روايات وقصص

الخاتم الذي أخفى أكبر سر في ليلة زفافي

قلت:
«أمال مين؟»
رفعت عيني إليها.
«أبو آسر.»
ثم انطفأت أنوار المنزل بالكامل.
وفي الظلام، سمعنا صوت رجل يقول:
«مساء الخير يا بنات يحيى.»
وتوقفت أنفاسي.
لأن الصوت كان مألوفًا.
كان صوت الرجل الذي رباني طوال خمسة وعشرين عامًا.
صوت أبي الذي كنت أعتقد أنه مات منذ سنوات.
لكن أبي…
كان حيًا.
حكايات شروق خالد
تجمدت مكاني.
صوت أبي.
مستحيل.
أنا حضرت جنازته.
رأيت النعش بعيني.
بكيت أمام قبره.
عشت سنوات وأنا أضع صورته بجانب سريري وأتحدث إليه في صمت.
لكن الصوت الذي خرج من الظلام كان صوته.
قلت وأنا أرتجف:
«بابا؟»
ضحك الرجل.
ضحكة قصيرة باردة.
ثم اشتعل ضوء صغير في آخر الممر.
ظهر رجل مسن يرتدي بدلة سوداء.
كان وجهه أكبر سنًا، وشعره أبيض، وندبة واضحة تمتد بجانب حاجبه.
لكن عينيه…
عينيه كانتا عيني أبي.
ميلا تشبثت بذراعي.
همست:
«متروحيش ناحيته.»
تقدمت خطوة.
«إنت مين؟»
ابتسم.
«أنا الشخص اللي اتدفن باسمه راجل تاني.»
شعرت بالدوار.
«ليه؟»
قال:
«لأن موتي كان الطريقة الوحيدة أحمي بيها بناتي.»
نظرت إلى ميلا.
«بناتي؟»
ابتسم.
«أيوه يا سلمى. أنتِ وميلا.»
صرخت:
«إحنا أخوات؟»
قال:
«أخوات من الأب.»
التفت إلى ميلا.
«لكن أم ميلا كانت أخت نادية. بعد موت أمها، نادية ربتها معكِ.»
لم أستطع استيعاب شيء.
«يعني أمي…»
«كانت أمك الحقيقية، لكن ميلا كانت بنت أختها.»
ميلا بكت.
«كان لازم تقول لنا.»
اقترب الرجل.
«لو قلت لكم، كنتوا هتموتوا.»
قلت:
«مين كان عايز يقتلنا؟»
قبل أن يجيب، دوّى صوت إطلاق نار من الطابق السفلي.
ثم صرخة رائد.
الرجل لم يتحرك.
قال بهدوء:
«رجال آسر وصلوا.»
نظرت إليه.
«آسر؟»
«أيوه.»
«هو عايز يقتلنا؟»
هز رأسه.
«لا.»
ثم قال:
«هو جاي ينقذكم.»
لم أصدقه.
«بعد كل اللي عمله؟»
«آسر قضى ثلاث سنين يحاول يحميك من عيلته.»
قلت بغضب:
«هو خدعني!»
«لأنه لو قال لك الحقيقة، كانوا هيقتلوك قبل ما تكملي خمسة وعشرين سنة.»
توقفت.
ثم سألت:
«وعقد الزواج؟»
تنهد.
«العقد كان فخًا.»
«من مين؟»
«من أخويا.»
«أخو يحيى؟»
«أيوه.»
نظر إلى ميلا.
«كان عايز يسيطر على ثروتك. وعشان كده أجبر آسر على الزواج منك.»
قلت:
«إجبره إزاي؟»
«هدده بقتل ميلا.»
رفعت عيني إلى ميلا.
فهمت فجأة.
كل مرة كان آسر يتوتر عندما أذكر اسمها.
كل مرة كان يرفض الحديث عنها.
كل مرة كان يقول إنه يحميها.
لم يكن يخاف منها.
كان يخاف عليها.
وفي تلك اللحظة، سمعنا صوت آسر من أسفل الدرج:
«سلمى!»
نظرت إلى ميلا.
ثم إلى الرجل الذي كنت أعتقد أنه أبي.
قال:
«لو لسه بتحبيه، دي فرصتك تعرفي الحقيقة كلها.»
نزلت الدرج بسرعة.
كان آسر واقفًا في منتصف الصالة، وبجواره رائد، بينما ثلاثة رجال مسلحين كانوا ممددين على الأرض.
عندما رآني، توقف.
قال:
«أنتِ بخير؟»
لم أجب.
اقترب.
«سلمى…»
قلت:
«ليه؟»
«إيه؟»
«ليه ما قلتليش إنك كنت بتحميني؟»
أغمض عينيه.
«لأن الحقيقة كانت هتقتلك.»
«والكذب؟»
قال:
«قتلني أنا.»
سكت.
ثم أخرج من جيبه خاتمًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.
«ده كان مع ميلا يوم اختفائها.»
نظرت إليه.
«إيه ده؟»
قال:
«مفتاح.»
«مفتاح إيه؟»
«خزنة أبوكي.»
تدخل الرجل الذي ظننته أبي:
«الخزنة فيها الدليل الأخير.»
سألت:
«دليل على إيه؟»
قال:
«مين قتلني.»
ثم أضاف:
«ومين حاول يقتل ميلا.»
فجأة، سمعنا صوت سيارة تنطلق بسرعة أمام المنزل.
رائد اقترب من النافذة.
ثم قال:
«في حد هرب.»
آسر أمسك هاتفه.
قرأ رسالة.
وتغير وجهه.
قلت:
«إيه؟»
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة من رقم مجهول:
«مبروك يا سلمى. وصلتي للحقيقة أخيرًا. بس في حاجة واحدة لسه متعرفيهاش.»
أسفل الرسالة صورة.
صورة لوالدتي.
وبجانبها رجل آخر.
لم يكن أبي.
كان عم آسر.
وتحت الصورة تاريخ اليوم الذي ماتت فيه أمي.
ثم ظهرت رسالة ثانية:
«أمك لم تمت في حادث.»
شعرت بقلبي ينقبض.
«يعني إيه؟»
وصلت الرسالة الأخيرة:
«أنا اللي قتلتها.»
رفعت عيني إلى آسر.
لكنه لم يكن ينظر إلى الهاتف.
كان ينظر إلى الرجل الواقف خلفي.
أبي.
وقال بصوت خافت:
«هو مش أبوكي.»
تجمدت.
التفتُّ ببطء.
الرجل ابتسم.
ثم قال:
«آسر… كنت أتمنى ألا تعرف الحقيقة بهذه السرعة.»
وفي اللحظة التالية، أخرج مسدسًا.
لكن قبل أن يوجهه نحونا، دوّى صوت طلقة.
وسقط رائد على الأرض.
صرخت وأنا أركض نحو رائد.
«رائد!»
كان الدم ينتشر على قميصه، لكنه كان لا يزال واعيًا.
آسر اندفع نحوي وسحبني خلفه.
أما الرجل الذي ادعى أنه أبي، فقد حاول الهرب.
لكن ميلا كانت أسرع.
أمسكت بالمصباح وضربته به بكل قوتها، فسقط على الأرض.
وصلت الشرطة بعد دقائق، بعدما كان آسر قد أرسل موقع المنزل إلى أحد الضباط الذين يثق بهم.
وفي الفوضى التي أعقبت ذلك، ظهرت الحقيقة كاملة.
الرجل لم يكن أبي.
كان شقيقه التوأم، الذي استولى على هويته بعد وفاته، وكان هو العقل المدبر وراء كل شيء.
هو الذي قتل والدتي.
وهو الذي دبّر موت والدي الحقيقي.
وهو الذي أخفى الحقيقة عني وعن ميلا.
أما والد آسر، فقد كان شريكه، لكنه لم يكن يعرف أن الأمور ستصل إلى محاولة قتلنا.
عندما فتحت الشرطة الخزنة، وجدنا بداخلها تسجيلات ووثائق تثبت كل شيء.
ومن بينها رسالة كتبها والدي قبل موته.
قرأتها ويدي ترتجف:
«سلمى، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك. لكن أتمنى تعرفي حاجة واحدة… ما تثقيش في الاسم، ثقي في الأفعال.»
بكيت.
لأول مرة منذ تلك الليلة، شعرت أنني أستطيع التنفس.
رائد نجا من الإصابة بعد عملية طويلة.
وميلا بقيت بجانبه حتى استعاد وعيه.
أما آسر…
فقد تركني وحدي لثلاثة أشهر.
لم يطلب مني السماح.
لم يضغط عليّ.
لم يحاول تبرير نفسه.
كان يعرف أن ما فعله حطّم ثقتي فيه.
وبعد ثلاثة أشهر، ذهبت إليه.
كان يقف في شرفة مكتبه ينظر إلى القاهرة.
قال عندما رآني:
«إنتِ كويسة؟»
ابتسمت.
«لأ.»
خفض عينيه.
«حقك عليا.»
قلت:
«بس يمكن أبقى كويسة يومًا ما.»
رفع رأسه.
«وأما؟»
نظرت إليه طويلًا.
«إنت لسه قدامك طريق طويل عشان أصلح اللي كسرته.»
قال:
«هستنى.»
مرت سنة.
لم أعد سلمى التي دخلت ذلك الفندق بفستان أبيض وقلب مليء بالأحلام.
تعلمت أن الحب وحده لا يكفي.
وأن الزواج لا يبدأ بخاتم.
بل بالصدق.
وفي النهاية، سامحت آسر.
لكنني لم أنسَ.
وفي يوم هادئ على شاطئ الإسكندرية، وقف أمامي من جديد.
هذه المرة بلا حراس.
بلا أسرار.
وبلا عقود.
أخرج خاتمًا بسيطًا من جيبه.
وقال:
«المرة دي، لو قلتي لأ، هفهم.»
نظرت إلى الخاتم، ثم إليه.
وضَحكت.
«المرة دي أنا اللي هختار.»
مددت يدي.
«أيوه.»
ابتسم، ووضع الخاتم في إصبعي.
وعندما احتضنني، لم أسمع اسم ميلا.
لم أسمع اسمًا من الماضي.
سمعت فقط صوته وهو يهمس:
«بحبك يا سلمى.»
أغمضت عيني.
لأول مرة، صدقته.
لأن هذه المرة…
لم يكن هناك سر بيننا.
وكانت تلك هي البداية الحقيقية لزواجنا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى