
أول مرة شفت فيها بنتي العمياء، اللي عندها 12 سنة، بتضرب إنسان تاني، إيدي قربت تروح للمسدس اللي تحت الجاكيت. مش عشان جريس كانت بتخسر، لكن عشان صدّت الهجوم باحتراف خلاني أستوعب فجأة إن في حد جوه بيتي كان بيدرّبها من ورا ضهري.
لسه المطر متعلق في معطفي الأسود لما وقفت عند باب القبو القديم تحت الفيلا بتاعتي في القاهرة.
جنى كانت واقفة حافية على سجادة التدريب، ماسكة عصاية خشب بإيديها الاتنين. عينيها الفاتحة كانت بتبص للفراغ، غايمة من يوم ما اتولدت، بينما نادين—مدبرة البيت الهادية اللي عيّنتها من أربع شهور—كانت بتلف حواليها بصبر مفترس.
قالت نادين:
“تاني.”
وبعدين هاجمت.
العصاية اندفعت ناحية كتف جنى الشمال بسرعة خلتني أسمع صفير الهوا.
كل غريزة جوايا كأب، وكراجل مسيطر على واحدة من أخطر العائلات في القاهرة، قالتلي أتدخل.
لكن جنى اتحركت الأول.
ميلت ناحية الضربة، لفت وسطها، ورفعت عصايتها في صدّة مائلة مثالية.
العصا خبطت في العصاية.
صوت الخبطة دوّى في القبو كأنه طلقة نار.
خدود بنتي كانت حمرا، وضفيرتها كانت فكت، وكدمة بنفسجية بدأت تظهر على دراعها. ومع ذلك، إيديها ما اهتزتش.
قالت نادين:
“شُطّورة. سمعتي تغيّر وزن جسمها، بس استنيتي الصوت. النية بتيجي قبل الصوت.”
جنى هزت راسها.
“تاني.”
قلت:
“لأ.”
الاتنين لفوا ناحيتي.
قالت جنى:
“بابا؟”
بان الارتياح على وشها للحظة، قبل ما تسمع الغضب في سكوتي.
دخلت جوه، والرجالة المسلحين اللي ورايا فضلوا واقفين في الممر.
كانوا عارفين أحسن من إنهم يدخلوا ورايا.
قلت:
“إيه اللي بيحصل هنا؟”
نادين نزلت العصاية.
أربع شهور وأنا شايفها مجرد ست عادية، بتلبس هدوم بسيطة، بتنضف الأوض بهدوء وتختفي قبل ما حد ياخد باله منها.
لكن وهي واقفة دلوقتي بوضعية مقاتلة، شكلها بقى فجأة زي سر اتدفن بطريقة غلط.
قالت:
“أنا بعلّم جنى.”
قلت بحدة:
“بتعلميها تتأذي؟”
ردت بهدوء:
“بتعلمها إزاي ما تتأذيش.”
بصيت لبنتي.
“اطلعي فوق يا جنى.”
قالت:
“لأ.”
الكلمة دي كانت أقوى من صوت العصاية نفسها.
شدّيت فكي.
“جنى.”
قالت وهي ماسكة العصاية أكتر:
“مش من حقك تسحبني من كل مكان بحس فيه لأول مرة إني ليا حياة خاصة بيا.”
الغضب عليّ جوايا، لكن تحته كان في حاجة أسوأ.
الخوف.
قلت:
“إنتِ عندك 12 سنة. إنتِ عمياء. وإنتِ بنتي. ومش إنتِ اللي تقرري يعني إيه خطر في العيلة دي.”
جنى شدت على العصاية أكتر.
“إنت اللي بتقرر كل حاجة. أنهي طرقة أمشي فيها. أنهي عربية توديني مكان. مين يتكلم معايا. وأنهي شبابيك تفضل مقفولة.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“إنت بتسميه حماية يا بابا… بس أنا حاسة إني مدفونة وأنا عايشة، جوه بيت جميل.”
القبو كله سكت.
لفيت ناحية نادين.
“إنتِ اللي حطيتي الكلام ده في دماغها؟”
قالت بهدوء:
“لأ. الكلام كان جواها من الأول. أنا بس سمعت.”
عصبيتي اشتدت فورًا.
قلت:
“إنتِ مطرودة.”
جنى شهقت.
لكن نادين ما اتحركتتش.
قالت:
“لأ يا أستاذ ياسين… أنا مش هتطرد.”
الرجالة اللي واقفين بره اتحركوا في أماكنهم.
مشيت ناحيتها ببطء، لحد ما بقى بينا كام خطوة بس.
رجالة كتير قبل كده كانوا بيتوسلوا عشان حياتهم قدامي، وما كانش التوتر في المكان بالشكل ده.
قلت:
“دخلتي بيت أخطر راجل في القاهرة بهوية مزيفة. ودلوقتي بتدرّبي بنته العمياء في السر على القتال.”
قالت:
“هي اللي طلبت مني.”
قلت:
“دي طفلة.”
ردت من غير تردد:
“دي وريثتك.”
الكلمة دي غيّرت كل حاجة.
دمّي تلج.
قلت:
“جنى مالهاش أي علاقة بشغلي.”
نادين بصت في عيني مباشرة وقالت:
“أعداؤك مش شايفين كده.”
إيدي اتقبضت.
قلت:
“قولي تاني.”
ببطء، نادين دخلت إيدها تحت هدومها، وطلعت السلسلة الفضية الرفيعة اللي عمرها ما كانت بتفارق رقبتها.
كان متعلق فيها شيء معدني.
وأول ما شفت الرمز المحفور عليه، كل غريزة جوايا صرخت إن “نادين” مش اسمها الحقيقي.
وإن الست اللي دخلت بيتي من أربع شهور، شايلة سر ممكن يهدّ كل حاجة بنيتها طول عمري.
حكايات شروق خالد
وقفت قدام نادين وأنا مركز في الرمز اللي متدلي من السلسلة.
كان عبارة عن خنجر صغير محفور عليه عقرب ملتف حوالين نصل.
الرمز ده أنا عارفه كويس.
رمز عيلة “الحداد”.




