
“لو مش هتشربي العصير ده يا شروق، هبدأ أفكر إنك شايفة نفسك علينا… وإنتِ عارفة كويس إن اللي بيشوف نفسه على أهل البيت، بيدفع التمن غالي.” كان حمدي الدمنهوري واقف على باب أوضتي، ماسك كوباية عصير برتقال، وعلى وشه ابتسامة غريبة خلت جسمي كله يقشعر.
كانت الساعة قربت على الحداشر بالليل. المطر كان بيخبط بعنف في شبابيك البيت الكبير اللي في القاهرة، وجوزي ياسين كان مسافر الإسكندرية في شغل، وحماتي نجوى كانت خرجت الصبح بدري تقضي كام يوم عند أختها في المنصورة.
يعني أنا كنت لوحدي في البيت مع حمدي وبنته مي.
اسمي شروق، عندي تسعة وعشرين سنة، ومتجوزة ياسين بقالنا سنتين.
من بره، عيلة الدمنهوري كانت باينة للناس إنها عيلة محترمة ومثالية.
حمدي، الراجل اللي قضى سنين طويلة مدير مدرسة ثانوي ودايمًا بيتكلم عن الأخلاق والتربية.
نجوى، مراته اللي ما كانتش بتبطل كلام عن أصل العيلة وسمعتها.
ياسين، جوزي، اللي كان شغال مدير في شركة كبيرة.
ومي، أخته المدلعة، اللي كانت عايشة طول عمرها وهي مقتنعة إن كل اللي حواليها لازم يخدموها.
بس الحقيقة إن أوسخ الأسرار بتتخبى ورا أنضف الأبواب.
من أول ما اتجوزت ياسين، وأنا حاسة إن نظرات حمدي ليا مش طبيعية.
في الأول افتكرتها مجرد أوهام.
تعليقات غريبة.
نظرات طويلة.
لمسات “بالغلط” في الممر.
ودخول متكرر للمطبخ كل ما يلاقيني لوحدي.
مرة اتكلمت مع ياسين.
ضحك وقال لي:
“أبويا راجل قديم شوية يا شروق، متكبريش الموضوع.”
ولما لمحت لحماتي، بصت لي ببرود وقالت:
“خلي لبسك أهدى شوية، عشان ما تفتحيش باب لسوء الفهم.”
ومن يومها وأنا بقيت بخاف أتكلم.
لكن الليلة دي كانت مختلفة.
فتحت باب أوضتي سنة صغيرة، وفجأة حسيت بتوتر غير مبرر في الأجواء.
حمدي ابتسم وقال بصوت واطي:
“يلا يا بنتي، اشربي. إنتِ شكلك مرهقة. العصير ده هيريح أعصابك ويساعدك تنامي.”
بصيت للكوباية اللي في إيده.
ولاحظت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
على حافة الكوباية من جوه كان فيه أثر أبيض خفيف، جزء منه لسه ما دابش.
أنا عارفة شكل السكر.
وده ما كانش سكر.
معدتي اتقبضت.
لو صرخت، ممكن يدخل بالعافية.
ولو رفضت، ممكن يقلب الموضوع بكرة ويقول إني قليلة الذوق وبشك فيه.
فابتسمت بالعافية وقلت:
“متشكرة يا حمدي. حطها على المكتب وأنا هشربها كمان شوية.”
ابتسامته اختفت.
“لأ.”
اتقدم خطوة.
“اشربيها دلوقتي.”
صوته كان هادي، بس الأمر اللي فيه كان واضح.
رفعت الكوباية ببطء.
عينيه كانت مثبتة على شفايفي.
كنت على وشك ألمس حافة الكوباية بفمي، وفجأة…
باب البيت اتقفل تحت بعنف.
وصوت مي دوّى في الصالة:
“في حد صاحي هنا؟! إيه الضلمة دي كلها؟!”
حمدي اتوتر.
وشه شحب للحظة، وبعدها بعد عينيه عني بسرعة وعدّل ياقة قميصه.
“هشوف مي.”
وخرج من قدامي.
فضلت واقفة مكاني، ماسكة الكوباية، وقلبي بيخبط في صدري.
أنا كنت متأكدة.
الراجل ده كان ناوي يعمل فيا حاجة.
بعد كام دقيقة، طلعت مي السلم وهي بتتكلم بصوت عالي ومضطرب.
دخلت أوضتي من غير ما تخبط، ورمت شنطتها على الكرسي، وبعدها وقعت على طرف السرير.
“شروق… هاتيلي مية. أنا هموت من العطش.”
بصيت لها من غير كلمة.
قالت بعصبية:
“وبلاش تبصيلي كده. أقل واجب تعمليه.”
مي طول السنتين اللي فاتوا كانت بتعاملني كأني خدامة عندهم.
تاخد هدومي من غير إذن.
تتكلم عني قدام حماتي.
وتستمتع إنها تحرجني في كل فرصة.
لكن عيني وقعت على كوباية العصير الموجودة على الكومودينو.
أنا ما عملتش لها الفخ.
أبوها هو اللي عمله.
مسكت الكوباية وقلت بهدوء:
“خدي. عصير فريش، وأنا مش عايزاه.”
مي خطفت الكوباية من إيدي وشربتها كلها تقريبًا في تلات رشفات.
مسحت بوقها وقالت:
“طعمه وحش أوي. حتى العصير مش عارفة تعمليه عدل.”
ما عديش عشر دقايق.
جفونها بدأت تقفل.
نفسها بقى تقيل.
وبعدها وقعت على السرير، وغابت عن الوعي.
وقفت مكانى ثواني.
وبعدين أخدت موبايلي واللاب توب بتاعي، وخرجت من الأوضة على أطراف صوابعي.
ما دخلتش أوضة الضيوف.
دخلت دولاب الملايات الموجود في الممر، وسيبت الباب مفتوح سنة صغيرة.
ومن الفتحة قدرت أشوف أوضتي.
عدت عشرين دقيقة.
وفجأة…
سمعت خطوات هادية على السجاد.
خطوات حد داخل وهو عارف بالضبط هو رايح فين.
ظهر حمدي في آخر الممر.
لكن المرة دي ما كانش شكله مرتبك.
كان هادي جدًا.
وعينيه مليانة حاجة خلت قلبي يقف.
وقف قدام باب أوضتي.
فتحه ببطء.
ودخل.
وبعدين قفل الباب وراه بهدوء.
طلعت موبايلي، وفتحت تسجيل الفيديو.
إيدي كانت بتترعش، لكني فضلت ماسكة الموبايل.
كنت فاكرة إن حمدي دخل أوضتي عشان يعمل في مي حاجة بعد ما شربت العصير.
لكن بعد ثواني سمعت صوتًا من جوه الأوضة…
وصوت الشخص اللي رد عليه خلاني أحس إن الدنيا كلها وقفت.
لأن الشخص اللي كان جوه أوضتي ما كانش مي وحدها.
ولأول مرة فهمت إن اللي حصل الليلة دي ما كانش حادثة عشوائية…
كان جزء من خطة أكبر بكتير.
وأنا، من غير ما أقصد، بدلت الكوبايات في اللحظة الوحيدة اللي أنقذت حياتي…
لكنها حطت أخت ياسين في خطر.
والأخطر من كل ده؟
إني اكتشفت إن ياسين نفسه كان يعرف إن أبوه ناوي يعمل حاجة من البداية.
حكايات شروق خالد
الفصل الثاني
فضلت جوه دولاب الملايات، بحبس نفسي بالعافية عشان ما أطلعش أجري.
الموبايل كان في إيدي، والتسجيل شغال.
من خلال فتحة الباب الصغيرة، شفت حمدي واقف جوه أوضتي.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في وجوده.
كانت في الشخص اللي دخل وراه.
مي.
اتصدمت.
إزاي مي واقفة على رجليها بعد العصير؟
كنت شايفاها بعيني وهي بتقع على السرير.
وفجأة فهمت.
هي ما كانتش فاقدة الوعي أصلًا.
كانت بتمثل.
سمعت صوتها وهي بتقول:
“إنت متأكد إن شروق مش موجودة؟”
رد حمدي بهدوء:
“متأكد. هي خرجت من أوضتي من بدري.”
قبضت على الموبايل أكتر.
يعني هما الاتنين متفقين.
مي قربت من المكتب وقالت:
“والعصير؟”
حمدي رد:
“اتشرب.”
سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت متوتر:
“إنت حطيت فيه إيه يا بابا؟”
حمدي ما ردش.
قرب من المكتب وفتح درج صغير.
طلع منه ظرف بني.




