي مريضة، ومع ذلك أخفوا عني الحقيقة عشان الفلوس تفضل داخلة.
بصيت لأمي وقلت:
— كنتِ عارفة إنها عندها سرطان، ورفضتي تديها 300 دولار؟
قالت:
— ما كنتش متأكدة إنها مريضة فعلًا.
طلعت ورقة المستشفى من جيبي.
وحطيتها قدامها.
— طب الورقة دي إيه؟
سكتت.
— إمضتك دي إيه؟
ما ردتش.
وفجأة قالت:
— هي اللي طلبت مني أخبي عليك.
بصيت لمراتي من بعيد.
كانت واقفة عند باب المطبخ، ووشها مليان خوف.
— بتكدبي.
أمي قالت:
— هي كانت عايزة تسيبك.
مراتي شهقت.
— كفاية!
لكن أمي كملت:
— كانت بتقول إنها مش عايزة تعيش معاك، وإنها هتاخد كل فلوسك.
بصيت لمراتي.
— الكلام ده حصل؟
هزت رأسها بسرعة.
— لا.
وقبل ما أتكلم، قالت جملة خلتني أسكت تمامًا:
— أنا كنت بخبي عليك حاجة فعلًا… بس مش اللي أمي قالتلك.
قربت منها.
— إيه؟
مدت إيدها لجيب هدومها، وطلعت ظرف قديم.
ناولتهولي.
— ده وصلني قبل ما أعرف إني مريضة بأسبوعين.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة.
وصورة تانية.
وتقرير.
وفي أسفل التقرير اسم والدي.
والدي اللي كنت فاكر إنه مات من عشر سنين.
رفعت عيني لها.
— إيه ده؟
قالت وهي بتبكي:
— أبوك عايش يا أحمد.
حسيت إن الأرض اختفت من تحتي.
— إنتِ عرفتي منين؟
قالت:
— لأنه هو اللي بعتلي الورق.
سألتها:
— هو فين؟
قبل ما تجاوب، أمي صرخت:
— مستحيل!
لفيت ناحية أمي.
ولأول مرة شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
مش الخوف من الفلوس.
مش الخوف من مرض مراتي.
ده كان خوف من إن سر قديم جدًا…
على وشك إنه يظهر.
أخرجت الصورة من الظرف وبصيت فيها.
كان والدي واقف جنب رجل غريب.
وخلفهم مكان أعرفه جيدًا.
البيت القديم اللي عشت فيه وأنا طفل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الشخص الواقف جنب والدي.
كان خالي محمود.
الراجل اللي أمي قالتلي طول عمري إنه مات في حادثة قبل ما أولد.
بصيت لأمي وقلت:
— إنتِ قولتيلي إن خالي محمود مات.
ما ردتش.
قلت بصوت أعلى:
— إنتِ قولتيلي إنه مات!
بدأت ترجع لورا.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت مراتي من خلفي:
— أحمد… في حاجة تانية لازم تعرفها.
لفيت لها.
قالت:
— أنا ما اكتشفتش إن أبوك عايش صدفة.
سألتها:
— أمال إزاي؟
مسحت دموعها وقالت:
— لأن قبل ما أتعب، أبوك هو اللي كان بيتابعني من بعيد.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— وهو اللي دفع أول جزء من مصاريف الفحوصات بتاعتي.
بصيت لأمي.
كانت واقفة ساكتة، ووشها تحول للون الأبيض.
وعرفت في اللحظة دي…
إن حكاية الفلوس والمرض كانت مجرد أول طبقة من سر أكبر بكتير.
وإن الحقيقة اللي هعرفها عن موت أبويا…
ممكن تقلب حياتي كلها رأسًا على عقب.
فضلت واقف مكاني، مش قادر أتكلم.
بصيت لأمي، وبعدين لمراتي، وبعدين للصورة اللي كانت لسه في إيدي.
أبويا عايش.




