روايات وقصص

الخياطة الممتلئة حكايات شروق خالد

زعيم المافيا سخر من الخياطة الممتلئة لأنها ليست عارضة الأزياء التي طلبها، لكنها مزقت فستانًا ثمنه عشرون ألف دولار، وأهانت خصمه المسلح بنظرة واحدة، وكشفت  المخبأة داخل البنتهاوس المغلق.

دفعت بتول السيوفي زر المصعد الخاص للمرة الثانية.

لم يحدث شيء.

قال ياسين المنصوري من خلفها:
«المصعد محتاج تفويض بيومتري مني.»

استدارت بتول بسرعة حتى اصطدمت حقيبة الملابس المخملية بركبتها.

«إذن فعّله.»

كان ماء المطر لا يزال يبلل كتفي معطفها الطويل. تجعد شعرها الأحمر النحاسي بالكامل بسبب طقس نوفمبر، وحذاؤها الأسود الثقيل يصدر صوتًا خفيفًا فوق الرخام المصقول الذي يلمع كالمرآة.

كان ياسين يقف على بُعد عشرين قدمًا منها بجوار وحدة زجاجية، وفي يده كأس من الكريستال.

طويل القامة، أنيق إلى حد الكمال، وبارد بدرجة تجعل البنتهاوس الفخم يبدو أكثر برودة.

قال ببرود:
«أنتِ مش الست اللي أنا طلبتها.»

حدقت فيه بتول.

«وأنا لاحظت.»

تحركت عيناه عليها مرة واحدة، لا بشهوة ولا بلطف، وإنما بنظرة رجل اعتاد تقييم كل شيء أمامه.

كانت تعرف تلك النظرة جيدًا.

في أتيليه ليالي القاهرة، كان العملاء الأثرياء ينظرون إليها بالطريقة نفسها باستمرار.

مقاس كبير.

قصيرة بالنسبة لعروض الأزياء.

ممتلئة عند الخصر.

أيدٍ ماهرة، وجسد يفضّل الجميع ألا يراه.

وضع ياسين كأسه.

«أنا دفعت تمن نادين.»

«نادين فاتتها الطيارة. شيرين بعتتني بالفستان، واعتذار، وقالت لي إن من حقك تسترد فلوسك لو مش عاجبك الوضع.»

نظر ياسين إلى ساعته.

«العشاء هيبدأ بعد ربع ساعة.»

«يا خبر. مصيبة.»

ظهر خط رفيع بين حاجبيه.

رفعت بتول حقيبة الملابس.

«الفستان هنا. موظفينك يقدروا يتصرفوا في الباقي.»

«مفيش موظفين الليلة.»

«أحسن.»

ألقت الفستان على أحد الكراسي.

«أنا راجعة بيتي، هطلب بيتزا كبيرة لدرجة تخلي دكتور القلب يقلق، وهعتبر إن البنتهاوس ده ما كانش موجود أصلًا.»

ضغطت زر المصعد مرة أخرى.

ظل الضوء أحمر.

والمصعد مغلقًا.

زاد غضبها.

«يا أستاذ ياسين.»

«ياسين.»

«لا.»

ظهرت على وجهه لمحة تكاد تكون ابتسامة.

«افتح المصعد.»

وقبل أن يجيب، انفتح الباب المزدوج القريب من الردهة بعنف.

دخل رجل وهو يترنح.

كان الدم يغطي جانبًا من بدلته.

تجمدت بتول.

«يا باشا—»

تحرك ياسين فورًا.

أمسك بالرجل قبل أن يسقط فوق الرخام.

«لؤي.»

قال لؤي بصعوبة وهو يلهث:

«قدروا يعدوا الحراسة اللي تحت.»

ثم أخذ نفسًا متقطعًا.

«رجالة فارس الشناوي… دخلوا من مصعد الخدمة. عرفوا موضوع القاهرة الجديدة.»

تراجعت بتول حتى اصطدمت بباب المصعد.

وفجأة تغير صوت كل شيء داخل البنتهاوس.

المطر على النوافذ.

أنفاس لؤي المتقطعة.

وصوت ياسين الذي أصبح هادئًا بطريقة مخيفة.

«قدامنا قد إيه؟»

«يمكن دقيقتين.»

أخرج ياسين مسدسًا من أسفل سترته ووضعه في يد لؤي.

«على الأوضة الآمنة. حالًا.»

اختفى لؤي في الممر.

حدقت بتول في ياسين.

«يا نهار إسود.»

نظر إليها.

شعرت بمعدتها تنقبض.

«إنت مش مدير شركة شحن.»

«مش بس.»

«إنت مافيا.»

«الكلمة دي مش هتفيدنا دلوقتي.»

«بالعكس. دي أكتر كلمة مفيدة ليا دلوقتي.»

ضربت بتول زر المصعد بكفها.

«افتحه.»

«لا.»

اتسعت عيناها.

اقترب ياسين منها.

رفعت يدها أمامه.

«إوعى تلمسني.»

توقف فورًا.

تفاجأت بتول.

ثم قال:

«في رجالة داخلين من الباب ده، ومتوقعين يلاقوني مشغول. هم بالفعل اخترقوا المبنى. لو شافوكي بتحاولي تهربي، هيعرفوا إن في حاجة حصلت.»

«دي مشكلتك.»

«بقت مشكلتك لما اختاروا الليلة دي.»

«لا. بقت مشكلتي لما إنت قفلت المصعد.»

اشتد فكه.

لقد أصابت نقطة حقيقية.

نظر ياسين ناحية المدخل.

«عندك حق.»

رمشت بتول بدهشة.

«قدامك حوالي تسعين ثانية بس عشان تفضلي زعلانة مني.»

«جربني.»

«بعدها هفتح المصعد لو المكان بقى آمن.»

«لو؟»

نظر إلى حقيبة الملابس.

«خطة العشاء لسه مهمة.»

اتبعت بتول نظرته.

وفهمت.

«إنت مستحيل تقصدني.»

«الست اللي كان المفروض تدخل معايا من تحت.»

ضحكت بتول مرة واحدة.

«إنت طلبت عارضة أزياء طولها ستة أقدام.»

«أيوه.»

«وأنا طولي خمسة وأربعة.»

«أيوه.»

«وعندي فخذين.»

نظر إليها.

«لاحظت.»

«خلي بالك.»

تحرك طرف فمه وكأنه كاد يبتسم.

أشارت بتول إلى الحقيبة.

«الفستان ده مقاس عارضات أزياء.»

«تقدري تعدليه؟»

«في تسعين ثانية؟»

«إنتِ الخياطة.»

كان ذلك كافيًا ليجعل غضبها يتغلب على خوفها.

مزقت بتول حقيبة الملابس.

وانساب الحرير القرمزي فوق الكرسي.

كان الفستان رائعًا.

مرصعًا بالخرز يدويًا.

مصممًا بقصة مائلة.

ومفصلًا على جسد مختلف عنها تقريبًا في كل شيء.

فحصت بتول الجوانب.

«لا.»

راقبها ياسين.

«لا؟»

«مستحيل يتعدل صح في تسعين ثانية.»

تغير مؤشر المصعد.

شخص ما كان يصعد.

نظرت بتول إلى المؤشر.

ثم إلى الفستان.

وفجأة تحول عقلها إلى وضع آخر.

مش موضة.

تنفيذ.

نقاط الضغط.

بدل الخياطة.

الحركة.

خلعت معطفها، ثم توقفت.

«لف.»

استدار ياسين فورًا.

خلعت بتول ملابسها بسرعة، وارتدت الفستان وحاولت سحبه لأعلى.

توقف عند وركيها.

«طبعًا.»

لمحت مجموعة أدوات مكتبية نحاسية فوق المكتب.

مقص.

ثقيل.

مش مثالي.

لكن هيشتغل.

أمسكته.

سمع ياسين أول صوت للمقص وهو يقطع الحرير.

«إنتِ بتعملي إيه؟»

«بنقذ فستانك اللي تمنه عشرين ألف دولار من جنازة هتكلفك أكتر بكتير.»

قصت بتول جانبي الفستان من الأسفل إلى أعلى، وتوقفت قبل منحنى الورك.

تحرر الحرير.

سحبت الفستان إلى مكانه.

وبدلًا من أن ينسدل حول جسدها، احتضن خصرها ووركيها.

ظهرت ساقاها من خلال الفتحات التي صنعتها بنفسها.

لم يعد الفستان أنيقًا بالطريقة التقليدية.

بل أصبح أقوى.

«اقفل السحاب.»

استدار ياسين.

وتوقف.

رأت بتول اللحظة التي انهارت فيها كل افتراضاته عنها.

وكان ذلك يسعدها.

«يا أستاذ ياسين؟»

عاد نظره إلى عينيها.

«ياسين.»

«لسه لأ.»

وقف خلفها وأغلق السحاب دون أن يسمح ليديه بالبقاء عليها أكثر من اللازم.

«اسمك.»

«بتول السيوفي.»

رن جرس المصعد.

لكن ليس المصعد الخاص.

مصعد الخدمة.

اتجه انتباه ياسين فورًا نحو الردهة.

مد ذراعه لها.

نظرت بتول إلى ذراعه.

«أنا مش ملكك.»

«أنا ما قلتش إنك ملكي.»

«كويس.»

«ممكن تسيبي دراعي فاضي.»

اقتربت أصوات الخطوات.

اتخذت بتول قرارها.

أدخلت يدها في ذراعه.

مش خضوع.

خطة.

انفتح الباب المزدوج.

دخل ثلاثة رجال.

كان زعيمهم يرتدي بدلة غالية بلون الفحم، لكنها كانت سيئة عليه بشكل واضح.

لاحظت بتول ذلك قبل أن تلاحظ الوزن الموجود أسفل معطفه، والذي دل على وجود مسدس.

ابتسم.

«ياسين.»

«فارس.»

نظر فارس الشناوي إلى بتول.

تحولت سخريته إلى احتقار.

«سمعت إنك طالب عارضة أزياء.»

تجولت عيناه على جسدها بتعمد.

«واضح إن حد بعتلك الصورة قبل التعديل.»

ضحك أحد رجاله.

شعرت بتول بياسين يتحرك بجوارها.

تحركت يده ناحية سترته.

ضغطت على ذراعه.

«لأ.»

نظر إليها ياسين.

تقدمت بتول نصف خطوة.

بدأت تفحص فارس وكأنه واقف أمامها على منصة عرض.

«مثير للاهتمام.»

عبس فارس.

«في إيه؟»

«الجاكيت بتاعك.»

ساد الصمت.

مالت بتول برأسها.

«الكتف اليمين أوطى لأن الخياط حط حشو زيادة بدل ما يصلح وقفة جسمك. وطول البنطلون زيادة عن اللازم.»

توتر وجه فارس.

تابعت:

«والجزمة دي فيها دعامات من جوه عشان تزود طولك.»

صدر من ياسين صوت خافت.

كان قريبًا من الضحك.

ابتسمت بتول بحلاوة.

«إنت ما جيتش هنا عشان تبان قوي يا فارس.»

التقت عيناها بعينيه.

«إنت جيت لابس زي واحد مرعوب إن حد يقيسه على حقيقته.»

مد فارس يده داخل معطفه.

تحرك ياسين.

لكن بتول كانت أسرع منه.

وانفجر البنتهاوس بأصوات الرصاص.

حكايات شروق خالد

دوّى الرصاص في أرجاء البنتهاوس، وارتطمت إحدى الطلقات بالرخام خلف رأس بتول مباشرة.

صرخت من شدة المفاجأة، لكنها لم تسقط.

في اللحظة نفسها، جذبها ياسين بقوة خلف عمود رخامي، ثم انحنى وأطلق رصاصتين متتاليتين باتجاه الرجل الأقرب.

سقط الرجل أرضًا.

صرخ فارس:

«اقتلوا الاتنين!»

اختبأت بتول خلف العمود، وقلبها يضرب صدرها بعنف.

«إنت مجنون؟!»

نظر إليها ياسين وسط أصوات الرصاص.

«دلوقتي بس اكتشفتي؟»

«أنا خياطة يا ياسين! مش شريكة في عصابة!»

«واضح إنك شريكة دلوقتي.»

«أنا هقتلك بنفسي لو خرجنا من هنا!»

ظهرت ابتسامة سريعة على وجهه.

«اتفقنا.»

انطلقت رصاصة أخرى، فتناثر جزء من العمود الرخامي بجوارها.

شهقت بتول.

أمسك ياسين بيدها.

«تعالي.»

«فين؟»

«المطبخ.»

«ليه؟»

«لأن عندي ممر سري ورا الحائط.»

توقفت.

«طبعًا عندك ممر سري.»

«عندك اعتراض؟»

«عندي اعتراض على كل حاجة حصلت من أول ما دخلت هنا.»

«اشتكي بعدين.»

سحبها إلى المطبخ بينما كان رجاله يردون على إطلاق النار من الجهة الأخرى.

لكن فارس لم يكن غبيًا.

صرخ:

«اقفلوا الممرات! هو رايح للمطبخ!»

توقفت بتول.

نظرت إلى ياسين.

«هو عارف البنتهاوس كويس.»

«أيوه.»

«أكتر من المفروض.»

تغيرت ملامح ياسين.

اقترب من باب المطبخ، ثم أخرج هاتفه.

ظهرت على الشاشة صورة لمخطط المبنى.

همست بتول:

«قلت إن البنتهاوس مؤمّن.»

«كان مؤمّن.»

«يعني في حد من جواك ساعدهم.»

لم يجب.

«إنتِ مين؟»

ثم أغلق الهاتف.

«بس مريم قالت إن في شخص أعلى من فارس.»

«أيوه.»

«مين؟»

لم يجب.

ثم قال:

«عندي شك.»

«مين؟»

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى