روايات وقصص

الخاتم الذي أخفى أكبر سر في ليلة زفافي

لم أتحرك.
كنت واقفة بين رجل يقول إنه زوجي، ورجل يقول إنه أخي، وكل واحد منهما يملك جزءًا من الحقيقة التي أخفاها عني الجميع.
قلت لرائد:
«فين ميلا؟»
رد فورًا:
«في بيت قديم على طريق إسكندرية الصحراوي.»
آسر صاح:
«رائد، لو أخدتها هناك هتقتلها.»
التفت إليه.
«إنت عارف المكان؟»
صمت.
وهنا فهمت.
«إنت كنت هناك.»
لم يجب.
«آسر… إنت كنت هناك.»
قال بصوت منخفض:
«أيوه.»
«وكنت عارف إن ميلا موجودة؟»
«أيوه.»
شعرت بغصة في حلقي.
«من إمتى؟»
«من أول يوم قابلتك فيه.»
تراجعت كأنني تلقيت صفعة.
ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات كنت أعتقد أن الرجل الذي أحببته عرفني بالصدفة في إحدى حفلات رجال الأعمال، وأن علاقتنا بدأت بنظرة، ثم تحولت إلى حب، ثم إلى زواج.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
هو لم يقابلني صدفة.
كان يبحث عني.
قلت:
«ليه؟»
نظر إليّ طويلًا.
«عشان أحميكي.»
صرخت:
«بلاش كلمة أحميكي دي! كل اللي حصل النهارده استخدمتها كذريعة!»
خفض رأسه.
رائد قال:
«تعالي معايا يا سلمى.»
نظرت إليه.
«إنت أخويا فعلًا؟»
قال:
«أيوه.»
«إزاي؟»
«أبوكي الحقيقي كان يحيى القناوي. وأمك كانت نادية. بعد موت أبوكي، عم آسر أخدك بعيد عن العيلة، وسجلك باسم عائلة تانية. ميلا كانت عارفة الحقيقة من سنتين.»
قلت:
«ليه محدش قال لي؟»
«لأن اللي قتل أبوكي كان لسه عايش.»
ساد الصمت.
ثم سألت:
«مين؟»
نظر رائد إلى آسر.
آسر لم ينظر إليه.
قال رائد:
«عم آسر.»
شعرت أن الدم توقف في عروقي.
«أبو آسر؟»
«أيوه.»
آسر رفع رأسه.
«رائد، كفاية.»
«لأ. كفاية كذب.»
ثم نظر إليّ.
«أبوكي كان يملك مجموعة شركات ضخمة. أخوه طمع فيها. حصلت خيانة، وبعدها أبوكي مات في حادث عربية مدبر.»
قلت:
«وأمي؟»
«ماتت بعده بسنة.»
«وميلا؟»
«ميلا كانت عارفة إن الدور جاي عليها.»
بدأت أفهم.
«عشان كده اختفت.»
«أيوه.»
نظرت إلى آسر.
«وأنت كنت بتساعدها؟»
قال:
«كنت بحاول.»
«لكنها هربت منك.»
«لأنها اكتشفت حاجة أسوأ.»
«إيه؟»
صمت طويل مر بيننا.
ثم قال:
«إن أبويا مش هو القاتل الوحيد.»
تجمدت.
«مين كمان؟»
رفع عيني إليّ.
«أبوكي نفسه كان مخبي سر.»
اقترب رائد.
«والسر ده هو سبب إنك اتجوزتي آسر.»
قلت:
«مش فاهمة.»
رائد أخرج ملفًا من حقيبته وأعطاني إياه.
فتحته.
في الصفحة الأولى كان هناك عقد قديم.
وفي أسفله توقيع والدي.
قرأت السطر المكتوب:
«تنتقل ملكية الشركة كاملة إلى الابنة سلمى يحيى القناوي عند بلوغها الخامسة والعشرين، بشرط زواجها من أحد أفراد عائلة القناوي.»
رفعت رأسي ببطء.
«أنا أتممت الخامسة والعشرين الشهر اللي فات.»
قال رائد:
«بالضبط.»
نظرت إلى آسر.
«يعني أنت اتجوزتني عشان الشركة.»
لم يجب.
كانت دموعي تنزل دون أن أشعر.
«ثلاث سنين يا آسر.»
اقترب مني.
«سلمى…»
رفعت يدي.
«متقربش.»
توقف.
قلت:
«كل كلمة حب قلتها لي كانت كذبة؟»
هز رأسه.
«لا.»
«يبقى ليه؟»
قال:
«لأن في البداية كانت مهمة.»
ثم سكت.
«وبعدين؟»
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالندم.
«وبعدين بقيتي أنتِ الحقيقة الوحيدة في حياتي.»
ضحكت وسط دموعي.
«بس أنت خذلتني.»
قال:
«عارف.»
«وكدبت عليّ.»
«عارف.»
«وتجوزتني عشان شرط في عقد.»
«أيوه.»
«يبقى إنت مش زوجي.»
سقطت الكلمات بيننا كحكم نهائي.
رائد قال:
«لازم نمشي.»
هذه المرة لم أتردد.
أخذت حقيبتي الصغيرة، وتركت فستان الزفاف في الغرفة.
لم ألتفت إليه.
لكن قبل أن أصل إلى الباب، سمعت آسر يقول:
«سلمى.»
توقفت.
«لو خرجتي مع رائد، مش هقدر أحميكي بعد كده.»
استدرت.
«أنا مش عايزة حماية منك.»
خرجت.
وفي الممر، كان الفندق يعج بالحراس والضجيج.
لكنني لم أعد أشعر بالخوف.
لأنني كنت ذاهبة لأبحث عن ميلا.
بعد أقل من ساعة، توقفت السيارة أمام منزل قديم منعزل.
دخلت بسرعة.
ناديت:
«ميلا!»
لم يجب أحد.
ركضت إلى الداخل.
غرفة.
ثم أخرى.
ثم سمعت صوت بكاء خافت من الطابق العلوي.
صعدت الدرج.
فتحت الباب.
وتجمدت.
كانت ميلا جالسة على الأرض، ويداها مقيدتان، ووجهها شاحبًا.
ركضت نحوها.
«ميلا!»
رفعت رأسها.
وبمجرد أن رأتني، بدأت تبكي.
«سلمى… إنتِ ليه جيتي؟»
فككت قيودها.
«أنا جاية آخدك.»
احتضنتني بقوة.
لكن بعد ثوانٍ، ابتعدت ونظرت إلى وجهي.
«آسر عرف إنك عرفتي؟»
قلت:
«أيوه.»
أغمضت عينيها.
«يبقى إحنا اتأخرنا.»
«اتأخرنا في إيه؟»
قبل أن تجيب، سمعنا صوت باب المنزل يُغلق في الأسفل.
ثم صوت خطوات.
ميلا أمسكت بيدي بقوة.
«ده مش رائد.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى