روايات وقصص

زوجي كان واقف قدام قبره ج1 حكايات شروق خالد

لكن رجلي ما اتحركتش.

وقفت قدامه وأنا بعيط.

قلت:

“إنت ميت.”

بص في عيني.

وقال:

“لا.”

صرخت:

“أمال إيه اللي حصل؟!”

سكت.

قرب أكتر.

المطر كان بينزل على وشه، وهو واقف قدامي كأنه راجع من عالم تاني.

ضربته بإيدي على صدره.

مرة.

واتنين.

وتلاتة.

“إنت سبتني!”

ما ردش.

“ست شهور!”

فضل ساكت.

“ست شهور وأنا كل يوم بدفنك في قلبي!”

مسكني من إيدي.

قلت:

“سيبني!”

سابني فورًا.

بصيت له وأنا منهارة.

“ليه؟”

قال:

“لو كنت عرفتك إني عايش، كنتِ هتموتي.”

ضحكت وسط دموعي.

“وأنا عشت إزاي من غيرك؟”

خفض عينيه.

ولأول مرة شفت حاجة في وشه عمري ما شفتها قبل كده.

الندم.

قال:

“كنت عايز أرجع لك من أول يوم.”

“أمال ليه ما رجعتش؟”

سكت.

وبعدين قال:

“عشان اللي حصل مش حادثة.”

قلبي دق أسرع.

“يعني إيه؟”

بص للقبر.

وبعدين بصلي.

“الانفجار كان معمول عشاني.”

اتجمدت.

“مين؟”

قال:

“الراجل اللي حاول يقتلني مش عدوي.”

سكت لحظة.

“ده كان أقرب واحد ليا.”

بصيت له وأنا مش فاهمة.

“مين؟”

لكن قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية بتقف بعيد عند بوابة المقابر.

حسن لف بسرعة.

ملامحه اتغيرت في لحظة.

رجع حسن اللي الناس كلها كانت بتخاف منه.

حط نفسه قدامي.

وقال بصوت حاسم:

“ورايا.”

قلت:

“مين دول؟”

رد من غير ما يبصلي:

“الناس اللي كنت بحاول أحميكي منهم.”

وبعدين مسك إيدي.

“دلوقتي فهمتِ ليه لازم تفضلي مصدقة إني ميت؟”

بصيت له.

وقلت:

“بس أنا مش هصدق أي حاجة تاني غير لما تقولي الحقيقة كلها.”

شد على إيدي.

وسكت.

ومن بعيد، بدأت خطوات رجالة تقترب وسط المطر.

وفي اللحظة دي فهمت إن الست شهور اللي فاتوا ماكانوش نهاية حكايتي مع حسن.

كانوا مجرد البداية.

حكايات شروق خالد

ما إن شفت العربية بتقف عند بوابة المقابر، حسن شد إيدي أكتر وقال بصوت واطي:

“متطلعيش صوت.”

بصيت له بصدمة.

“إنت بتقول إيه؟”

حط صباعه على شفايفه، وبعدين أشار ناحية سور المقابر.

كان فيه تلات عربيات سودا واقفة، ونزل منها رجالة لابسين هدوم غامقة. كانوا بيتحركوا بهدوء غريب، كأنهم عارفين المكان كويس.

حسن قرب مني وقال:

“هتعملي بالظبط اللي هقولك عليه.”

هزيت راسي بعناد.

“لأ.”

بصلي.

“لأ إيه؟”

“أنا مش هستخبى وراك تاني. ست شهور يا حسن وأنا فاكرة إنك ميت. ست شهور وأنا عايشة في عذاب، وأهو رجعتلي من الموت وعايز تكمّل تخبي عليا!”

ملامحه قست.

“لو فضلتِ واقفة هنا، مش هيبقى عندك فرصة تعرفي أي حاجة.”

سكت.

لأن نبرة صوته كانت مختلفة.

مش نبرة تهديد.

كانت نبرة خوف.

حسن كان خايف.

ولأول مرة في حياتي أشوف الراجل اللي محدش بيقدر يقرب منه، واقف قدامي وعينيه فيها خوف عليا.

قال:

“تعالي.”

شدني وراه ناحية مقبرة قديمة في آخر الصف.

فتح باب حديد صغير كان مستخبي ورا شجرة، ودخلني.

قبل ما يدخل، بص ناحية البوابة.

واحد من الرجالة بدأ يقرب.

حسن قفل الباب بهدوء، ووقف قدامي.

كنت لازقة في الحيطة وقلبي بيخبط بعنف.

همست:

“مين دول؟”

قال:

“رجالة سامح.”

اتجمدت.

“سامح؟”

سامح كان ابن عم حسن.

أقرب شخص ليه.

الراجل اللي حضر جنازته.

واللي قعد جنبي يوم الدفنة، وكان هو أكتر واحد بيطبطب عليا ويقول:

“حسن كان بيحبك، ولازم تكوني قوية.”

حطيت إيدي على بوقي.

“سامح؟”

حسن هز راسه.

“هو اللي دبّر الانفجار.”

حسيت الدنيا بتلف بيا.

“بس ليه؟”

“عشان ياخد كل حاجة.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“الشركات، المخازن، الأراضي… والأهم من كل ده، السيطرة على الناس اللي تحت إيدي.”

قلت:

“بس إنت كنت ميت بالنسبة للكل.”

ابتسم ابتسامة مرة.

“وده كان المطلوب.”

قربت منه.

“طب الجثة؟”

سكت.

“الجثة اللي دفنتها كانت مين؟”

نزل عينه للأرض.

“واحد من رجالي.”

شهقت.

“يعني إنت دفنت واحد مكانك؟”

“كان مقتول قبل الانفجار.”

بصيت له بقرف وحزن في نفس الوقت.

“وكنت سايبني أزور قبر مش قبرك؟”

قال بهدوء:

“كنت براقبك.”

صرخت:

“بتراقبني؟!”

“كل جمعة.”

سكت.

“كل مرة كنتِ بتيجي فيها هنا، كنت شايفك.”

اتسعت عيني.

“كنت هنا؟”

هز راسه.

“أيوه.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

“كنت بتشوفني وأنا بعيط؟”

ما ردش.

قربت منه وضربته على صدره.

“كنت بتسمعني وأنا بقول إني آسفة؟”

سكت.

“كنت بتسمعني وأنا بقول إني مش عارفة أعيش من غيرك؟”

عينيه اتكسرت.

ولأول مرة مد إيده وحاول يمسح دموعي.

بعدت عنه.

“ما تلمسنيش.”

سحب إيده فورًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى