
“
نظرت لي بخوف حقيقي.
“أبوك.”
وفي نفس اللحظة…
انطفأت كل أنوار البيت.
ثم سمعنا صوت رجل من الخارج يقول:
“ليلى… أنا عارف إنك هنا.”
عرفت الصوت.
كان الصوت اللي سمعته في التسجيل.
وكان صوت الرجل اللي قضيت عمري كله أفتكره ميت.
حكايات شروق خالد
تجمدت في مكاني وأنا ببص لأليخاندرو.
لأول مرة من أربع سنين، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف عليّ.
خوف من اللي ممكن يحصل لو الحقيقة خرجت للنور.
مارينا ابتسمت ابتسامة باردة، ومدت إيدها ناحية الفلاشة.
“هاتِها يا لوسيا. إحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء.”
ضحكت بسخرية.
“نحل إيه؟ الأربع سنين اللي ضاعوا من عمري؟ ولا التهمة اللي دخلتني السجن بسببها؟”
قال أليخاندرو بسرعة:
“لوسيا، اسمعيني. الموضوع أكبر مما تتخيلي.”
بصيت له بوجع.
“أكبر من إيه؟ أكبر من إني كنت راكعة قدام بيتك في المطر وإنت قفلت الستارة في وشي؟”
سكت.
“أكبر من إنك وقفت في المحكمة وقلت إنك مش فاكر كنت فين ليلة السرقة؟”
ما ردش.
قربت منه خطوة.
“ولا أكبر من إنك كنت عارف إني بريئة وسايبني أدخل السجن؟”
مارينا قاطعته:
“كفاية دراما.”
لفيت لها.
“إنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الدراما.”
رفعت الفلاشة قدام عينيها.
“إنتِ عارفة إيه اللي عليها، صح؟”
لأول مرة، ابتسامتها اختفت تمامًا.
الدكتورة تيريزا كانت بتبص بينا وهي مش فاهمة كل حاجة، لكن واضح إنها بدأت تستوعب خطورة الموقف.
قالت:
“لوسيا، لازم أعرف إيه اللي موجود على الفلاشة.”
“هتعرفي.”
بصيت لمارينا.
“بس قبل كده، عايزة أعرف هي ليه خايفة.”
قال أليخاندرو:
“لأن اللي موجود عليها ممكن يدمر الشركة.”
هزيت رأسي.
“الشركة؟”
ضحكت بمرارة.
“أنا كنت فاكرة إنك هتقول ممكن يدمر حياتنا.”
نزل بعينيه للأرض.
وهنا فهمت.
بالنسبة له، الشركة كانت أهم.
دائمًا كانت أهم.
الدكتورة تيريزا فتحت أحد الملفات.
ظهر تسجيل صوتي قديم.
صوت الدكتور ريبيكا ميندوزا.
كانت بتتكلم بسرعة، وأنفاسها متقطعة.
“لو التسجيل ده وصل لأي حد، يبقى أنا غالبًا متُّ أو اختفيت.”
توقفت تيريزا عن التنفس تقريبًا.
استمر الصوت:
“نتائج مشروع M-17 اتغيرت بعد ما رفضت أوافق على استخدام العلاج على المرضى قبل اكتمال التجارب.”
ظهر ملف آخر.
أسماء.
تواريخ.
تحويلات مالية.
وتقارير طبية.
قالت تيريزا بصوت مرتجف:
“دي مش مجرد تزوير نتائج.”
“عارفة.”
قلبت لها.
“ريبيكا اكتشفت إنهم كانوا بيخفوا حالات فشل العلاج.”
مارينا قالت بسرعة:
“ده كلام ناقص.”
بصيت لها.
“لسه ما شفتيش الباقي.”
فتحت تسجيلًا آخر.
هذه المرة كان الصوت لرجل.
أحد مسؤولي المختبر.
“لو النتائج الحقيقية ظهرت، التمويل هيتوقف. لازم نعدّل البيانات.”
ثم جاء صوت مارينا.
واضح.
بارد.
“ولو ريبيكا رفضت؟”
الرجل أجاب:
“يبقى لازم نلاقي طريقة تخليها تسكت.”
ساد الصمت.
تيريزا حطت إيدها على فمها.
أما أليخاندرو، فظل واقفًا بلا حركة.
بصيت له.
“كنت عارف؟”
رفع عينيه لي.
“كنت شاكك.”
ضحكت من شدة الألم.
“شاكك؟”
“لوسيا، أنا ما كنتش أعرف كل حاجة.”
“بس كنت تعرف كفاية.”
لم يرد.
“كنت تعرف إن مارينا كانت بتحاول تسكت ريبيكا.”
“ما كنتش متأكد.”
“وكنت تعرف إن الأدلة ضدي مزورة.”
صمته كان الإجابة.
شعرت أن صدري يضيق.
لكن هذه المرة لم يكن بسبب المرض.
كان بسبب الحقيقة.
قلت:
“إنت اللي خليتهم يحطوا الأدلة في مكتبي.”
هز رأسه.
“أنا ما عملتش كده.”
“لكن سمحت لهم.”
“كنت بحاول أحمي العيلة.”
صرخت:
“أنا كنت العيلة!”
اهتز صوته:
“عارف.”
“لا. إنت مش عارف.”
وضعت يدي على صدري.
“أنا دخلت السجن وأنا عندي كل أحلامي. خرجت وأنا عندي سرطان ومفيش غير كام شهر في حياتي.”
أليخاندرو اقترب مني.
“أنا هجيبلك أحسن دكتور في العالم.”
ضحكت.
“دلوقتي؟”
“أيوه.”
“بعد أربع سنين؟”
“أنا أقدر أساعدك.”
“أنا مش محتاجة مساعدتك.”
صمت للحظة.
ثم قال:
“لو سمحتي… سيبيني أصلح اللي عملته.”
بصيت في عينيه.
“في حاجات ما ينفعش تتصلح.”
فجأة، تيريزا صرخت:
“استنوا!”
التفتنا لها.
كانت بتبص للشاشة.
“في ملف مشفر.”
“افتحيه.”
قالت:
“محتاج كلمة مرور.”
تذكرت كلام ريبيكا قبل وفاتها.
لو حصل لي أي حاجة، لوسيا هتعرف الحقيقة.
أغلقت عيني.
ثم تذكرت شيئًا كانت تقوله لي دائمًا في المختبر.
“الحقيقة عمرها ما بتختفي، حتى لو الناس دفنوها.”
كتبت الجملة ككلمة مرور.
فتح الملف.
ظهر فيديو.
صورة كاميرا مراقبة من ليلة الحادث.
ريبيكا كانت خارجة من المختبر.
وفي الخلفية ظهرت مارينا.
كانت تتبعها.
ثم ظهر أليخاندرو.
تيريزا همست:
“يا إلهي…”
الفيديو استمر.
مارينا أعطت ريبيكا ظرفًا.
ريبيكا رفضته.
بدأ بينهما نقاش حاد.
ثم ظهرت سيارة سوداء.
وتوقفت أمامهما.
توقفت الصورة.
قلت:
“كبّري الصورة.”
فعلت.
وعندها رأيت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
السيارة كانت تحمل شعار شركة سالجادو.
لكن الشخص الذي نزل منها لم يكن مارينا.
ولم يكن أليخاندرو.
كان والدي.
والدي الذي مات قبل سبع سنوات.
ظللت أحدق في الشاشة وأنا عاجزة عن الكلام.
قالت تيريزا:
“ده مستحيل.”
لكن أليخاندرو لم يقل شيئًا.
نظرت إليه ببطء.
“إنت عارف.”
رفع عينيه.
وكانت الإجابة في وجهه.
والدي لم يمت في الحادث الذي أخبرونا به.
كان حيًا.
وكان جزءًا من كل شيء.
وفجأة، وصل إشعار إلى هاتف مارينا.
نظرت إليه.
ثم تغير وجهها.
قالت:
“لازم نمشي.”
سألتها:
“ليه؟”
لم تجب.
لكن تيريزا نظرت إلى شاشة الكمبيوتر وقالت:
“لوسيا…”
التفت لها.
“إيه؟”
أشارت إلى آخر سطر في الملف.
كان مكتوبًا:
“إذا وصلت لوسيا إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن سرطانها ليس صدفة أيضًا.”
شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي.
رفعت عيني نحو أليخاندرو.
“يعني إيه؟”
لم يجب.
وهنا عرفت أن المرض الذي كنت أظنه عقابًا من القدر…
ربما لم يكن مرضًا طبيعيًا من الأساس.
حكايات شروق خالد
فضلت باصة لأليخاندرو، وأنا حاسة إن قلبي بيضرب بعنف.
“يعني إيه إن السرطان مش صدفة؟”
أليخاندرو غمض عينيه للحظة، وكأنه أخيرًا تعب من الهروب.
“لوسيا… لازم تعرفي الحقيقة كلها.”
مارينا صرخت:
“ما تقولهاش!”
لكن أليخاندرو لأول مرة ما سمعش كلامها.
“المرض بدأ بعد ما رفضتي توقعي على أوراق مشروع M-17. مارينا كانت عايزة تتأكد إنك مش هتتكلمي.”
بصيت له بعدم تصديق.
“إنت بتقول إنهم عملوا فيا كده؟”
هز رأسه ببطء.
“كان فيه دواء تجريبي اتاخد من غير علمك. جرعة صغيرة، وكان المفروض تسبب أعراض مؤقتة… لكن حصلت مضاعفات.”
وضعت إيدي على فمي.
كل التعب.
كل الألم.
كل اللي حصل خلال السنين اللي فاتت.
ما كانش قدرًا.
كان .
تيريزا بدأت تنسخ الملفات فورًا على أكثر من جهاز.
لكن مارينا اندفعت ناحية الكمبيوتر.
أليخاندرو أمسك إيدها.
“خلاص يا مارينا.”
صرخت:
“إنت فاهم إننا كلنا هنضيع؟”
رد بهدوء:
“إنتِ اللي ضيعتي كل حاجة من البداية.”
نظرت له بدهشة.
ثم أضاف:
“وأنا خذلت أختي.”
مارينا حاولت الهرب، لكن الشرطة كانت بالفعل عند باب المستشفى.
تيريزا كانت قد أرسلت نسخة من الملفات إلى السلطات قبل دقائق.
تم القبض على مارينا، وبعدها بأيام بدأت التحقيقات تكشف شبكة كاملة من التزوير والرشاوى والتجارب غير القانونية.
أما أليخاندرو، فاختار الاعتراف بكل شيء.
لم أطلب منه ذلك.
هو فقط أدرك أن الصمت لم يعد يحمي أحدًا.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة أمام المحكمة.
تمت تبرئتي رسميًا من الجريمة التي دخلت بسببها السجن.
لكن البراءة لم تعُد لي السنوات الأربع.
ولم توقف المرض.
الدكاترة أكدوا أن حالتي متقدمة، لكن تيريزا كانت مصممة على تجربة العلاج الصحيح هذه المرة، باستخدام البيانات الأصلية التي تركتها ريبيكا.
بدأت العلاج.
كانت الأيام صعبة.
لكنني لم أعد وحدي.
وبعد أشهر، بدأت النتائج تتحسن.
الورم انكمش.
لم يكن شفاءً كاملًا.
لكنه كان فرصة.
وأنا كنت أعرف قيمة الفرص أكثر من أي شخص آخر.
في اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى، وقفت أمام قبر ريبيكا.
وضعت الفلاشة الصغيرة فوق قبرها للحظة، ثم ابتسمت.
“وعدتك إني هطلع الحقيقة.”
ثم أضفت:
“وطلعتها.”
بعد عام، أُغلق ملف مشروع M-17 نهائيًا، وحصلت عائلات الضحايا على تعويضات ضخمة.
أما أنا، فرفضت أخذ أموال عائلة سالجادو.
استخدمت جزءًا من التعويض الذي حصلت عليه لإنشاء مؤسسة لعلاج مرضى السرطان الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج.



