روايات وقصص

زعيم المافيا اللي فقد ابنه حكايات شروق خالد

«مفيش ست تقدر تصلّح رجولتي المكسورة!» قال زعيم المافيا — لحد ما النادلة دي عملت اللي محدش قدر يعمله في ليلة واحدة أخطر زعيم جريمة في الإسكندرية كان بيتعشى لوحده كل يوم خميس من يوم وفاة ابنه — لحد ما نادلة أمريكية سكبت النبيذ الأحمر على ترابيزته، وبدأ شخص ما يصورها. لمدة ثلاث سنين، عاش ياسين المنصوري وهو رافض يهتم بأي حاجة ممكن تتاخد منه.

 

لحد ما نورهان سامح خبطت في ترابيزته، وحولت المفرش الأبيض للون الدم بالنبيذ الأحمر، وبصت في عيني الراجل اللي الإسكندرية كلها كانت بتخاف من اسمه… وخلته يبتسم من جديد.

وبعد ست شهور، وصل ظرف جواه صور لنورهان وهي خارجة من شغلها، وصور ليها وهي نايمة جنب شباكه، ومعاه جملة واحدة مكتوبة بخط اليد:

دلوقتي عرفنا نوجعه منين.

الجزء الأول — الخميس اللي كسر جموده

كل يوم خميس، وبعد غروب الشمس بنص ساعة بالضبط، كان ياسين المنصوري بيدخل مطعم «ليالي القمر» من الباب الجانبي.

كان دايمًا يقعد في نفس الكنبة الجلد، اللي بتواجه المخرجين.

يطلب نفس طبق المكرونة، ويشرب كوبايتين من نفس النبيذ الأحمر، وياكل نص أكله بس، ويسيب مبلغ كبير جدًا من الفلوس تحت الزجاجة، وبعدها يرجع لفيلا بقالها تلات سنين حاسة كأنها مقبرة.

كان عدى مية وستة وخمسين خميس من يوم جنازة مالك.

ابنه كان عنده خمستاشر سنة.

ياسين اتعلم إن الحزن ممكن يبقى تحت السيطرة لو عاملته كأنه شغل:

تيجي…

تستحمل…

تمشي.

في الليلة دي، كان المطر مغرق شوارع الإسكندرية القديمة، وقطراته بتخبط على شبابيك المطعم.

ممدوح، صاحب المطعم، صب لياسين أول كوباية من غير ما ينطق كلمة.

كان عارف كويس إن مفيش فايدة من إنه يقدم تعازي لرجل مجرد ذكر اسمه كان بيخلي المهربين والسياسيين ورجال الأعمال الخايفين يوطنوا صوتهم.

كان ياسين لسه رافع الكوباية على شفايفه، لما باب المطبخ اتفتح فجأة.

خرجت منه واحدة وهي ماشية لورا، شايلة صينية مليانة أطباق متسخة.

لفت متأخر.

خبط وركها في الترابيزة.

الكوباية اتقلبت.

والنبيذ الأحمر انتشر فوق المفرش الأبيض كأنه دم.

المطعم كله سكت.

حتى النفس اتحبس.

«يا نهار أبيض!»

البنت اتجمدت مكانها.

شعرها غامق.

وعينيها خضرا.

ولهجتها أمريكية واضحة.

قالت بسرعة:

«يا إلهي… أنا آسفة جدًا.»

مسكت المناديل وبدأت تمسح البقعة.

«أنا أصلًا ما كانش المفروض أستخدم الباب ده، بس الباب التاني بيعلق، ويبدو إن الحل العبقري بتاعي كان إني أهاجم زبون بكوباية نبيذ.»

ياسين فضل باصص لها.

معظم الناس اللي بيغلطوا قدامه كانوا يا إما بيتذللوا أو بيهربوا.

هي عملت ولا ده ولا ده.

بصت له في عينه مباشرة.

سألته:

«النبيذ وصل للبدلة؟»

«لا.»

«متأكد؟»

«أيوه.»

«دي أحسن حاجة حصلت لي في آخر تلاتين ثانية.»

ممدوح جري من ناحية البار، ووشه شحب.

«نورهان!»

إذًا كان ده اسمها.

بدأ ممدوح يعتذر بسرعة وهو بيكلمها وبيبرر الموقف.

رفع ياسين إيده.

«كفاية.»

ممدوح سكت فورًا.

«هي جديدة يا أستاذ ياسين. دي تاني ليلة ليها. أنا بوعدك—»

قاطعه ياسين:

«كان حادث.»

بصت نورهان بين ممدوح وياسين.

وأخيرًا بدأت تلاحظ الخوف اللي ظاهر على ممدوح.

لكن هي نفسها ما كانتش خايفة.

كانت فضولية.

والحاجة دي خلت ياسين يعجب بيها، حتى لو بشكل بسيط.

قالت:

«أنا هدفع تمن النبيذ.»

«لا.»

«طيب تكلفة التنظيف؟»

«لا.»

تنهدت وقالت:

«إنت بتصعّب عليّا جدًا إني أحس بالذنب بالمقدار المناسب.»

تحرك طرف شفايفه.

ابتسامة صغيرة جدًا.

لكن ممدوح شافها.

اتسعت عينيه كأنه شاف تمثال بيتنفس.

ياسين ما ابتسمش من شهور.

يمكن من وقت أطول.

نورهان لاحظت الابتسامة هي كمان.

قالت بهدوء:

«أهو… كده أحسن.»

اختفت الابتسامة فورًا.

«إيه اللي أحسن؟»

قالت وهي بتبص له:

«شكلك بقى أقل شوية كأنك جاي تحضر جنازتك بنفسك.»

الكلمات دخلت جواه في مكان عميق، مكان ما كانش ممكن تعرف إنه موجود أصلًا.

ممدوح كان شكله مستعد يسحبها بإيده ويرميها جوه المطبخ.

لكن بدل ده، سألها ياسين:

«إنتِ أمريكية؟»

«من لوس أنجلوس.»

«إيه اللي جابك إسكندرية؟»

عدلت نورهان خصلة شعر كانت نازلة على وشها.

«زهقت من إني عارفة بالضبط حياتي المفروض تبقى عاملة إزاي.»

بصلها ياسين باستغراب.

«وده يفسر مجيئك لمصر؟»

هزت كتفها.

«ولا حتى بنسبة واحد في المية.»

ظهرت على وشه ابتسامة شبه خفية للمرة التانية.

رفعت الصينية من جديد.

«طيب يا حضرة الغريب الغامض… شكرًا إنك ما طردتنيش من الشغل.»

ثم اختفت داخل المطبخ.

فضل ياسين باصص للباب لحد ما اتقفل وراها.

وبعدها بص لبقعة النبيذ الحمراء اللي لسه منتشرة على المفرش.

تلات سنين كاملة، كان يوم الخميس ملكًا للموتى.

لكن الليلة…

ولكام دقيقة غريبة…

كان ملكًا لشخص حي.

غيّر ممدوح المفرش من غير ما يقول كلمة.

كمل ياسين عشاؤه في صمت، وهو بيحاول يقنع نفسه إن نورهان سامح ما تعنيش له أي حاجة.

لكن قبل ما يمشي، سأل ممدوح سؤالًا واحدًا.

«الأمريكية ناوية تفضل هنا قد إيه؟»

ممدوح اتردد.

«معرفش.»

ياسين هز راسه مرة واحدة، وخرج إلى الشارع المبلول بالمطر.

وعلى الناحية التانية من الشارع، جوه عربية سوداء مركونة، كان رجل بينزل الكاميرا من قدام عينه وبيبص للصورة اللي لسه مصورها.

ياسين المنصوري…

وهو واقف قدام شباك المطعم…

وباصص لنورهان.

أرفق الرجل الصورة برسالة.

هو أخيرًا بقى يهتم بحد تاني.

حكايات شروق خالد

في صباح اليوم التالي، كانت نورهان واقفة قدام ماكينة القهوة الصغيرة في المطبخ، بتحاول تفهم إزاي الجهاز ده بيشتغل من غير ما تحرق إيديها للمرة التالتة.

كانت لسه بتصب القهوة في الكوباية لما ممدوح دخل وهو ماسك موبايله.

«نورهان.»

«صباح الخير يا ممدوح.»

«إنتِ تعرفي مين كان الراجل اللي كنتِ بتتكلمي معاه امبارح؟»

رفعت عينيها.

«الراجل اللي غرقت بدلته بالنبيذ؟»

«آه.»

ابتسمت.

«لا. بس واضح إنه مشهور.»

ممدوح حط الموبايل على الرخامة.

«ده ياسين المنصوري.»

سكتت نورهان لحظة.

«الاسم ده المفروض يقول لي حاجة؟»

ممدوح بص لها كأنه مش مصدق.

«إنتِ بقالك شهر في إسكندرية ومسمعتيش الاسم ده؟»

«أنا بقالى شهر هنا، ومعظم الوقت كنت بحاول أفهم فرق الفول والطعمية.»

ممدوح قرب منها وخفض صوته.

«ياسين المنصوري مش رجل أعمال عادي.»

«إيه يعني؟»

«يعني لو سألتي أي حد هنا عنه، هيبص حواليه الأول قبل ما يرد.»

نورهان عقدت حاجبيها.

«هو عمل إيه؟»

ممدوح سكت.

وبعدين قال:

«أحسن لك ما تعرفيش.»

نورهان رفعت الكوباية وشربت رشفة.

«ده أكتر رد بيخليني عايزة أعرف.»

«نورهان.»

«ممدوح.»

اتنهد.

«اسمعي كلامي. لو دخل المطعم تاني، ما تروحيش عند ترابيزته إلا لو طلبك بالاسم.»

ضحكت.

«هو طلبني امبارح؟»

«لا.»

«يبقى المشكلة فين؟»

ممدوح ما ردش.

لأنه في اللحظة دي بالذات، باب المطعم اتفتح.

ودخل ياسين.

نفس البدلة السوداء.

نفس الهدوء.

نفس النظرة اللي تخلي المكان كله يسكت.

نورهان بصت له.

وياسين بص لها.

ثانيتين.

تلاتة.

وبعدين قال:

«قهوة.»

ممدوح اتحرك بسرعة.

«حاضر.»

لكن ياسين ما بصش له.

فضل عينيه على نورهان.

«إنتِ اللي هتجيبيها.»

نورهان أشارت لنفسها.

«أنا؟»

«أيوه.»

ممدوح كان على وشك يعترض، لكنه سكت.

نورهان أخذت نفسًا طويلًا، ومسكت فنجان القهوة، ومشت ناحية ترابيزته.

حطته قدامه.

«اتفضل.»

ياسين بص للفنجان.

«سادة.»

نورهان ابتسمت.

«أنا ما سألتكش بتحبها إزاي.»

رفع عينيه لها.

«إنتِ بتفترضي كتير.»

«وإنتَ بتتكلم قليل.»

صمت.

ثم قال:

«اقعدي.»

نورهان بصت للكرسي المقابل.

«أنا في الشغل.»

«خمس دقايق.»

«ممدوح هيخصمهم من مرتبي.»

ياسين حرك عينيه ناحية ممدوح.

ممدوح رفع إيده بسرعة.

«ولا يهمك، اقعدي يا نورهان.»

ضحكت وقعدت.

«واضح إن عندك نفوذ كويس.»

لأول مرة، ظهر شيء مختلف في عينيه.

«إنتِ مش خايفة مني؟»

نورهان سكتت.

بصت له كام ثانية.

وبعدين قالت:

«أنا ما بخافش من حد لمجرد إن الناس بتخاف منه.»

«ودي شجاعة؟»

«لأ.»

ابتسمت.

«دي قلة معلومات.»

خرجت منه ضحكة قصيرة، مفاجئة حتى بالنسبة له.

نورهان ابتسمت.

«أهو.»

«أهو إيه؟»

«إنت بتضحك.»

اختفت الضحكة.

«ما تكبريش الموضوع.»

«أنا مش مكبراه. أنا بس لاحظته.»

سكت ياسين.

ثم قال:

«ليه جيتي مصر؟»

«قلت لك امبارح.»

«عايز أعرف أكتر.»

نورهان حركت الملعقة بين أصابعها.

«كنت متجوزة.»

تغيرت ملامحه قليلًا.

«وبعدين؟»

«طلقنا.»

«ليه؟»

ابتسمت ابتسامة مفيهاش فرحة.

«لأنه كان شايف إن كل حاجة في حياتي لازم تتخطط قبلي.»

«وأنتِ؟»

«أنا اكتشفت إني مش عايزة أعيش حياة حد تاني.»

ياسين ظل ساكتًا.

نورهان بصت له.

«وإنت؟»

«إيه؟»

«ليه كل خميس؟»

لم يتحرك.

«كل خميس إيه؟»

«بتيجي هنا، تقعد لوحدك، تطلب نفس الأكل، وتشرب نفس النبيذ، وتمشي في نفس الوقت.»

نظراته بقت أثقل.

«مين قالك؟»

«أنا نادلة.»

ابتسمت.

«دي شغلتي إني ألاحظ.»

ياسين قرب الفنجان منه.

«ابني مات يوم خميس.»

الصمت نزل بينهم.

نورهان ما حاولتش تقول «أنا آسفة».

ما قالتش «ربنا يصبرك».

ما قالتش أي جملة جاهزة.

بس قالت:

«كان عنده كام سنة؟»

«خمستاشر.»

نظرت له طويلًا.

«ده صغير قوي.»

هز رأسه.

«أيوه.»

«كان اسمه إيه؟»

«مالك.»

ابتسمت نورهان بحزن.

«اسم جميل.»

ياسين لأول مرة رفع عينيه عن الفنجان.

«كان أحسن مني.»

«يمكن.»

رفع حاجبه.

«يمكن؟»

«أنا ما أعرفوش.»

ثم أضافت:

«بس لو كان ابنك، غالبًا كان فيه حاجة كويسة منك.»

الجملة ضربته في مكان لم يلمسه أحد منذ ثلاث سنوات.

نظر إليها.

لكن نورهان لم تكن تنظر إليه بشفقة.

كانت تنظر إليه كأنه رجل عادي.

رجل فقد ابنه.

مش زعيم مافيا.

مش اسمًا يخشاه الجميع.

فقط أبًا مكسورًا.

وقبل أن يتكلم، رن هاتفه.

تغير وجهه فورًا.

أخرج الهاتف.

«اتكلم.»

استمع لثوانٍ.

ثم قال:

«متأكد؟»

صمت.

«ما حدش يتحرك لحد ما أوصل.»

أنهى المكالمة.

وقف.

نورهان قالت:

«حصل إيه؟»

«مشكلة.»

«خطيرة؟»

نظر لها.

«ممكن.»

أخذ معطفه.

وقبل أن يرحل، توقف.

«الخميس الجاي.»

نورهان رفعت حاجبها.

«إيه؟»

«ما تغيريش شغلك.»

ثم خرج.

نورهان فضلت باصة للباب.

ممدوح قرب منها ببطء.

«إنتِ عارفة عملتي إيه؟»

«سكبت نبيذ على بدلته؟»

«لأ.»

هز رأسه.

«إنتِ خليتي ياسين المنصوري يستنى يوم الخميس.»

—

في نفس الوقت، على بعد عدة شوارع، كانت العربية السوداء اللي صورت ياسين ونورهان امبارح ماشية ببطء.

الرجل اللي جوهها كان ماسك تابلت.

على الشاشة كانت الصورة واضحة.

نورهان جالسة أمام ياسين.

ياسين يبتسم.

الرجل أرسل الصورة إلى رقم محفوظ باسم واحد فقط:

«الحاج.»

جاء الرد بعد أقل من دقيقة:

«مين البنت؟»

كتب:

«لسه بنجمع معلومات.»

جاء الرد:

«ما تلمسهاش.»

توقف الرجل.

ثم ظهرت رسالة ثانية:

«خلوها قريبة منه.»

ثم ثالثة:

«لو هي السبب اللي خلاه يبتسم… هنستخدمها عشان نخليه يبكي.»

—

في الليلة نفسها، عادت نورهان إلى شقتها الصغيرة.

وضعت حقيبتها على الكرسي، وخلعت حذاءها، ثم اقتربت من النافذة.

الشارع كان هادئًا.

لكنها لم تكن تعرف أن سيارة سوداء توقفت في آخر الشارع.

ولم تكن تعرف أن عدسة كاميرا كانت موجهة نحو نافذتها.

ولا أن الرجل الذي يراقبها كان يسجل كل حركة.

وفي اللحظة التي أغلقت فيها نورهان الستارة…

وصلت صورة جديدة إلى هاتف ياسين.

صورة لها وهي تدخل بيتها.

وتحتها جملة:

«هي مش صدفة يا ياسين.»

ثم رسالة ثانية:

«اسأل نفسك مين بعتها.»

ولأول مرة منذ موت مالك…

شعر ياسين بالخوف.

مش على نفسه.

على نورهان.

حكايات شروق خالد

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى