
كانت الساعة داخلة على عشرة الصبح، لما السوار الفضي اللي في إيد ليان انزلق شوية، وكشف عن أربع بصمات زرقا غامقة حوالين معصمها.
آدم المنصوري شافهم من الناحية التانية من قاعة الاجتماعات.
كان بينه وبينها حوالي ستة أمتار، لكن عينه ما كانتش بتفوّت تفصيلة.
ليان عدّلت كم البلوزة بسرعة، قبل ما أي حد من الموجودين ياخد باله.
وبعدين كملت مشي فوق الرخام الأسود، حاضنة ملف جلد بني على صدرها.
صوت كعبها كان منتظم.
تك.
تك.
تك.
ولا خطوة مستعجلة.
ولا ورقة خارجة من مكانها.
ولا حتى شعرة من شعرها باين إنها مش في مكانها.
لكن إيدها الشمال كانت بتترعش رعشة صغيرة جدًا.
رعشة ما كانش ممكن حد يلاحظها…
إلا آدم.
وقفت قدامه ومدت له الملف.
— التقارير الربع سنوية يا فندم.
صوتها كان ثابت.
بس أوطى من الطبيعي.
آدم أخد الملف من إيدها من غير ما يبص على معصمها تاني.
حواليهم كان فيه اتناشر مدير قاعدين حوالين ترابيزة اجتماعات ضخمة من الخشب الغامق.
رجالة قضوا عمرهم في الصفقات، والفلوس، والتهديدات الناعمة اللي بتتقال بابتسامة.
رجالة زي دول بيعتبروا التردد ضعف.
والضعف بالنسبة لهم دعوة للهجوم.
آدم كان عارف كويس إمتى يضرب.
وإمتى يستنى.
لكن الصبح ده، الانتظار كان أصعب عليه من أي معركة دخلها قبل كده.
قال من غير ما يرفع عينه من الملف:
— ابدئي بتوقعات الاستحواذ.
ليان اتحركت ناحية الشاشة.
الضوء الأزرق انعكس على وشها، وظهرت وراها أرقام ضخمة ومخططات مالية.
بدأت تتكلم.
أرقام.
ديون.
التزامات.
مواعيد.
أرباح.
كل حاجة كانت طالعة منها بدقة تخلي أي حد يسمعها يعرف ليه آدم متمسك بيها من سنين.
ليان ما كانتش مجرد سكرتيرته.
كانت أكتر واحدة عارفة أسراره.
أكتر واحدة بتعرف مواعيد اجتماعاته، حساباته، صفقاته، وحتى مين يدخل مكتبه ومين ما يدخلش.
لكن النهارده كانت مخبية دراعها.
ولما مدت إيدها عشان تغيّر الشريحة، القماش شد على معصمها.
والكدمة ظهرت تاني.
آدم ساب القلم من إيده.
على الناحية التانية من الترابيزة، رفع فهد السيوفي عينه.
ثانية واحدة.
بس كانت كفاية.
بص للكدمة.
وبعدين بسرعة بص للترابيزة.
سرعة زيادة عن الطبيعي.
وبعدها عدّل زرار القميص الذهبي وقال بابتسامة مصطنعة:
— الأرقام دي محافظة أوي يا آنسة ليان.
ليان ما بصتش له.
قالت بهدوء:
— لأنها مبنية على الأرقام المؤكدة.
فهد بلع ريقه.
إيده راحت لساعته وفضل يحرك إبهامه على طرفها بعصبية.
آدم شاف.
وما قالش حاجة.
لحد دلوقتي.
قفل الملف قدامه.
صوت قفلة الملف كان بسيط.
لكن القاعة كلها سكتت.
العيون اتجهت له.
ما عدا ليان.
قال:
— كمّلي.
الكلمة كانت موجهة لها.
لكن عينه كانت على فهد.
الدقايق اللي بعدها عدت ببطء.
آدم ما كانش بيتكلم.
كان بيراقب.
ليان كانت بتتجنب تقف جنب فهد.
وفهد كان بيتابع كل حركة منها.
كل ما آدم يحرك عينه ناحيته، فهد يبص في أي اتجاه تاني.
لحد ما موبايله نور جنب إيده.
عين ليان راحت للموبايل فورًا.
صوابعها شدت على جهاز التحكم لدرجة إنه طلع صوت خفيف.
لكنها سيطرت على نفسها بسرعة.
وكملت العرض كأن مفيش حاجة حصلت.
آدم فهم.
التحكم مش معناه إن الإنسان هادي.
وفي فرق كبير بينهم.
الرجالة اللي قاعدين حوالي الترابيزة كانوا خايفين يخسروا صفقة.
أو فلوس.
أو مكانتهم.
لكن ليان كانت خايفة على حاجة أكبر.
كانت خايفة على نفسها.
آدم كان يقدر ينهي الاجتماع في اللحظة دي.
كان يقدر ياخد فهد ويحطه في أوضة لوحده ويطلّع منه الحقيقة بطريقته.
بس ما عملش.
لأن ليان لازم تكون صاحبة القرار.
قال:
— استراحة خمس دقايق.
الكراسي اتحركت.
الرجالة قامت.
وبدأت همهمات خفيفة تنتشر في القاعة.
ليان جمعت الأوراق.
حطت الملف قدام جسمها كأنه درع.
وفهد قرب منها.
قال لها حاجة بصوت واطي.
آدم ما سمعش الكلام.
لكن شاف إيد فهد وهي بتطلع ناحية كتفها.
وشاف ليان تتجمد مكانها.
قبل حتى ما إيده تلمسها.
آدم وقف.
ببطء.
فهد قرب أكتر.
ليان رجعت خطوة لورا.
الفولدر خبط في الترابيزة.
الأوراق وقعت على الأرض.
لكن آدم ما كانش من النوع اللي يحكم على حد من ورقة.
— عرفتهم.
— أنا كنت خايف.
— من مين؟
فهد بص لمحمود.
صمت.
آدم فهم.
لف ببطء ناحية أخوه.
— منه؟
محمود قال:
— آدم، سيب الراجل.
— جاوبني.
محمود حافظ على هدوئه.
— فهد موظف عندنا.
— لا.
آدم هز رأسه.
— فهد مش موظف.
وبص للفلاشة.
— فهد شريك.
محمود سكت.
آدم ابتسم بدون أي فرحة.
— صح؟
لأول مرة، محمود ما قدرش يرد.
ليان كانت واقفة بعيد، إيديها متشابكة قدامها.
لكنها لاحظت حاجة.
فهد ما كانش بيبص لمحمود بخوف الموظف من مديره.
كان بيبص له بخوف واحد عارف إن اللي قدامه قادر ينهي حياته.
وفجأة قال فهد:
— هو اللي طلب مني.
الغرفة كلها تجمدت.
محمود رفع عينه.
— إنت بتقول إيه؟
فهد بص لآدم.
— هو اللي طلب مني أراقبها.
ليان اتجمدت.
آدم سأل:
— تراقب مين؟
فهد بص لها.
— ليان.
قلبها وقع.
قالت:
— ليه؟
فهد بلع ريقه.
— لأن محمود كان فاكر إنك عرفتي حاجة.
آدم التفت لأخوه.
— عرفِت إيه؟
ليان سكتت.
ثم قالت:
— عرفت إن أبوك…
آدم قاطعها:
— كملي.
أخذت نفسًا مرتجفًا.
— إن والدك ما ماتش بسبب أزمة قلبية.
الصمت كان قاتلًا.
آدم ثبت عينه عليها.
— إيه؟
محمود تغير لون وشه.
وليان كملت:
— أبوك اتقتل.
آدم حس إن الأرض اتحركت تحته.
— مين قتله؟
ليان بصت لمحمود.
ثم قالت:
— أنا لقيت تسجيل قديم في أرشيف الشركة.
محمود تحرك خطوة.
آدم رفع إيده.
— مكانك.
ثم رجع بص لليان.
— التسجيل بيقول إيه؟
ليان فتحت الملف.
— إن والدك اكتشف إن حد من العيلة كان بيحوّل فلوس من الشركة لحسابات خارجية.
آدم قال:
— محمود؟
هزت رأسها ببطء.
— مش مكتوب اسمه.
آدم سكت.
ثم سأل:
— أمال مين؟
ليان أخرجت ورقة.
— اسم الشخص اللي كان بينقل الفلوس…
وضعتها أمامه.
آدم قرأ الاسم.
وتغير وجهه بالكامل.
لأن الاسم لم يكن محمود.
ولم يكن فهد.
كان اسم شخص ثالث.
شخص أقرب إليهم جميعًا من أي وقت مضى.
والدة آدم.
ليان رفعت عينيها إليه.
— وأنا أعتقد إن أبوك اكتشف الحقيقة قبل موته بيوم واحد.
آدم ما ردش.
كان ينظر للاسم وكأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي قدامه مستحيل.
ثم سمع صوت محمود خلفه:
— آدم…
آدم لف ببطء.
— إنت كنت عارف؟
محمود سكت.
وهنا…
ولأول مرة منذ سنوات، ظهر الخوف الحقيقي في عيني أخوه.
قال محمود:
— كنت بحاول أحميك.
آدم ضحك ضحكة قصيرة موجوعة.
— تحميني من مين؟
محمود لم يرد.
آدم اقترب خطوة.
— من أمي؟
صمت.
— ولا من الحقيقة؟
ومحمود أخيرًا قال:
— من اللي حصل بعد موت أبوك.
ليان شعرت أن القصة التي بدأت بكدمة على معصمها، تحولت الآن إلى شيء أكبر بكثير.
لكنها لم تكن تعرف أن السر القادم…
هي نفسها كانت جزءًا منه.
حكايات شروق خالد
فضل آدم واقف مكانه، عينه ثابتة على محمود.
الغرفة كلها بقت ساكتة.
حتى فهد، اللي كان من شوية بيحاول يهرب، بقى واقف من غير ما ينطق.
آدم قال بصوت منخفض:
— “من اللي حصل بعد موت أبويا”؟
محمود مسح على وشه.
لأول مرة، ليان شافت عليه علامات التعب.
مش خوف.
تعب.
كأنه شايل سر تقيل بقاله سنين.
قال محمود:
— أبوك ما كانش راجل سهل.
آدم رد بحدة:
— أنا عارف أبويا.
— لأ، إنت عارف الصورة اللي أنا وأمك رسمناهالك.
الجملة وقعت على آدم كأنها ضربة.
— أمي؟
محمود هز رأسه.
— أمك كانت عارفة إن أبوك اكتشف تحويلات مالية من الشركة.
— ومين كان بيحوّل الفلوس؟
محمود سكت.
آدم قرب منه.
— جاوب.
— أبوك.
اتجمد آدم.
— إيه؟
— أبوك هو اللي بدأ التحويلات.
ليان رفعت رأسها بسرعة.
— ده مش صحيح.
محمود بص لها.
— وإنتِ عرفتي منين؟
قالت:
— من المستندات الأصلية.
ضحك محمود بسخرية.
— المستندات ممكن تتزوّر.
آدم رد:
— عشان كده عندنا التسجيل.
محمود سكت.
آدم مد إيده لليان.
— هاتي الفلاشة.
حطتها في إيده.
اتجه للكمبيوتر الموجود على طرف القاعة.
وصل الفلاشة.
ثواني.
ظهرت ملفات.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
ثم ملف صوتي.
آدم ضغط عليه.
صوت قديم خرج من السماعات.
صوت والده.
هادئ.
متعب.
— لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا غالبًا مت.
آدم تجمد.
ليان قربت منه.
الصوت كمل:
— يا آدم… لو إنت بتسمعني، يبقى لازم تعرف إن أخوك محمود حاول يوقفني.
محمود أغلق عينيه.
آدم لف له.
لكن الصوت استمر.
— محمود ما خاننيش عشان الفلوس.
سكت التسجيل لحظة.
ثم قال الأب:
— خانني عشان يحمي أمك.
آدم حس إن نفسه انقطع.
ليان حطت إيدها على فمها.
أما فهد، فكان يبص لمحمود وكأنه لأول مرة يكتشف إنه مش الشخص اللي كان فاكره.
التسجيل كمل:
— أمك دخلت في اتفاق مع ناس أخطر من العيلة.
آدم همس:
— مين؟
كأن والده سمعه.
جاءت الإجابة من التسجيل:
— عيلة الدمنهوري.
اتسعت عيون محمود.
آدم وقف فجأة.
عيلة الدمنهوري كانت من أخطر العائلات الإجرامية في مصر.
العيلة اللي حصل بينها وبين المنصوري حرب استمرت سنين.
واللي آدم كان فاكر إنها انتهت من عشر سنين.
التسجيل كمل:
— هم كانوا عايزين الشركة.
— وأمك كانت مستعدة تديهم كل حاجة.
— لكن لما حاولت أوقفها…
صوت الأب اهتز.
— قررت تتخلص مني.
ثم انتهى التسجيل.
صمت.
محمود قال:
— كان لازم التسجيل يفضل مدفون.
آدم بص له.
— ليه؟
— لأنك لو عرفت، كانوا هيقتلوك.
— مين؟
— الدمنهوري.
آدم ابتسم بمرارة.
— وأنا طول السنين دي كنت فاكر إنهم مجرد أعداء.
محمود قال:
— هم كانوا مستنيين اللحظة المناسبة.
فهد تحرك ببطء.
قال:
— اللحظة دي قربت.
آدم بص له.
— قصدك إيه؟
فهد تردد.
ثم قال:
— أمك رجعت.
تجمدت ليان.
آدم بص لمحمود.
— أمي في مصر؟
محمود لم يرد.



